لقاء مع الحقائق

PDFطباعةإرسال إلى صديق

الثقافية تحاور الشاعر : ريان الشققي

 *الشاعر السوري ريان الشققي حوار خاص" بالحقائق"
*لن أغير قناعاتي وثوابتي
*بالاختلاط والمعاشرة تتربع الصورة على عرش الكتابة
*العطاء صفة إنسانية لا يخلو منها إنسان
*التعبير جزء من نبض البشرية واستمرارها
*يضيق صدري من البعد والأسى على نفسي
 
 حوار أجراه من رام الله جميل حامد
خاص “ الحقائق"
 
تقف الصورة أحيانا عند منحنيات تفرضها آليات التعايش... الغربة والبعد عن الوطن والحنين إلى حيث يجب أن نكون تنقلنا إلى مساحات أخرى من الفعل ... هي الحياة التي  تتعنْون بالنجاح الإرادي... وهي الذاكرة التي تضعنا في قعر الاحاسيس.... فبين الشعر والهندسة أو العكس يرقد الإحساس بالأشياء وينطق باسم الوطن البعيد ...الوطن الخاص ...الوطن القديم /الجديد .....الوطن الكبير وفي القلب منه فلسطين وطن العرب جميعا بإبداعهم وعواطفهم ....
 
الشاعر ريان الشققي صافح الحقيقة وأرسى دعائم صداقتها بأشعاره التي عبرت عن أحاسيس صاحبها وما زالت فمن هو؟ وماذا يقول؟... من رام الله إلى حيث هو يسكن بأحاسيسه وضعنا معا حروف هذا اللقاء... فماذا يقول ابن حماة....البساتين والنواعير.....؟؟
إلى التفاصيل...
 
الحقائق / لنبدأ من الشاعر  ريان الشققي من هو في أبجديات الحياة؟
ريان عبدا لرزاق الشققي من مدينة حماة في سوريا، البساتين والنواعير، الآثار القديمة والربيع الطلق بديع الألوان، انتقلت إلى دمشق للدراسة الجامعية ثم حوّلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحصلت على البكالوريوس ثم الماجستير في الهندسة ثم انتقلت إلى لوس أنجلس في أقصى الغرب الأمريكي للعمل عدة سنوات، وعدت بعدها إلى المملكة العربية السعودية مع العائلة من أجل العمل والمعاش، أصدرت في أمريكا كتابين في الشعر في البدايات ووزعتها على الجالية العربية في لوس أنجلس وهما (شوق ووطن) ثم (عبور)، وفي المملكة العربية السعودية أصدرت رواية ومجموعة شعرية ثم أصدرت في سورية روايتين وقصة طويلة ثم أصدرت في بيروت مجموعة (نهض الحجر) الخاصة بقضية فلسطين الحبيبة.

الحقائق / أين أنتم من الوطن؟
الشققي / هو الموئل الأول والملاذ ولا يعلو صوت فوق صوت الوطن، غادرت ورحلت ثم رحلت فلا تراني إلا عائدا والعقل الباطن لا يتوانى أن يعمل دون إرادة في حب الوطن بما فيه من البلاء والابتلاء والمخاض، وجدت نفسي مستقرا في أحضان الغربة البعيدة لزمن دون دراية مني ثم ما لبثت أن انتابني الحنين وشدني الهيام إلى الوراء لأنظر من الداخل نحو الأعماق، والحياة خيوط تشدنا لا ندري أيها أقوى ولصالح من تكون الغلبة فنتركها على سجيتها تتفاعل وسيغلب الصحيح في النهاية في أغلب الأحوال، على الأقل هذا ما نرجو،  فها هو الوطن غلبني وأنا سعيد بذلك، ولكن تلك السعادة التي تبقى حذرة لما ينتابنا من شعور بالتقصير تجاه ما نريد عمله من أجل رفعة الوطن وأهله، واليأس يحيط بنا من كل جانب وعلينا أن نفتح نوافذ من هنا ومن هناك علّنا نصل إلى بداية طريق يحدوها الأمل وتزكيها التطلعات البناء.

الحقائق / هل تجد نفسك بالشعر هروبا من الغربة أم تعايشا معها وهل وجدت ضالتك بالشعر؟
الشققي/ ومضات لا تأتي إلا بالتفاعل المباشر مع المحيط، والتأثير يأتي من دون مباشرة في التعبير، لم أهرب من الغربة بقدر ما أريد هي أن تهرب مني، والغربة تكون غربة في الروح وغربة في الجسد، وغربة الروح أقسى وأعتى من غربة الجسد، وأما وجودي الآن في الوطن العربي فهذا لا يشكل غربة بالمعنى العميق لأن من يتفاعل مع قضايا تهمه ويضيف ولو نقطة في بحرها ينتعش عنده الشعور ويتناسى الغربة في لحظات معينة، والتعايش مع الغربة على مر العصور والهجرات المتتابعة في الزمن صقلت بعض الشعوب والأفراد وأعطت الإيجابيات التي طغت على السلبيات، ويبقى الشعور الآني في لحظات الصفاء وتجليات الأمنيات خصوصا في أوقات الليل والتي لا طائل منها إلا التفكير بما يخرجه العقل الباطن من مخزون الأيام والخلفيات والتطلعات والتوقعات. وأنا لا أبحث عن ضالتي بل أبحث عن مكنونات نفسي فيها فهي معي ولن تضل بإذن الله.

الحقائق / لك العديد من الانتاجات الشعرية أيهم حقق به الشققي رؤيته؟
الشققي/ وصلت إلى تحقيق الرؤية ابتعدت عني أو ابتعدت عنها ثم عملت جاهدا للحاق بها ومحاولة الإمساك بها، كما الأمنيات التي لا تنتهي، في الوقت الذي يتوصل الإنسان إلى الرؤية التي أرادها تخرج إلى حيز الوجود عنده آفاق أخرى عليه اللحاق بها وإلا انكمش الإبداع في عملية التلاشي وتوقفت عملية الانصهار بالآتي لتحقيق المآرب الصغرى والكبرى، ومجموعة (نهض الحجر) هي خلاصة لرؤية مرحلية عن قضية فلسطين الحبيبة والقدس الشريف من المسجد الأقصى وأكنافه. وروايات (ضاعت الأحلام) و(أهواء ودموع) و(من الضحية) أثرت ذاكرتي بالمواقف والشخصيات التي اقتبست منها ونفضتها أيضا كي تخلي المكان لغيرها مما يأتي. 

الحقائق/ من قراءتي لك وجدت أنك شاعر الأحاسيس هل هذا دقيق؟
الشققي/ لا أعرف ولن أضع نفسي وشعري على ميزاني إلا لنفسي، أنا أشعر وأحس وكل شاعر هو شاعر الأحاسيس إلا أن يكون نظّاما، وأضيف بأن المتذوق الفعلي هو أيضا إنسان الأحاسيس، وهناك على سبيل التوضيح أحاسيس تؤرقني وتقلقني ولا أكتب فيها أو عنها شيئا وهناك أحاسيس تدغدغني بشكل سطحي حسب علمي الظاهر إلا أنها تتفجر بعد حين إلى بركان داخلي يعطي ويعطي، فأحاسيسي تكتبني وأنا أوجهها بعد أن تأتي لا قبل أن تأتي.
 
الحقائق / نضحي لنبقى ونعيش لنمنح ونعطي أين تجد نفسك في المسيرة الثقافية الفلسطينية خاصة والعربية عامة؟
الشققي / الخاص والعام دوما في صراع على مستويات نفسية عدة لتحديد الأولويات، أحيانا الشعور والإحساس يغلبان المنطق المنضد مسبقا في العقل، وأحيانا يرجع الإنسان إلى العقل ليحدد الأولويات كما يريدها بهدوء، والعطاء صفة إنسانية لا يكاد يخلو منها إنسان، والحب يتمثل في العطاء والإيثار مثلا، والإنسان تتجاذبه النزعات فمن حبه للخلود وحبه لنفسه إلى حبه للآخرين من حوله ورؤية الخير والجمال في ربوعه على كل محيّا، تنبع الغريزة بالعطاء، وما يغلفها عند بعضهم هو الانصياع لأوامر الله عز وجل في العطاء دون مقابل مادي، فهناك السمعة الطيبة في الدنيا وهناك الأجر الوفير في الآخرة، كلها محفزات تتطابق مع  النزعة البشرية للعطاء ونرجو من الله أن نكون من هؤلاء. وفي المسيرة الثقافية الفلسطينية أنا جزء من نسيجها المحبوك ولا أرى نفسي إلا في خضم الصراع مع العدو الصهيوني إن حصل ما يدعون سلاما أم لم يحصل، هناك احتلال واغتصاب ودماء وعداء، أما قضية القرارات الدولية والإجماع الأممي في ظلامة أولا وهي أمور تكتيكية لا تخرج عن نطاق فن الممكن في مرحلة ما لا تتطابق مع الحقوق التي كفلتها الشرائع السماوية والأرضية الصحيحة، وموضوع القضية الفلسطينية لا يخرج من الذاكرة أو الوجدان فمهما كثرت التحليلات والتكهنات والأساليب للقعود أو التقاعس عن الواجب يجب أن نبقى في التصدي بشكل أو بآخر، والقضية الفلسطينية تشكل عندي قضية عامة وليست خاصة وهذا الأخير هو ما تسعى إليه الأطراف المستفيدة من الاحتلال وما حوله، وأرى أن الرافد الثقافي الفلسطيني وما يتبعه من دعم عربي وإسلامي له دور في إذكاء القضية ووضعها في محلها من الاهتمام، ولي شرف المشاركة في ذلك مهما كانت بسيطة.

الحقائق / هل أنت راض عن مستوى الاهتمام العربي بالشاعر كونه يمثل الحس الوجداني للإنسان بهمه العام؟
الشققي / ليس كما يجب، وقد تعددت وسائل العلم وطرق المعرفة وغيرها فمن الطبيعي أن تتقلص الاهتمامات الأدبية، وما يقلق هو البدائل المطروحة بكثرتها وتسطحها وسرعتها التي لا تتناسب مع التفكير والتنمية في المجتمع، وحقيقة أتمنى أن يكون الاهتمام بالعلم والأدب على حد سواء أكثر ثراء فهما رأس الحربة للمستقبل إن شئنا في الحفاظ على كيان عربي تتوجه الثقافة الكبرى وينبع من أسس التراث الرئيسية، والتحديات عملاقة وما نعمله قد لا يشعر به المرء على المدى المنظور وهذه التهدمات تأتي من كل حدب وصوب، إلا أنه لا يجب أن نتغطى باليأس ونركب القنوط وإن كثرت المسببات.

الحقائق/ لكل بداية قصة ورواية فما هو اصل البداية في مشوار الشاعر الشققي ؟
الشققي / كل يوم بداية والبدايات لا تنتهي، وأنا شخصيا لا أحسن الكلام عن البدايات فهي في مهب الريح أحيانا لا تلبث إلا أن تأتي اليوم بما نراه اليوم عنها لا بما رأيناه وخفنا منه آنذاك، فهي فيها العذاب مهما كانت جيدة ومهما كانت سريعة فما بالك بالمتعثرة، ولا أجزم أنها كانت متعثرة لدي لأنها كانت وتأبى أن تكون الآن كما أريد أن أراها، فهي زالت وراحت لماض قد يروق لها ويملأ الأفق ذبذبات وذكريات ولن تعود إلا بما يمليه عليها العقل الباطن من وشوشات يستمد منها نورا لا ينتهي، فلا يوجد شيء من دون بداية إلا وجه الله تعالى. وحقيقة لا أحترف صنع البدايات فهي تأتي دونما تخطيط ودونما تأطير إلا في مراحل لاحقة وإلا ينتفي عنها الإبداع والعفوية والإنسانية العميقة، وليس للظروف المحيطة بالإنسان بكل أطيافها إلا أن تؤثر على عملية التعشيش والانطلاق للعمل الأدبي والتفاعل البناء. وعن بداياتي فأنا مهندس وهذا عملي والأدب هوايتي، أعشقها بجنون معقول كي لا تجرني إلى مسالك عويصة أنا في غنى عنها في مرحلة المتطلبات المعاشية، وبدأت العواطف تتفجر وتصيبني شظاياها عندما وجدت نفسي غريبا عن الوطن وهذه كانت البداية ببساطة وهي ما جرني إلى الانتباه إلى ضرورة إخراج الصور التعبيرية ثم البحث والتعلم والمدارسة الذاتية للأدب في أوقات الفراغ التي لم تكن كثيرة.

الحقائق / من الهندسة إلى الأدب   إلى التعبير بلغة الإحساس كيف  وجدت اللغة التي منحتك جمالية التعبير...؟
الشققي/ فطرة فطر الله تعالى الإنسان عليها ولابد من التعبير مهما كان شكله فهو على ذلك جزء لا يتجزأ من استمرار البشرية ونبضها، وجاء الإنسان ليجعل له أطرا إنسانية وذائقة تتناسب مع الغرائز والعواطف وطريقة مثلى أفلح من اقترب منها وخاب من ابتعد عنها كما يقول من حوله ومن بعده، ثم يأتي التجديد ولا بد له من أسس إنسانية تتفاعل معه ثم تقبله وتقدمه للذائقة من أجل الاختبار، وبدأت أنا بالتفاعل مع التعبير منذ الصغر ولكن الفرصة لم تتوفر لي لتحديد أرضية صلبة أو للانطلاق فالتعليم والمثابرة والاجتهاد أخذت حيزا كبيرا من حياتي لذلك كان لابد للأفكار أن تتنضد وتتخزن من تلقاء نفسها ثم تتفاعل من دون تعبير مؤطر أو تركيز على العطاء لي أو لغيري، وجاءت الغربة، حينذاك تفتحت ردهات المخزون التعبيري وتشققت عن المكامن العاطفية وهي تتعارك مع بعضها ومع محيطها الجديد وتتأمل ماضيها وروابطها التي تكاد تفلت منها فانتقلت إلى التعبير الذاتي وبث الأفكار بحروف وكلمات دون النظر للناحية الإبداعية أو القيمة الأدبية، وتطورت الأمور إلى استحسان للتعبير الآني ثم التعبير مع سبق الإصرار والتخطيط، وجاءت المطالعات والمتابعة لأطر وأسس الإبداع الفني المتداولة كي يستنير الدرب رويدا رويدا، ولا درب في الإبداع دون مجاهدة ومشقة... وقد تكون لذيذة وممتعة.

الحقائق / لغة التخاطب بين عالمين مختلفين ومتباينين تترك هامشا من المساحة بين هذا التخصص وتلك الهواية كيف تغلب الشققي على هذا الهامش حتى وان كان ضيقا ؟
الشققي/ لا تعتب علي فكل إنسان يملك طاقة ومؤهلات فكرية يستخدم قسطا منها وقد يكون هذا القسط للتعايش في الحد الأدنى فقط، فهو لا يستخدمها كلها، والمهم في الدور إلى الوصول هو التركيز على ما يريد الإنسان وما يستطيع عمله وتحقيقه، والتجريب هو مفتاح النجاح في البحث العلمي وفي الحياة العملية وفي مجالات مختلفة من الحياة، المهم أن يكون للإنسان هدف أو أهداف يمكن تحقيقها أو تحقيق قسم منها، أما أن يقف الإنسان عاجزا على الأقل فكريا بما يحتاج أو يريد فهذا هو الموات. لا أتكلم عن النجاح بشكله المطلق والعامي فهذا أمر نسبي أحيانا وهو يتعلق بالشهرة عند الفنانين مثلا ، أتلكم عن التناغم مع الذات والرضى عن المسيرة بأهدافها وطريقها وليس بمكتسباتها فقط، التوجه هو من أهم عوامل النجاح وأيضا هنا أتكلم عن النجاح مع الذات. أما عن التوفيق الكامل بين المهام فهذا أمر لن يرضى عنه أحد لا أنا ولا غيري ويبقى في الأمر متسع للتوفيق والنجاح الذي لا يأتي إلا بالعمل والتوجه كما أشرت.

الحقائق / غالبا ما يمثل الشاعر وجدان الشعب وروح القضية...أين انتم من هذه المسالة ومنطقتنا تحفل بالإحداث والمؤثرات؟
الشققي/ بمفهومه الشامل هو ثغر أساسي من ثغور الدفاع عن الذات وعن الوجود وعن الكيان، وما هو عليه الآن أننا نحن نتلقى غدقا ولا نعطي إلا يسيرا، ونحن نبدع ونبدع في الفكر والتنظيرات ولكننا في أماكننا نراوح من حيث التطبيق والعطاء لأنفسنا ولغيرنا، هذا هو الشعور العام وهذا هو المألوف عند ما نسميهم بالمثقفين وهؤلاء هم الطبقة التي تحمل الهموم من أجل التقدم والرقي ولا غرض من عملها يرجى إلا ما يؤكد على الوقوف بدلا من التراجع والتقهقر إلى ما لا يوجد أصلا، فهناك غصة في ملتقى الطرق لا ينفك إلا بالتحرك في أكثر من اتجاه، والمعضلة تكمن في الفكر المتشتت في تياراته المختلفة وتطبيقها على الواقع وما يحتمل من قبل الشعوب في مسألة الثبات حينا والتغيير الضروري حينا آخر، والمعضلة تكمن أيضا في مسألة تحمل المسؤولية تجاه التقدم من قبل من في يده إعطاء المساحات الواسعة للطيران في آفاق البحث والتنقيب عن الأسمى ماديا وروحيا في توازن وتكامل وتعاضد. نحن في محنة سياسية وفكرية وعقائدية وعولمية أي في مهب الريح نتنطط من ربوة إلى هضبة إلى أجمة ونحن في واد سحيق لا نقدر على جمع الشتات من العائم والخنوع الشامل، وأرجو أن لا يبعث هذا على القنوط لأن من قنط من الأمل فقد انتهى، وكل ما عليه أن يعمله الإنسان الآن هو أن يؤدي دوره بما يستطيع ويختار تجاه التقدم والانفتاح على العالم بما يرضي رب العالم والكون، وللأدب دوما دوره في السمو والتثقيف والتوعية بكل أشكالها المسموعة والمرئية والمقروءة والتعليمية.

الحقائق / أين يقف الشعر على سلم ثوابت وقناعات الشاعر وهل تأثرت قناعاتك بعد اقتحامك لعالم الأدب ولغة الأحاسيس ؟
الشققي/ لا أستطع تغيير قناعاتي ولا أتوقع أنني سأغيرها، تلك هي الثوابت وتلك هي الأشياء التي لا مناص من الاعتقاد بها مهما كان الثمن على الأقل ضمنيا، أنا من أنا وسأكون أنا بقيمي الإنسانية ولا يتركني الهدف من الوجود والخلق إلا أنني أعرف المصير وأتفقده، مهما يكن من توترات وعلى من تدور الدوائر ومن تركبه الأحابيل ومن تأتيه صروف الدهر بالبلايا، فهذا كله زائل والمهم من يضع اعتقاده في الصحيح والحق في مكانه والدنيا ماضية بالخير كان أم بالشر ولكن هناك الصحيح وهناك الخطأ، ولا يعني أنني لا أعطي ولا أنتج شيئا إن اقتنعت بالصحيح ولم أستطع تغيير غيره، فهذا هو أول الطريق فإن وصل الإنسان فنعم الأمر والجهد معا وإن لم يصل فقد سار على طريق تبرئة الذمة أمام خالق الأكوان. أما القناعات القائمة على الظروف المستجدة فلا باس في النظر في التجديد ضمن الثوابت الراسخة بالإجماع دون شك.

الحقائق / الاقتناع بالصواب يعني التأثير والتعايش مع الحدث هل هذا سبب اتجاهكم إلى كتابة المقالات مؤخرا؟
الشققي/ لم أكن كاتبا صحفيا ولن أحاول جاهدا أن أكون وذلك بحكم عملي وطبيعة أشغالي، ولم أزعم أنني كاتب صحفي، وأنا أعلم أن المقالة لن يكتب لها الاستمرار في التأثير فهي لحظية وتعبر عن وجهة نظر ورأي على أحداث معينة أو حدث مركز، ولكنني اتجهت مؤخرا إلى المقالة بالإضافة إلى الأشكال الأدبية الأخرى التي عهدتها كمرحلة تنفيس سريع وآني حيث أن الصدمات كبيرة ومتتالية مما لم أستطع زرعه في العقل الباطن كي يختمر في فرن صناعة الإبداع لتشكيل عمل فني أو أعمال إبداعية يمكن أن يكتب لها التأثير الأوفى والاستمرار والخلود، ويبقى هناك احتمال أن هذه الظروف تتراكم وتولد أفكارا عميقة تخرج لاحقا على شكل أعمال إبداعية، لا أدري ولا أستطيع التكهن بهذا الأمر فهو منوط بدماغي وأحاسيسي المرتبطة مع هذه التفاعلات وكيفية ربطها مع ما يأتي.

الحقائق / افهم تماما أنكم تتعاملون مع المخططات الهندسية بلغة الدقة أو دعني اعتبرها تجاوزا لغة المسطرة لكني لا اعرف كيف استطعتم التعامل مع لغة النص بأشكاله المختلف هل لكم أن توضحوا للقاري هذا الأمر؟
الشققي/ لا أدري على وجه الحقيقة ولكنني أتعجب من نفسي لما تمليه علي أحيانا من أسلوب أو طريقة كانت قد حددتها لي ولا أحب ذلك فتراني أتململ لكي أعطي أفضل مما أرى بأسلوب أو لون مغاير، وأحيانا أخرى يتم رصد الأفكار وطريقة تناولها بشكل مسبق ومخطط له بشكل سطحي أو شكلي ما بيني وما بين نفسي، أما عن الدهاليز والأعماق فهي تتدحرج أو تتهادى بعد عملية الإنبات إلى ما قبل الحصاد. الشعر خلجات آنية تأتي لتنفجر في الوجه والقلب معا فلا تتحول إلى غيره على الغالب، والمقالة تأتي ردا على حدث أو تعليق على حدث وهي رأي أو فكرة تحوم وتؤرقني ولا تبعد عن الموجود ساعتها، والقصة تعبير عن حالة بوح للنفس عن موقف أو شخصية أو شخصيات مع مواقف تعبر عنها من أجل توصيل الفكرة على الورق أو على شاشة الكمبيوتر ويغلب عندي الاجتماعي من المواقف، أما عن الرواية فهي قصة طويلة ألخصها بكونها مجالا مترامي الأطراف فيه طيوف وتفاعلات وأحداث ترتبط بالوعي وتتشكل باللاوعي لتجسيد عالم تحيط به نقطة أو فكرة جوهرية صغيرة كانت أم كبيرة أم متشعبة.


الحقائق / برأيكم هل الواقع صورة للكتابة أم الكتابة صورة للواقع؟
الشققي/ محرج للغاية، الصور لا تتربع على عرش الواقعية إلا إذا اختلطت بها وعاشرتها، الواقع قد يكون صورة للكتابة في مراحل معينة عندما يكون الكاتب مؤثرا بما يطرحه تأثيرا مباشرا أو غير مباشر ولكن بقوة، أما أن الكتابة صورة للواقع فهو مألوف أكثر وموجود بصفة غالبة إن كان الإنتاج مقبولا من الناحية الفنية والتصويرية لما نراه كل حسب وجهة نظره وتلقيه للمعلومة أو القيمة المستوحاة من النص، والكاتب الفطن الذي يملك أدوات التعبير والتفكير والأسلوب فهو يأخذ من الواقع ثم يصور واقعا كما يجب أن يكون وبذلك يكون قد وجد نفسه في النص وأعطى كثيرا من الواقعية المتصورة بما يؤثر على المجتمع لتغيير أو تعديل مواقفه من قيم ما أو أفكار ما، والأمر الذي على المحك هنا أن الواقع هو المادة الخام التي يتم إما نقلها بوجهات نظر مختلفة أو عجنها وإعادة صياغتها في شكل جديد وقد يكون غريبا أحيانا.

الحقائق /واضح أن الإحساس يعتمر قلب الشاعر ريان الشققي فهل هذا مرتبط بذاكرة الأشياء في طفولة لا تنسى أم أن الغربة لعبت لعبتها في تفجير ثورة الأحاسيس بمرحلة ما ؟
الشققي/ يضيق صدري من البعد والأسى على نفسي أم على ما فقدت فيها من ذكريات وما آلت إليه بعيدة عني وعن خاطري، وعشق الأماكن الأولى لا ينتهي ولا يختفي من العقل الباطن، خيوط تشد الإنسان حتى وإن حاول الابتعاد، الانطباعات المحفورة في العقل والذاكرة بشكل خاص والتي مضى عليها زمن لا تتغير ولكنها قد تخبو في بعض المراحل إلا أنها لا تضمحل، فمن أين أبدأ رحلتي ولم أبدأ في البداية بعد، وكيف سأنتهي ولم أبدأ بعد، لا أحب البدايات كي لا تنتهي النهايات، أرغب في أمنية لما تأتي ألا وهي التقدم والطيران نحو النهايات دون بداية، كي لا أحط في فوهة نفق لا أعرف من أين أتى، وقد جاع النسر في أيام مضت لما حرموه من الطعام وقالوا له عش ولا تخف ألست أنت نسرا فقال لهم أنا نسر ولكن الأغلال منعتني من التحليق لأحضر طعامي وما أنتم بمحضرين طعامي فكيف لي أن أعيش، أما أنكم أخذتموه فلا بأس وإلا فلماذا حرمتموني من الطعام ومن الطيران، أعيدوا لي جناحا واحدا فقط لأريكم ماذا أجلب في ساعة.
 
الحقائق / من الواضح أن تجربتك الروائية مقصورة على الغربة، ألم تفكر في رواية محلية تنبع وتتفاعل وتصب في الإقليم العربي؟
الشققي/ فكرة راودتني من قبل في هذا الشأن وهي أن الزخم القوي للحياة وتقلباتها وتفاعلاتها وسرعتها في الاغتراب طغى على ما قبل الغربة من أفكار وتأثيرات وتخريجات، ولكن دلالات أغلب النصوص والأفكار المستوحاة مما أنتجته من السرد والحوار والشعر تنبع من محطة الجذور والتأسيس وهي مرحلة ما قبل الغربة وهي المرحلة التأسيسية إن شئت وإن أبيت، فهي هناك جاءت من دون إرادة مني أو توجيه مقصود، وقد فكرت أن أستعمل الأدوات الفنية والمرحلة الإبداعية الراهنة في أعمال سردية إلا أنني ما زلت غرا في هذا المجال فأعمالي وأسرتي تأخذ حيزا كبيرا من الحياة والحمد لله أما تغيير النمط إلى المحلي فهو ما لم أستطع أن أحمله بعد ربما هو يستوي عوده وينضج على نار هادئة ليخرج أفضل مما قد يكون لو أقحمته على الخروج.

الحقائق / كيف توازن بين الشعر والسرد في العطاء الأدبي؟
الشققي/ أنا لا أوازن ولن أوازن، لأنني لن أرضى عن لون مقابل آخر ولا عن لون دون آخر ضمن السرد تارة بحد ذاته وضمن الشعر تارة أخرى، وأشعر دوما بنوع من التقصير تجاه الجميع متفرقين ومجتمعين، أشعر أن عندي مخزون عال من العطاء والانفتاح ولكنه مؤطر بأشياء كثيرة لا تمت إلى الموضوع هنا إلا بصلة وثيقة مثل المحدودات الفكرية والأطر الثقافية التي أريد أن أنهل منها أكثر وأكثر والتحديات المعاشية و..و....

الحقائق / لنكن واضحين أن المتغيرات التي طرأت على العالم ككل جرفت معها نخب وتوجهات شتى ما مدى تأثير هذه المتغيرات التي حطت في منطقتنا أيضا على ريان الشققي؟
الشققي/ التكيف مع المتغيرات ضروري ولكن سرعة التكيف تختلف من شخص لآخر أما عني فلا أعرف مدى تكيفي لأنني لا أصغي لنفسي عمدا وإنما إيحائيا ومن دون قصد، والمتغيرات بالتأكيد تفرض نفسها على المبدع بطريقة أو أخرى، وإن اتبع المبدع طريقة معينة طارئة أو شكل جديد مع سبق الإصرار والترصد فقد تكون فاشلة ولا تعطي ما يملكه من الداخل فعلا من فن وإبداع أما التفاعل مع الجديد فهو تلقائي يأتي من المحاورة مع الموجود والتعاطي مع ما في الساحة مما وجد قبولا على المستوى الفني ويحاكيه إن قبله هو أما أن يعصر نفسه للتفاعل قبل الاختمار فلا طائل منه. وعلى سبيل المثال تبقى مسألة المضمون والشكل وإشكالية الإبداع الشعري والفرق بين اللغة الشاعرية والشعر كفن مستقل له أصوله وموازينه موضع نقاش لا ينتهي ومحط أنظار النقاد الحقيقيين دون الوصول إلى هدف واحد محدد يمنع هذا ويسمح لذاك. والمبدع الذي لا يستطيع تركيب الإبداع اللفظي على قوالب مألوفة أو متجددة بحذر حتى المطاطة منها فهو ليس جديرا بالاستمرار والنماء ولن أكون حازما بإفراط في هذا فلنترك الزمن يحكم بما يريد فهو أدرى بمن يستطيع الاستمرار من عدمه.