ومضات

PDFطباعةإرسال إلى صديق

فهرس المقال
ومضات
1
2
3
4
5
6
كل الصفحات


طار من الفرحة

الشمس تنغمس في طرف الأفق خلف الأبنية الشاهقة وسائق سيارة الأجرة يتكلم وهو يحاول جاهدا تخطي الازدحام، الوقت يسرع في العقول، والأفكار تتلاحق كي تتمكن من الغاية، تفلت منها في الفجوات بين الأبنية نحو ملحمة المغيب، ثم ترقى مع امتداد الخيوط العصفرية. وصل إلى المطار منهكا من رحلة عمل ازدحمت فيها المواعيد والنقاشات وتوافدت عليها القرارات بما زاده هماً على هم، اكفهرت الدنيا مع اقتراب الظلام. اتكأ بذراعه على أحد كراسي الصالة قرب بوابة الخروج إلى الطائرة، أخذ ينظر إلى ساعته ويعيد النظر إلى لوحة مواعيد الاقلاع، أحضان الراحة في انتظاره ومعاني الرحلة تنسدل خلفه مع كل دقيقة، رن جرس هاتفه النقال، رسالة عاجلة، رقم زوجته على اللوحة يتهلل... مبروك إنه ولد، أعادها عليها ناظريه مرارا دون تردد،  قفز واستدار ناظرا نحو ساحة الطائرات وهو يقول: بهذه السرعة. طار من الفرحة وحط في جناح التوليد بقلب أحضان الراحة بعد أربع ساعات لا غير.
*       * *


هرب من نفسه

تدافعت الألوان الزاهية على السطح تنظر إلى أشعة الشمس بزهو وخيلاء،  وتقاربت البراعم الفتية على الأغصان تتناغم وتعزف لحن النشوة في ربيع الدنيا، فالشدو يملأ أنحاء الكون الفسيح في حقول النفوس ومسارح الأرواح الفارعة، وهاهي الحياة تنفس عن نفسها عناء شتاء قدّ من عنفوانها وأقعدها عن الترحال في أرجاء النفوس، ولكن هناك نفس واحدة تخرج من الزهو بالحياة والمتعة بالربيع وتلج نزولا في دركات الزمن الماضي، فالشتاء يتظاهر احتجاجا على رحيله والصيف يتقد انتظارا لِقُدُومه، حينها جلس الشاب متكئاً على يده وهو يقول لخطيبته:
-  تفريغ القلب من رواسب الأيام حاجة ملحّة، هو ذا الربيع أعظم معلّم في الدنيا، المشكلة أن الدنيا تأتي بالسمفونية تلقائياً أما نفوسنا فتحتاج إلى تأهيل وتمشيط وتذليل..
أجابته الفتاة وهي تنظر إلى مكامن الزهور المتبقية على الغصون:
- في عصر السرعة والمتغيرات لا بد من تفريغ الشحنات وإلا تنحشر الأفكار وتتوقف التجليات بالتقدم والرفاهية في النفوس والأجساد.
قال بإصرار:  الحياة العملية والحياة العاطفية، والأمل والحب والإشراق والانتكاس وغسيل الدماغ، كأننا آلات نمشي على الأرض نأكل ونتكاثر ونبني ونهدم
عادت بنظرها إلى العشب الخامل من وقع الأقدام وقالت: العمل يمضي في مهب الريح،  نأخذ أجراً، نسكن ونلبس ونربي أجيالاً، ندخن، نسرق، نبكي، نتسول من أنفسنا حباً، نغرف آثاراً للطريق، نجهل، نظنُّ، نكتب، ننافق، نتحدث ... 
رفع رأسه عن راحة يده وقطب حاجبيه ثم قال: نظن أنا نملك الأرض ولا نسكن إلا في اثنين بالمائة فقط من سطح قشرتها وهي ترقد على نار فمن نحن وكيف نعمل! أأعرف حقاً من أنت! أأعرف من أنا أَوْلا؟؟! ابتدعنا وقرأنا ومشينا وصدّقنا أنفسنا.. البائسون، المقلدون، المائعون، المتسولون، الشخصيات الرسمية، العادات والثقافات، وتقاليد نعرفها وأخرى تتجدد وتتصلد وتتفتق عن أخرى، ألا يصيبك السأم!
تركها تجيبه بكلام لا صوت له ورحل إلى غير وجهة. قالت متسائلة: أنا لمَ وافقته الرأي؟! ثم أردفت: أحسن.
*       * *