وجهاً لوجه

PDFطباعةإرسال إلى صديق

ريان عبدالرزاق الشققي

هلا أعطيتنا لمحة عن نشأتك في البداية؟
ولدت في مدينة حماة في وسط سوريا وترعرت على أطراف نهر العاصي وفي أحضان البساتين والطبيعة الجميلة في محافظة حماة، انا الولد الأصغر لوالدي، والدي هو الدكتور عبدالرزاق الشققي صاحب مستشفى الشققي للتوليد وأمراض النساء وصاحب الأيادي البيضاء ولله الحمد على هذه المدينة، ولوالدي ولع بالعلم والأدب، تقلد مناصب عدة سياسية ونقابية واجتماعية ولقد كرمته محافظة حماة بجميع فعالياتها السنة الماضية على ثماره اليانعة في خدمة البلد والقطر في الطب والعلم والأدب. نشأت على حب الإتقان في العمل والدراسة وعلى السمعة الطيبة بحق دون التخفي في لباس القناعة الزائفة، هكذا كان المثال لنا وهو أبي، كان عصامياً صاحب نخوة شريفة ومبادئ كريمة طيبة وكلمة هادئة ومؤثرة.

 وماذا عن حياتك المهنية وكيف اختلطت بحب التعبير؟
أحببت  التعبير بالكلمات وأحببت الأدب منذ الصغر بدراية من بعض أساتذتي في المدرسة ودون دراية مني بالأهداف من معرفة الأدب والتولع به على المدى الطويل، كنت شغوفا بالمواد المدرسية العلمية منها والأدبية على حد سواء، أنهيت الدراسة الثانوية في مدينة حماة ثم التحقت بكلية الطب البشري في دمشق تأسياً بأبي الدكتور عبدالرزاق الشققي، أحببت أن أمتهن الطب هذه المهنة الإنسانية كما أحبها أبي وعشقها وأمضى عمره في خدمة الناس من خلالها، وكأني أحاول المزاوجة بين الطب والأدب من الناحية الإنسانية دونما علم مني، أمضيت سنتين في دمشق ثم رحلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية ودرست الهندسة وتخرجت بشهادة بكالوريوس ثم ماجستير في الهندسة المدنية والبيئية، عملت في أمريكا لسنوات عدة وأصدرت للجالية العربية في لوس آنجلوس كتابين في الشعر، ثم رحلت مع عائلتي آيباً إلى الوطن العربي، وها أنا ذا أعمل في إدارة المشاريع والجودة النوعية وأكتب الشعر والقصة والرواية في أوقات الفراغ.

كيف تولعت بالأدب وما هي المراحل التي مررت بها؟
المراحل التي مررت بها في الكتابة تتلخص في أمرين وهما البدايات أولاً ثم الصقل والتمرس ثانياً، فالبدايات في المرحلة الثانوية وقوة مادة اللغة العربية في المناهج الدراسية في هذه المرحلة ثم الشوق والحنين إلى الوطن عندما كنت طالباً في أمريكا وتمثلت هذه الفترة في النصوص المفتوحة والخواطر والمقاطع الشعرية غير الموزونة تتوجها عاطفة دفاقة وهيام غزير وهذا كله سيطرعلى كل أحاسيسي شوقاً للأرض والوطن والأهل، ولم يكن هناك اتصالات ولا مكتبات كما هو عليه الآن ولم يكن هناك كتب معي في الغربة فاستمدت الكتابة عندي من مخزون الماضي دون تفاعل مع محيط أدبي أو معين تفاعلي تنهل منه، بدايات متعثرة دون وجهة ودون تشجيع وصور شعرية غير واضحة المعالم، والظاهر أن السمة الرئيسة للكتابة كانت في نفث المخزون العاطفي لمنع النفس من الدخول في الكآبة وفي إخراج الذات من قوقعة الإهمال والإحباط. أما المرحلة الثانية فهي الدراية بأن هناك قواعد وأساليب وأصول وأدوات للأدب وأن هناك أهداف يمكن تحقيقها في تربية الذات وفي تقديم أعمال أدبية ذات سمات مقبولة، وهي المرحلة التي بدأت فيها التعرف على الأوزان الشعرية وقراءة الأشعار القديمة والحديثة للشعراء الكبار وأعمال أدبية أخرى، تلك هي مرحلة الصقل التي استمرت وقتاً طويلاً وما زالت قيد التجريب لأن الصقل يكثر ويقل ولكنه لا ينتهي.

هل تلخص لنا نشاطاتك الأدبية؟
دأبت على النشر منذ البدايات رغم الشجون العاتية في التعامل مع هذا الموضوع في بلادنا العربية، يهاجمني الياس أحياناً ولكني لم أيأس رغم المحاولات الأولية التي لم تنجح كما رسمت لها، أصدرت كتابين في الشعر في لوس آنجلس (شوق ووطن، وعبور)، ثم مجموعة شعرية ورواية في الرياض (صدى نفس ومن الضحية)، ثم روايتين وقصة طويلة في سورية (أهواء ودموع وضاعت الأحلام وانتصر الحب)، ثم مجموعتين شعريتين في بيروت (نهض الحجر ومائدة الامواج) ثم مجموعة قصصية في سورية (قيود الحرية).
لي موقع خاص أدبي على الانترنت وقد حرصت على التعامل مع هذه التقنية منذ بداياتها، وكنت سباقاً إلى المشاركة في المنتديات الأدبية على الانترنت، وقد شاركت بوفرة مع مجموعة من شعراء وأدباء كانوا حريصين على النهوض، وسرنا مع بعض عبر الأثير والتقينا مراراً وتكراراً هنا وهناك دون كلل أو ملل، ثم دون شعور منك ترى نفسك تحمل مودة لبعض هؤلاء مع أنك لم تجتمع معهم في حياتك إلا عبر الوسيط الالكتروني، وقد تنتهي العلاقة أو تهدأ ولكن هالة الذكريات تلمع وصدى المودة يبقى مدراراً.
لي صفحات في مواقع الموسوعات الشعرية على الانترنت، ولي أيضاً أشعار وقصص ومقالات منشورة في مختلف الصحف الأدبية الالكترونية. شاركت في أمسيات شعرية في سورية والسعودية وأجريت مقابلتين مع التلفزيون السوري. لي مجموعة شعرية وكتابات ومقالات علمية باللغة الإنكليزية.

الأنواع الأدبية والتداخل مع الحياة؟
تتداخل الأطياف معي وتتشابك الأخيلة أحياناً بين الإبداع الفني الشعري والنثري وبين مقومات الحياة وصنع أهدافها المعاشية والعائلية والعمل المهني الهندسي، أفككها وأهذبها وأعمل على تمحيصها حتى لا أقع ضحية في حبائل التعقيد فأقعد ولا أنجز ولا أبدع، هي عملية ليست ذات طريق معبد أو درب سالك بسهولة، وبالمقابل لا أترك اليأس يتغمدني فاليأس هو مفتاح الفشل ومهد التخاذل ومدار العابثين.
طبيعة عملي المهني لم تسمح لي مؤخراً بالاستمرار في الأعمال الطويلة مثل الرواية، وقد عكفت على النبضات الشعورية التي تأتي إلماماً وتختفي والتي تتمثل في الشعر غالباً أو في الخواطر والقصة القصيرة جداً.

لمحة عن رأيك فيما يسمى بالشعر النثري؟
التجديد ضروري ولكن لا ننفي الأصل ونطغى عليه بحجة التجديد فقط، وهناك التجديد في الشكل والتجديد في الخطاب والمضمون، أما نفي التراث وتغيير الإيديولوجية التي نفحر بها فلا نرضى عنه وهذا محل اهتمام الباحثين في هذا الشأن. وما زالت المعركة حامية بين الفرقاء المحافظين من جهة والمدعين التجديد من جهة أخرى، فما يسمى قصيدة النثر أو النثيرة أو غيرها من الأسماء التي لم تستقر بعد إنما هي وليدة العصر رغم جذورها التاريخية ولابد من العناية بها على أنها شكل جديد يتقدم دون التجني على التراث وما أتى بنا إلى هنا، أما تجديد الخطاب والتصوير واللغة فلا بد منه ليواكب الأدب الحياة وما يعتريها من التقدم دون أخذ إذن من أحد.
القصيدة النثرية أو النثيرة الجيدة قد تكون أصعب من الشعر الموزن عمودياً كان أم تفعيلة، وليس كل من قال أنه شاعر فهو كذلك، الموضوع موضوع إبداعي وليس صف كلمات ذات طابع حداثي وطلاسم وتفجير للكلمات والمعاني في زاوية معتمة أو غريبة شاذة. وشعر التفعيلة مولود حديث اتفق الأدباء والنقاد على شرعيته وله مدرسته وأدواته وأصوله، والنثيرة في المقابل ما زال الوقت مبكراً للحكم على استمراريتها ونبوغها وأدواتها مع ما نرى من حس نبضي تصويري تفاعلي ولغة شاعرية عالية في بعض النصوص، وحركة التفاعل لا تنتهي والتجديد لا يتوقف والحياة تغربل الأدب فيستمر الجيد وينطفئ الرديء .

تكلمت عن النبضات، ماهي؟
لست باحثاً في مختبر للقلوب أو معملاً للعقاقير، وربما لا أكون عقلانياً صرفاً أو واقعياً في جميع الأحوال، إنما هي نبضات ودفقات عاطفية تسوقها حبال الشعور وتتفقدها أسورة الجمال، ربما تأتي في غمرة عمل ما وربما تهجم رغماً عني في سهو عن الأشياء وربما تتعاظم في لحظة فرح أو لحظة حزن أو تفكير وانشغال في أشياء ملموسة، وقد يكون الإبداع جديراً بأن يكون أو قد لا يكون، ولكن سيكون كما أتى وكيفما ساقته الحياة، الهدف واحد وهو إراقة الأفكار على شكل حروف وكلمات وأشكال لا تتركها النفس إلا وهي راضية عن هذا السح والغدق.

وماذا عن عصر المعلومات ثم الشهرة على موجات الأثير الافتراضي؟
سرعة انتقال المعلومة وسرعة التواصل والفضاء الافتراضي التفاعلي وإمكانية سعة الاطلاع كلها عوامل مهمة وجيدة للأديب المبدع،  هي أدوات ساعدت وتساعد من استخدمها بحكمة وهدف واضح. والسعي وراء الشهرة مطلب فطري ولكن يجب أن يكون ضمن المبادئ الجيدة والأصول المهنية والإنسانية عموماً، والحكيم يجعل الشهرة تأتي تباعاً ولا يركض لاهثاً خلفها. لا أهتم بالشهرة بقدر ما أهتم بالجودة قدر الإمكانيات والمعطيات لدي، وعملي المهني الحالي هو مدير الجودة النوعية.

الفضاء الرقمي؟
كما في جميع المجالات يمكن للأديب أن يطلع على بحر من المعلومات من خلال الشاشة ويتفاعل مع المعلومات ومع الأدباء من شتى أصقاع المعمورة. المنتديات الالكترونية الأدبية ظاهرة جيدة وإن كانت مبتذلة أحياناً ولكنها جيدة على العموم، وأشجع الانخراط فيها والتفاعل معها وبالأخص للهواة والواعدين. المجلات الالكترونية لها دور كبير ويجب أن يكون هناك تمحيص وهو حاصل لا محالة فالجيدة تستمر والرديئة تضمحل وتنتهي، وما زال الوقت مبكراً للحكم بشكل قاطع فعمر الأدب والإبداع على الفضاء الافتراضي لم يصل الكهولة والاتقان الكامل.

ما رأيك بالموهبة وما مدى تاثيرها على الكاتب أو الشاعر؟
الموهبة عنصر أساسي وفعال من عناصر الإبداع الأدبي، فلا إبداع دون موهبة، وقد تختلف قوة الموهبة من شخص لآخر لكن لا بد منها لعملية الخلق والتصوير والنظرة الهادفة للأشياء، والعنصر الآخر هو الصقل والصقل يكون بالتعلم والمصابرة والممارسة والإطلاع، التعلم ممن سبق وتعلم الأدوات الإبداعية ثم الممارسة أي ممارسة العمل الإبداعي والتدرج بسعة الأفق والاستيعاب والارتقاء بالموهبة إلى مراحل أعلى، ثم الدراية بعوامل وعناصر النقد الفني بحده الأدنى، ثم الاطلاع على الثقافات الإنسانية التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على عملية التلقي والإبداع من أجل خلق الأصداء والترددات والمواضيع والنصوص.

وكيف ترى العطاء؟
العطاء سمة إنسانية رفيعة وهي تتحد مع الأخذ كصفة إنسانية أيضاً ولكن عندما يطغى العطاء تنتشر الحياة وتزهو وعندما يطغى الأخذ يتهاوى الإنسان ولو بعد حين، والتاريخ يذكر هؤلاء الذين أعطوا، ويتخذ منهم المثال على جودة الحياة واستمرارها إلى الرقي للأعلى، ويمكن أن يعلم الإنسان نفسه على المنح ويهذبها على العطاء ويكسر حاجز التوازن لينحاز إلى صف الذين يوصفون بالعطاء، والدنيا تتذكر وتخلد هؤلاء الذين امتلكوا نظرة واهدافاً ومنحوا وأعطوا ليعيش الأخرون إما في سعة أو في هناءة، والعطاء يكون بالأفكار وبالمادة وبالمعاملة ولا يحده حاجز.

والغزل؟
الغزل الجميل الطيب يحيي الإنسان ويمنحه القدرة على التفاعل مع المحيط بنظرة مختلفة وعلى قبول الحياة والتناغم معها، هو هذا الشعور السامي الذي ينطلق من حب الذات لتهذيبها والعناية بها والمحافظة على التوازن في الاستمرار والترقي والسباحة في أجواء الحياة.

 

--------------------------------------

الخبر  2008