في المنتزه

PDFطباعةإرسال إلى صديق

 

استهلال

الحمد لله وحده، العزيز الجبار، خالق الإنسان والعقل والقلم، وخالق الكون والحيوانات.....

أقدم هذا الكتاب للذين يجدون في مملكة الحيوان عبرا في الحياة على مر العصور والأزمان. تشارك الحيوانات عالمنا وكوكبنا وتعطيه رونقا وجمالا .. وفيها علم شيق ممتع لكل الغارقين في علوم الحيوان والأحياء وسلوكها وطبائعها ولكل المتفرجين عليها عن كثب. قصتي مع الحيوان طويلة، ذلك العالم المكمل لنظام البيئة الذي وضعه الله عز وجل على الكرة الأرضية.. يقال أن الحيوان أقدم من الإنسان ويقال - والعياذ بالله - أن الحيوان أصل الإنسان.. العقل هبة سماوية ومنحة ربانية وهو قابل للتطور عند الإنسان ذاته على مر الأزمان والعصور.

علم الحيوان على ذلك علم تطور مع الأيام بفضل الحاجة وحب الاستطلاع عند البشر، وهو بحر كبير تتلاطم فيه النظريات والآراء إلى جانب الحقائق الواضحة. وقد أرى أن المملكة الحيوانية عبارة عن تكملة لناموس الخالق على هذه الأرض.. وهنا في ذلك أرفع نفسي عن المتضادات والآراء المتضاربة.. وألفظ كلمة الوداعة التي تكمن حتى في الحيوانات الكاسرة والمفترسة، طبائعها وسلوكها.. والتي تؤدي وظيفة التكامل أو النقصان في قانون الله الكامل المتكامل.. والطبع يغلب التطبع.

ذهبت مرارا إلى حدائق الحيوان وشاهدت أفلاما عن أنواع الحيوانات في مواطنها من السلوك والطبائع والغرائز المثيرة للتعجب والمتعة، وجدت نظاما معجزاً وحقائق مذهلة، وظريفة تلقائية وهي تمضي في الخط المرسوم.. ورأيت - من غير دراسة مستفيضة واستقصاء وتحليل علمي - خلق الله تعالى في أحسن تكوين للوظائف الممنوحة لكل صنف ونوع.

هناك شعور إنساني عميق بين البشر وهو موجود عند هؤلاء الذين يقرون أن الإنسان جسد وأحاسيس.. وهناك شعور حيواني بين الحيوانات المصنفة وذلك مبرهن عليه من خلال الدراسات لأنماط حياة الحيوانات الاجتماعية من حيث القبائل والجماعات والتكاتف والقتال ضد الأخطار وماإلى ذلك من أحاسيس وغرائز.. وقد تكون الأحاسيس والغرائز عدوانية بين صنف وآخر وغيرها بين الصنف ذاته وذلك لأغراض إما تكاثرية أو أغراض غريزية أخرى يصفها علم الحيوان. ويصف الإنسان أن الشعور الحيواني شعور دنيء والعكس صحيح من وجهة النظر الحيوانية فإن الشعور الحيواني هناك أسمى وأعلى لأن الإنسان يقضي على الحيوانات أينما رآها.. عدا النداءات العصرية المتواترة في الحفاظ على البيئة والثروات الطبيعية.

والحيوانات كما أراها لاتعرف التصنع ولاتدري أساليبه فهي تترك نفسها على سجيتها في السلوك والتعامل، فلا القبح قبيح عندها ولا الجمال جمال، تقوم بوظائفها كما رسم لها وكتب عليها، على عكس بعض البشر حيث التصنع والتجمل سجية قد تكون نقمة على الإنسان أو على المحيطين.

عرجت في مايلي على الحيوانات في إيصال أفكار وقصص وعبر لمن يحب أن يقرأ هذا، كيلا أصف مجموعات من البشر بصفات قد تعود علي بالتحيز ضمن الشعور الإنساني العام، وقد عرجت على طرف من الإنسان والحيوان والعلاقة الرابطة في هذا الكون في بعض الأفكار المطروحة منها الجدية ومنها الطريفة والخيالية.

كثير من الكتاب والمؤلفين كتبوا عن الحيوان أو على لسان الحيوان واخترعوا القصص منها الواقعية ومنها خلاف ذلك وربطوها بالإنسان وأموره وفهمه على مر التاريخ. ورأيت في الوقت الحاضر أن شؤون الإنسان في نزول وهبوط إنسانياً كما كانت عليه في أغلب الأطوار على مر السنين. ولقد نرى أن العصور تغيرت وطرق الحياة تبدلت وتقدمت وجاءت التقنية في العصر الحديث ومازال المفكرون والكتاب يكتبون ويبينون الوهاد في حياة البشرية وعن الحضيض في الشعور الإنساني والأحاسيس والبعد عن طريق الهداية والرشاد الإنساني من ديني وأخلاقي وغير ذلك من التصنيفات المختلفة على الأرض وعن الصراعات التي لانهاية لها بين الإنسان والإنسان.. ووجدت من هذا أن أصف بعض اللقطات من الحياة على الأرض من وجهة نظر قد تكون جد خيالية عن طريق غريب جاء من الفضاء الخارجي وراح ينظر إلى الإنسان عن طريق الحيوان وعن طريق الإنسان ذاته.. وتتجه هذه النظرة نحو النقص أو التناقص في الإنسانية وليس في التقدم التقني أو الحضارة العمرانية والمادية. وجاء ذلك الغريب ثم رحل وترك لنا أفكارا نتدارسها.. في الحقيقة ترك كثيرا مما لم نستطع حصره ولكم بعض أفكاره في طيات هذا الكتاب المتواضع بعد هذا الاستهلال:

    جاء الغريب من الفضاء المعتم                    يستطلع الأجواء عمن  يفـهم
    يمشي  بـقـلب  عقولنا   وحياتنا                 وبومضة  أقـعى  ولم   يتقدم
    رحل   الغريب  مدونا   لخلاصـة                   أن  الحقيقة في  سبات مبهم
    يا كون  أغرابٍ   إليك  صبـابتي                   فيك المرام وفيك نشوة  معدم

ولكم في هذه الطيات بعض قصص وطرائف ذلك الغريب.. وأسأل الله القدير أن يكلؤنا برعايته ويلهم عقول من على الأرض الصلاح والسداد.

                                                                        ريان الشققي
                                                                 لوس آنجلس ـ أمريكا
                                                                         1992
 

 ==============================================

 


الرحلة الأخيرة


جاء غريب مسلوب الاحساس من الفضاء المعتم البعيد إلى تلك المدينة الآمنة وسأل عن أوسع وأجمل وأحق حديقة حيوانات على وجه الأرض ومهد الرسالات، فأشار الناس إليه أن يذهب إلى الحديقة المتمركزة في أرض الرسالات الخاصة وأوصوه الوصايا: عليك أن تقطع تذكرة لمدة ثلاثة أيام متواصلة وعليك ألا تنام البتة طيلة فترة المكوث في تلك الأرض والحديقة، ثم عليك أن تنسحب بهدوء وحذر وإلا هاجمتك الأحاسيس الخداعة الزائفة. تعجب الغريب من الوصايا وحزم متاعه بعد أن ركن مركبته الفضائية عند سفح الجبل الكبير وغطاها بالأشجار والأوراق للتمويه، ورحل عبر الزمن إلى مهد الرسالات في قوته العجيبة الماردة. ما إن حل على الأرض حتى انبهر من عجائبها وتركيباتها وأصنافها واختلاف ألوانها وحمرتها الداكنة الجذابة. أمضى ثلاثة أيام بلياليها دون نوم أو غفلة وركز انتباهه على الأحداث والكائنات. وبعد عناء كبير وجهد غير يسير وبحث وتمحيص واطلاع وتبصير رحل عنها متسللا بهدوءوحذر وقرر أن لا يعود إليها مهما كان الثمن.. مزق بطاقة الدخول كي يمحو آثار الزيارة إلى الحديقة.. كانت بالنسبة له غابة دون شرع سليم أو قرار مصيب، مهزلة زمانه الذي يقاس بالومضات عبر الأزمان الرباعية الشكل، ولم تظهر له كمنتزه للترفيه عن نفسه العديمة الاحساس. أوشك أن يشعر ولكنه لايشعر..

وخلال عودته عبر الزمن إلى مركبته ثم إلى كونه البعيد كتب مذكراته عن الأشياء والكائنات والحوادث التي رآها عبر عهود من الوقت. بعد سبعين دقيقة ضوئية خرج عن مجال متاهات الأرض والاحساس وحقيقة الزمان الذي دخله وموضوعية المكان عبر السنين. ألقى نظرة نهائية مودعا ماقد سماه طيفا من الاحساس تحت الوعي المشئوم الخاطئ..

وبعد سنين وصل الغريب إلى مقره الأم وكان في استقباله الحاكم وجمع غفير من الغرباء، وكان استقبالا حافلا عديم الاحساس والشعور والأصوات والحركات. شرع الغريب يقص عليهم قصصه العجيبة المملة التي مر بها قبل سنوات طوال من الزمن الرباعي وخلال أقطار المكان الملحوظ المبهم. راح الغرباء ينصتون ومعهم الحاكم في أعلى المكان وهم في حالة استمتاع ومرح على طريقتهم الخفية الغريبة. ثم دخل الغريب عليهم بقصة حديقة الحيوانات في مهد الرسالات فصنت الصانتون وتوقفت الحركات الخفية وانحصر الانتباه نحو الغريب. إنها قصة حيوانات لم يألفوها.. طيور لم يعرفوها وهي تطير دون أجنحة بعقولها إلى الخيال والأوهام والألم والصراع والأودية العميقة، وقال الغريب وهو يقرأ من مذكراته:

... ولما وقفت فاغر الفيه أمام قفص تلك الطيور الغريبة فإذا هو أوسع من نظري الرباعي وأعرض من فتلة رأسي الهرمي، فيه طيور تصول وتجول، وفيه أقفاص أخرى عديدة عليها أقفال طويلة مستوية وأخرى متعرجة، فيها طيور نيام أو دون حراك لا أدري.. وفي أسفل القفص الواسع طيور صغيرة وأخرى كبيرة منتوفة الريش عارية ترتجف من برد مصطنع أو من خوف يشل الاحساس، تكاد أن تمشي ولاتمشي في ذلك القفص العريض. نظرت إلى جهة اليمين فإذا هناك صدوع في آلام تئن وتصرخ ولا أحد يجيب، ثم ألقيت بنظري إلى الجهة الأخرى فإذا بي أرى الهيئة التي سلمت نفسها زمام أمور الحديقة.. إنها الهيئة المسؤولة بمناقيرها العالية تظهر على شكل طيور شامخة ذات عصف وجبروت.. وحنان.. نعم حنان.. هكذا بدت لي. بقيت في مكاني متسمرا منصتا مراقبا ولا أحد يراني لأن الجميع مروا من خلالي في طرفة عين مني. وفي مركز القفص وعلى عيدان صامدة صلبة من الذرات الكامنة المتأججة عاش نوع من الطيور المتوسطة الحجم مائلة إلى الصغر، على بقعة ليست كبيرة عليها نقط من الدم الجامد وبقع من الدم الأحمر القانئ الذي مازال يتبخر أمامي وأظن أنه مازال يسيل ويتبخر حتى لحظتنا هذه ويرسم خرائط المستقبل المر السقيم.. لو تعلمون. وماذا يهمنا طالما فقدنا الاحساس أو أننا وجدنا في الأصل من غير إحساس لنتألم على هؤلاء! وفي المركز أيضا ظهر لي طير مهجن غريب الشكل يكاد يجمع شكله أصنافا مختلفة من الطيور.. رأيته في مخالبه الكبيرة المشحوذة، لاتتناسب مع حجمه على الاطلاق فبدت بشعة غير متناسقة ومتسخة وقد تكون مميتة قاتلة.. والعجيب أن هذا الطير يفرض هيمنته على من حوله في المكان وعلى الجميع في الزمان والآراء. لو تعلمون! وحوله طيور كثيرة بعضها نائم لايبالي وبعضها قليل الحراك وبعضها مشغول بالأكل والشرب لاينتظر من تلك المخالب خيرا ولا شرا، وبعضها في لعبه مع هيئة الحديقة ينتظر منها الطعام والشراب والأفكار ليمثل الشموخ عبر الخيال والأحلام. وحين عودتي إلى المدينة الآمنة لأستقل مركبتي سألت عن هذا القفص بشكل مخصوص فأخبروني عن قصة القفص الكبير الطويلة وقالوا:

قصة هذا القفص واسعة المدى مترامية الأطراف فمالك ومالها؟

أكدت على أن أسمعها فذهبوا وأحضروا دفاتر قد درسها الزمان بالية ثم أخذوا يقرؤون:

بدأت القصة منذ غابر الأزمان ومرت عليه دهور وأحقاب تغير خلالها كثير من البشر وكثير من المعالم وتبدلت رئاسة الحديقة مرارا فلعب ذلك دورا في ترتيب الطيور داخل القفص، أما عن الوضع الذي شاهدته - وليتك لم تشاهده - خلال زيارتك فهو إخراج مسرحي تخرجه الهيئة المسئولة الحالية ريثما يتم ترتيب الأمور في القفص من جديد لجلب أكثر عدد من الزوار ودعم دخل الحديقة..

وقتها رحت أتذكر تلك الطيور الشامخة ذات العصف والجبروت .. والحنان، نعم الحنان، لو تعلمون! وقالوا أيضا:

أما الطير المتوسط الحجم ذو المخالب الطويلة الحادة في مركز القفص فإنه وليد جديد وقد كان ضعيفا جدا ومشتتا بين أرجاء القفص الواسع على مر السنين، ورأت الهيئة بأنه مستضعفا مهيض الجناح فكلفته بحراسة القفص والعناية بأمورها عند غيابها في أمور الحديقة المتعددة. كان الطير يأكل الحبوب الجمة الممنوحة له من الهيئة مقابل تلك الوظيفة.. ثم نشأ من نوع الأكل منقار صلد قبيح أخذ في النمو والانعطاف للأسفل وبدأت تظهر له مخالب قوية مستمدة من دعم الهيئة له كل يوم. راح يخيف طيور المركز في عقر دارها ويشاركها قوتها ويحول دون سيطرتها على أمورها وشؤونها وهو حارس لاغير.. نتج عن ذلك نظام غير ذي عدل أو شفقة أو قوام متماسك.. ولم تمسك الهيئة عن دعمها الاعمى له حتى تضمن بقاءه وسيطرته على احتمال ثورة الطيور المركزية.. وما أصعب ردع ثوران الطيور!
.. لو تعلمون!
وهذا الطير الأخرق يحلق فوق الساحات المركزية عارضا جناحيه ومنقاره ومخالبه المدعومة مخيفا طيور الارض وطيور السماء المنخفضة.. وبقع الدم التي رأيتها هي نتيجة جروح الطيور المقهورة التي سببتها مخالب الطير القبيح وهيئة الحديقة الحنونة! ولم تكن تلك الجروح كلها من المخالب وإنما من ضرب الطيور المنخفضة بعضها بعضا من حين لحين.. فمنها جروح في الجسد ومنها شروخ  وتصدع في النفوس والأرواح وتخلخل في أساس تكوين الطيور المركزية وأجنحتها عبر السنين الماضية. وياأسفاه، لقد رضخت الطيور إلى مصيرها المرسوم وساعدت ذلك الطير الأخرق ذو المخالب على نمو منقاره الصلد وأجنحته الملفوفة ليبقى الحارس الأمين! وإذا أردت العودة مرة أخرى في الدهور القادمة فإن المخرج قد يتبدل وترى إخراجا مختلفا عما رأيته ويمكنك أن تأخذ الكثير من المذكرات إلى كوكبك .. وستلد الطيور طيورا.. نعم ستلد.. هذه الطيور لاتبيض وإنما تلد وصغارها تأتي عارية دون قشور أو حدود.. ثم تنمو القشور وترتسم الحدود بعد تمرس وخبرة ويمحى الجوهر وينحل رويدا رويدا إلى أن تتكون المستحاثات البشرية والنفسية...... فهل تريد المزيد؟

وفي مذكراتي لكم أيها الغرباء قصص أخرى ونوادر مثلى سأطبعها وأنشرها في هذا الفضاء الغريب. أما أنت أيها الحاكم الجليل فهذا قسط  من رحلتي إلى ذلك الكوكب البعيد.. وإذا أردت المزيد  فعليك أن ترسل غيري في المرة القادمة لأني أخشى أن يكون الإحساس قد لوثني فأنا كما تعلم عديم الاحساس مثلك ومثل كل الغرباء. والآن امنحني أجري مقابل أتعابي في هذه الرحلة الشاقة، وسأقنع بنجمين ملونين لامعين وكوكبة باردة صغيرة ذات جبال ووهاد ونشادر. أما عن المركبة فإنها ملوثة بأحاسيس البشر الزائفة المتعطلة وعليك أن تأمر الحرس بتحطيمها وحرقها قبل أن تبعث الاحساس في قلوب الغرباء. والآن سآخذ استراحة ثم أعود لأعرض عليكم هذه الطرائف التي التقطتها في طريقي إلى المدينة الآمنة حين مررت بحديقة حيوانات واقعة في مكان مستكين لايحكمه أحد من البشر:

 ==============================


العاقل والقرود

 
عندما ينسحب النهار مطرودا خلف إشعاعات الشفق الداكنة تبدأ حديقة الحيوانات بإغلاق أبوابها أمام الزوار والمرتادين، ثم تقرع أجراس من بعيد تنبه الموجودين إلى إخلاء الحديقة قبل هجوم الليل العتيم. وحرصا على راحة الحيوانات اتخذت الإدارة هذه الإجراءات. في أحد المرات كان هناك شخص عليه علامات العقل والاتزان يعبر الحديقة عائدا إلى منزله عندما مر بجانب قفص القرود الكبيرة بعد الغروب بلحظات قليلة وكان يسمع تحركاتهم ويرى خيالاتهم من وراء القضبان الحديدية.. وإذا به يسمع صوتا نابعا من داخل القفص يقول: أنت ياغبي متى ستصبح ذكيا عاقلا وتتحول إلى قرد مثلنا. اندهش الرجل بشدة وذهل عن  مشيه ثم التفت لفتة خاطفة نحو القص فإذا بالقرود تحدق به بصمت غريب فقرر المسير. ماكاد يفعل حتى أتاه صوت مماثل يقول: لماذا لاتجيب إنني أكلمك أنت بصراحة. لم يلتفت هذه المرة بل أرخى لنفسه حبل الإسراع والخروج من الحديقة وحال نفسه تقول: ياغبي لماذا تسمع لمثل هذه الخرافات، إنهم قرود لاغير.. الليل والحيوانات لايجتمعان عندي بعد اليوم.. وأظن أن ولعي بالحيوانات وسلوكها هو ماجعلني أسمع مالا كلام له. هز رأسه هزة عنيفة ليخرج التشويش منه ثم مضى في سبيله، حتى إذا دخل منزله تناسى ماحصل له وضحك من نفسه على ماسمع من الوهم...

.. ثم تكررت الحادثة معه في نفس الموقع بعد الغروب عن طريق الصدفة، فالتزم الشجاعة هذه المرة وقرر الصمود ومحاورة تلك القرود. يسمع منهم ثم يرد على أسئلتهم كأنهم بشر.. لحظات ونظر حوله فإذا هم صامتون لا صراخ لهم، وقد ظهروا له مندهشين منه أشد الاندهاش فراودته فكرة الانسلال من هذا الموقف المحرج مع نفسه. في تلك اللحظة جذب انتباهه أحد القرود وهو يتأرجح على أحد الحبال بينما غيره في صمت مطبق وتحديق عميق. خيل إليه أن القرد يقول له ـ ويقسم أنه سمعه يقول: كم أنت غبي.. هل في الحقيقة تعتقد أننا نستطيع النطق مثلكم أيها البشر؟ نحن قرود ولغتنا هي لغة القرود فامض في سبيلك واغرب عن وجهنا وإلا هجمنا عليك وفتتناك لأنك تحتقرنا باتهامنا بالكلام. هرع الرجل خارجا من الحديقة نحو منزله ثم اندس في فراشه وهو واسع الحدقتين، وبالمناسبة لم يعد إلى تلك الحديقة حتى وافته المنية.

 ================================


صراع ثم صراع

 
قررت هيئة حديقة الحيوان أن تضع لوحة بجانب ملعب الكرة وعليها أوقات اليوم بالساعات كي تتيح للأطفال تسجيل أسمائهم ووقت اللعب للتخفيف من حدة الصراع والمشاجرات بين الجماعات المختلفة من الأطفال على هذا الملعب. كان الصراع ينشب كل يوم ولايستفيد الأطفال من الملعب كثيرا لشغلهم بالمشاجرة والصراع في تجمعات عشوائية دون الاكتراث بالحيوانات التي تنظر إليهم بصمت من خلف قضبان الأقفاص المجاورة. فرح الأطفال بالفكرة.. وراحوا يتصارعون على من سيكتب اسمه أولا على اللوحة وانتهى الأمر إلى عشوائية مزعجة في طرف البقعة المخصصة للعب ومازالت الحيوانات تنظر إليهم بصمتها المذهل من خلف القضبان معتقدة أن هذه صورة مصغرة عن البشرية..

 ===================================

طبيب في الحديقة

 

بينما كان الطبيب في نزهة في حديقة الحيوانات مع صديقة له وبعد جولة طويلة من المشاهدات والاعجاب بأصناف الحيوانات المختلفة قرر الاثنان الاستراحة والجلوس في أجمة من العشب وقفت عليها أسراب من اللقلق الرمادي الوديع.. بعضها تقف على قدم واحدة وبعضها تتمشى متهادية في تيه وفخار رافعة منقارها ومتلفتة حولها بهدوء واعتداد. وتحت أشعة الشمس الدافئة في هذا اليوم الربيعي الجذاب وفي جو يسوده الاسترخاء ويجمله تغريد العصافير متنقلة بين الأشجار المزهرة وضع الطبيب رأسه على صدر صديقته المستلقية على العشب الأخضر الرطب وأغلق عينيه كأنه يتصور هذا المنظر وهذا الجو الساحري في أحلامه الداخلية. دقائق مرت والدنيا في هذه البقعة ترسل أطياف الأمان والطمأنينة في نفوس البشر والحيوانات. رفع الطبيب رأسه فجاة وكأنه خطر له خاطر لايستطيع كتمه عن الدنيا حوله. التفت برأسه إلى صديقته التي فتحت عينيها بصمت ناظرة نحوه كأنها تسأله عن الأمر. قال: هل تدرين بأنك مصابة بنفخة قلبية؟! ثم وصف لها العلاج اللازم وطلب منها زيارته في العيادة من أجل الفحوصات اللازمة. اندهشت ثم قالت: كيف تفكر بأمر كهذا وأنت على صدري! وتدعي بأن فيك نحوي عاطفة لاتمل ولاتبرد. وزعلت منه زعلا شديدا وغادرت الحديقة ولم تره بعدها أبدا.
 

 ===============================


القاتل الوديع


هرع الناس من كل صوب وحدب ليشاهدوا الحوت القاتل في الحديقة المائية. وفي حوض كبير مدور من الماء المالح يسبح هذان الحوتان الضخمان السوداوان  فيغطسان في الماء ثم يصعدان وينفثان الهواء المحمل ببخار الماء فيظهر على شكل نافورة من المياه تتدفق من فوهة التنفسس تحت ضغط العضلات الصدرية. وماإن تجمع الناس ومعهم آلات التصوير الثابت والمتحرك حتى بدأت الأنثى تصارع الحياة وتتحداها أثناء المخاض فتهتز قليلا ثم تتلوى وهي تسبح في غير انتظام، تريد أن تتخلص مما في داخلها. وكان الذكر قد انتبه إليها فتباطأت حركته بشكل ملحوظ وكأنه يعينها معنويا على أمور المخاض والولادة. ماهي إلا دقائق وظهرت علائم المولود من خلفيتها ثم قذفته في عرض المياه وظلت تسبح بعد انتفاضة سببت حركة الأمواج على سطح الحوض الكبير. أخذ المولود يسبح بحرارة وشغف في أول استقبال له في هذه الحياة، وكان وديعا جميلا يبعث على الشفقة الرقيقة والشعور بحمله. شهق الناس شهقة واحدة عالية ثم سمع هديرهم القوي على مسافة ميل أو أكثر، وفتحت الأفواه وتوسعت الأحداق علامة الدهشة والاعجاب، وسمي هذا المولود الوديع الجميل الرقيق بالحوت القاتل.
 ============================

عجرفة القطار

 
تجمهر الناس حول طفل صرعه القطار الذي يدور على سكة في المنتزة العام. وتعالت الصيحات بإحضار سيارة الاسعاف. قال أحدهم: ماذا حدث؟ فرد آخر: إنه سائق القطار ، رأى الطفل أمامه ولكنه رفض الوقوف ظانا أنه سيتفادى الطفل. قال ثالث: إنه القطار نفسه، أراد تقليد القطار الحقيقي الكبير فرفض الوقوف ولم يأبه للعواقب.

===============================

جن.. فأبقوه


هرم الدب الأبيض الكبير فقررت الهيئة إرساله إلى الحديقة الرئيسية من أجل الرعاية والأبحاث العلمية على الحيوانات. هذا الدب الذي يستمتع برؤية الناس المندهشين منه وهو يتمشى جيئة وذهابا خارج وكره على صبة من الاسمنت عليها بعض جذوع الشجر اليابسة وإلى جانبه بحيرة من الماء يغطس فيها أنى يشاء يستمتع ويمتع المتفرجين على ضخامته وذكائه. وصل الخبر إلى أسماع الدب الأبيض فتعكر مزاجه وراح يفكر في مصيره داخل قفص في مستوع كبير لايرى البشر ولايراه المرتادون على الحديقة. قبع في وكره أياما كئيبا من هذه الأخبار ولم يظهر على الناس إلا قليلا فافتقده الناس. أخذ يعصر مخه وتفكيره لكي يجد مخرجا من هذا المأزق الكبير. أعياه التفكير وأجلسه عن الحركة التي كان متعودا عليها أمام الناس. لكم أراد أن يبقوه في مكانه يستمتع بالناس وذهولهم واندهاشهم من أسنانه الكبيرة ومخالبه الضخمة وشحمه الكثيف وفروه الأبيض الطويل. في لحظة من لحظات النهار هب الدب واقفا وخرج فجأة من وكره صارخا ثم أسرع في مشيته على منصة العرض أمام الناس ففزعوا منه وأخذوا خطوات إلى الوراء. ثم دخل إلى وكره وهو ينظر إلى انفعالات الناس من حركاته. رآهم منبهرين وكأنهم يطلبون المزيد. أعجبته الفكرة فراح يكررها بين الحين والآخر ويخاف الناس مبتعدين ثم يعودون، ويأتي غيرهم أفواجا. لقد ضج البشر من الأمر وانتشر الخبر بين محبي حدائق الحيوان فهرع الناس من حدب وصوب ليشاهدوا الدب الأبيض المخيف ويستمتعون بجنونه. إنه الدب المجنون، إنه الدب المجنون. ومع الأيام ازداد دخل الحديقة بشأن هذا الدب المجنون، وقررت هيئة الحديقة أن تبقيه في مكانه حتى إشعار آخر.

 ============================

 

يزأرون

أعلنت حديقة الحيوانات الجميلة عن تخفيضات مغرية على رسم الدخول للجماعات فذهب جمع من الفقراء إليها في يوم العطلة الأسبوعية ليروحوا عن أنفسهم عناء العمل ونصب العيش وضيق الزمان. تمتعوا بالأشجار الباسقة، والقطوف الدانية، والهواء المنعش العليل، والخضرة الندية، والمياه المتموجة، والحيوانات الأليفة الوادعة في الأقفاص وعلى المروج وأغصان الأشجار، والحيوانات المتوحشة الكاسرة الرابضة في الأقفاص المتينة المقفلة. مروا ومعهم دليل من الحديقة على فسحة واسعة تحيط بها الوحوش الكاسرة في مرابضها وأقفاصها. وأخذوا يتفحصونها والألسنة في كلام لا ينقطع ولايتعثر. حان وقت إطعام الوحوش فحضر العمال يحملون الصناديق والأكياس. ورأى الفقراء الوحوش تلتهم اللحوم بنهم وشهية دون عناء في الحصول عليها ومن غير مبالاة بمن يحيط بهم.. تنظر إلى البشر بأطراف عيونها هنيهة ثم تغطس في لذة الطعام من جديد. سال لعاب الفقراء من هذا المنظر حتى كادت الفسحة الواسعة أن تمتلئ من الرضاب. والدليل بدأ بالكلام وهو يقول: (هذا نوع من الدببة الاسترالية يسمى الباندا، نحيطه بأكبر عناية مخافة الانقراض فلم يبق منه في الطبيعة غير أعداد محدودة تهدد هذا النوع بالزوال. وهذا هو نوع من النسور النادرة نرغب أن يتم إلقاحها وتكاثرها حتى نعيدها إلى الطبيعة وتنتشر من جديد لتجمل العالم من حولنا، وهذا باهظ التكلفة إلا أن المسؤولية الملقاة على عاتقنا لحفظ الطبيعة كبيرة ومهمة. أما وحيد القرن الكيني فتلك قصة أخرى حيث لم نجد منه إلا أربعة أزواج بعد أن تعرض للسفاحين من البشر طمعا في قرنه).. والفقراء غير مهتمين بكلامه وهم ينظرون إلى الحيوانات المفترسة تأكل اللحوم وتتلذذ بها. حسدوا تلك الحيوانات وتمنوا أن يكونوا في مكانها خلف القضبان في وفرة الطعام والشراب.. وانتهى اليوم وعاد الفقراء إلى بيوتهم الرثة ومهاجعهم البالية وهم يزأرون على المجتمع والبشرية.

 =============================


رق قلبه فهلك


ذهب راعي الغنم البسيط من قريته الصغيرة النائية إلى المدينة الكبيرة التي قلما زارها وترك وراءه أغنامه في حظيرة توشك على التهدم والسقوط، وحبس دجاجاته في قفص مهترئ مع بعض الحبوب وفضلات الخضار والماء العكر. وفي المدينة أنهى حاجياته عند وقت الظهر الملتهب، وبينما هو يمشي في الشوارع بين زحام البشر والسيارات والدخان منبهرا من المدينة والضوضاء أعياه التعب وحمله الجوع إلى مطعم لينال فيه طعام الغداء ثم يستريح قبل العودة إلى أحب مكان إليه. بعد وجبة شهية من لحم الضأن المشوي على الفحم وكأس من اللبن البارد شعر بالنعاس فسأل في المطعم عن مكان يستريح فيه من الحر اللافح. أشار له رجل على حديقة للحيوانات في حي قريب فأعجبت الراعي الفكرة فشكر الرجل ودفع الحساب ثم أخذ طريقه باتجاه الحيوانات وهو يقول: فكرة رائعة، أستريح قليلا وأتفرج على الحيوانات التي لم أرها في حياتي من قبل، فكل ماأعرفه هو المواشي والحمير والدجاج والكلاب والأفاعي والبعوض في قريتنا. استراح برهة تحت شجرة ترسل بظلالها على مرج أخضر رطب. وما أن انحسرت حدة الشمس حتى ترك الظل ومشى بين أقفاص الحيوانات فاغرا فاه من الدهشة والتعجب وراح يثني على الخالق وإبداعه في مخلوقاته العجيبة الغريبة. لكنه رأى أن تلك الحيوانات سجينة غير طليقة وكئيبة لاحول لها ولاقوة فهي لاتستطيع القيام بوظائفها على الوجه الصحيح، فقال لنفسه حيوانات مسكينة ورق قلبه عليها ودعا لها بإخلاء السبيل ثم استثنى الحيوانات المفترسة منها لأنه خاف على أغنامه ودجاجاته منها.

رجع إلى قريته ذلك المساء بعد يوم من التعب في المشاكل والتنزه اللذيذ.. عاد مطمئنا إلى حياته البسيطة وأغنامه ودجاجاته. وتركت زيارة الحديقة أثرا عجيبا في نفسه أحس أنه اكتشف شيئا هاما في الحياة لم يكن يأبه له من قبل.

ثم مرت سنة واضطر الراعي للنزول إلى تلك المدينة الكبيرة عوضا عن تلك البلدة التي كان يبتاع منها مايحتاج بين الحين والآخر. أرغمه الفضول على زيارة الحديقة فعرج على نفس المطعم فأكل وشرب ثم اتجه إلى الحديقة داعيا أن تكون الحيوانات هناك في انتظاره كما كانت في العام الماضي. ذهل عندما رأى أن أقفاص الحيوانات الوديعة التي أحبها فارغة من أي أثر للحياة إلا من بقايا الأوساخ والأشياء البالية.. لقد رحلت الحيوانات إلى أقدارها في نظره.. هكذا فكر وهكذا اقتنع. وبينما هو كذلك تذكر دعوته لهذه الحيوانات في السنة الماضية بفك الأسر فغير رأيه عن أن الحيوانات رحلت إلى أقدارها وظن أن دعوته اتجيب لها وتحررت تلك الحيوانات من الأسر بفضل دعوته وأمنيته. فرح واغتر بنفسه ونظر إلى الأقفاص مرة أخرى نظرة المنتصر بعزة وإباء، ثم جال بنظره باتجاه أقفاص الحيوانات المفترسة وعليه نفس النظرة وقال في نفسه: أيتها الحيوانات المفترسة أنا هنا اليوم ويبدو أنك مسكينة أنت الأخرى والذنب ليس ذنبك وإنما خلقت لتكوني مفترسة، وهاهي أغنامي ودجاجاتي بعيدة عن هذه المدينة العجيبة الكبيرة، وإنه ليرق قلبي عليك أنت الأخرى وسأدعو الله أن يفك أسرك جميعا كما كان من أمر الحيوانات الوديعة.. فتمتعوا بالحرية. ماإن انتهى من حديث نفسه سمعت أصوات غريبة في الأجواء.. إنها أصوات أقفال الأقفاص تنفك عن الأبواب وتتهشم ثم تفتح الأبواب بصرير مزعج يصم الآذان ويرسل في الجسد تيارا كهربائيا فيقشعر الجسد ويهتز.. والحيوانات المفترسة يسيل لعابها وهي خارجة من الأقفاص مسرعة ومتجهة نحو الراعي.. وهو في استدارة خاطفة يركض إلى لامكان.. مذهولا مهبولا كأنه في منام أو خيال.. جمدت السوائل في عروقه واختبأ صوته في حلقه، ولكنه مالبث أن وقع ضحية الوحوش المفترسة... والحراس يهرعون إليه فلايجدون سوى ساعته المكسورة وحذاءه الممزق وقطعا من الثياب المفتتة.

 ===========================


فكر ودبر ثم قنع بما كان

 


سئل حمار الوحش في حديقة الحيوان عن بقع الدم الجامدة على جلده الأبيض فأجاب وهو في حالة من الغضب والانزعاج: إنه البعوض الأخرق يأتي في الليل فيرى الجلد الأبيض دون الاسود فيحط عليه ويغرز إبره الدقيقة ويمتص الدم فيجرحني ويسبب لي القروح في الجلد الأبيض. وبعد أن سأله الكثيرون عن هذا الأمر أخذ يفكر بالأمر بجدية كي يحتال على البعوض ليتركه وشأنه. ثم فكر ودبر حين جاءته فكرة جديدة أيقن أنها ذكية ومجدية. لقد قرر أن يدهن جلده الأبيض باللون الأسود فيصبح كل جلده أسودا ويصعب على البعوض التمييز في الليل المعتم. ضحك ضحكة متخفية واطمأن إلى الليل القادم فغط في نوم عميق في جلده الأسود الفاحم على كل جسده. وفي الصباح استيقظ حمار الوحش وهو يتألم من الجروح وبقع الدم تغطي كل جسده.. فقنع بما كان عليه.

 ==============================


المهم الصحة

 
قرر الكركدن فتح فمه بمقدار ضئيل عندما يأكل وعندما يتثاءب وذلك نتيجة خبرته مع الناس المتفرجين في الحديقة.. إنهم يسخرون من فمه الكبير وهم يضحكون كلما رأواه يأكل أو يتثاءب يصفونه بالقبح ويشيرون إليه بالأصابع وكأنه متهم بفعل شنيع وأمر مشين. مر أسبوع على هذه الحال فما كان من الحارس إلا أن أصبح يمنحه كميات أقل من الطعام حسب حجم فمه وقدرته على الاستيعاب. ضجر الكركدن من هذا الأمر ضجرا شديدا ولكنه استمر على عناده ليثبت للناس أنه الأقوى وانه جميل مقبول.. ضعف جسمه وأصابه النحول فأخذ الناس يسخرون من نحوله وقلة حركته ويهزؤون من الكركدن الضعيف النحيف. فكر بالموضوع مليا ثم قرر من جديد أن يعيش مهزلة الطبيعة في الفم الكبير الواسع ليستمتع بالطعام الوفير والوجبات الكبيرة الشهية الكافية ويهزأ من الناس وسخريتهم عليه.

 ============================


كدحه المزيف

 


 قضى فيلسوف نصف نهاره في المنتزه العام في يوم كان الناس يتمتعون بجو جميل منعش من أيام السنة يرعون أنفسهم بتحسس الطبيعة الجذابة ويمتعون أنظارهم بالخضرة وأنواع الحيوانات في أوكارها وأقفاصها. وعندما خرج الفيلسوف إلى الشارع بدا شاردا إلى حد بعيد وسبب له الشرود ان اصطدم بأحد المارة على الرصيف، فنهره الرجل وقال: ماذا دهاك أيها الرجل وأين كنت بحق الإله! انتبه الفيلسوف لنفسه ورد على الرجل: رأيت الناس يكدحون في طبيعة جد مزيفة. فقال الرجل وقد استغرب من الجواب: أراك أنك كنت معهم في كدحهم هذا. فقال الفيلسوف: أنا أعمل كي أصور كدحهم  المزيف أما الكدح المزيف فليس من عملي وليس من الممكن أن ينطبق علي وأنا في هذه الحالة الفلسفية الحقيقية. فنظر إليه الرجل نظرة فلسفية محضة وتابع طريقه إلى الحديقة ليمتع نفسه بالطبيعة والحيوانات.
 

 ============================

الببغاء الأبله

 
عرض الرجل على الببغاء العجيب الملون في المنتزه طعاما فأكله فسأله الرجل أن يردد اسمه فردد الببغاء اسما غير اسم الرجل فمضى الرجل غاضبا. جاء رجل غيره وعرض طعاما على الببغاء فالتهمه ثم طلب منه ترديد اسمه فردد الببغاء اسم الرجل السابق فغضب الرجل ومضى في سبيله غير عالم أن ماردده الببغاء هو اسم الرجل الذي سبقه. مرت الأيام وتكرر الموقف مع رجال ونساء وأطفال ولم يستطع أحد من الناس أن يجعل الببغاء يردد اسمه. ظن الببغاء أنه يفعل الصحيح فمازال الناس يطعمونه، ولكن الناس بعد حين ضجوا منه ونادوه بالأبله والغبي، ثم شكوه إلى رئيس الحديقة. أرسله الرئيس إلى مدرب الطيور وطلب إجراء التجارب عليه في غرف التدريب والأبحاث. والحقيقة هي أن المدرب وجد الببغاء سليما ولكن صبر الناس قليل.
 

 =================================


جنون السجان

 
بينما كان السجان في الحديقة يمشي وعقله محصور في السجن وأعماله رأى العصافير وهي تغرد في أقفاصها مرحة لاتبالي بالبشر ورأى القرود تتشاجر وتلحق بعضها البعض وتقفز على أغصان الشجر اليابسة وتتأرجح على الحبال المتدلية في أقفاصها وكأنها ترسل رسالة الحرية والمتعة إلى المرتادين. عجب من أمر تلك الحيوانات المحبوسة فاقترب منها سائلا: إني لأعجب منكم، لماذا كل هذا الفرح وأنتم محجوزون في أقفاص عتيقة بالية لاحول لكم ولاقوة؟! لم يكن يريم جوابا، إلا أنه فوجئ بقردة كبيرة حكيمة ترد عليه قائلة: هذا هو المصير.. والعمر واحد والدنيا متشابهة.. ولاحياة لنا بعد الدنيا لأننا لانفكر كثيرا بالمصير.. ولنفرح أينما كنا وكيفما بتنا وحيثما وضعنا القدر والمصير.. هكذا يصبح المصير طبيعة وجمال في أعيننا وأصلا لابد من الاستمرار حتى نهاية الطريق. رغم سطوته وسيطرته على المساجين وقراراته الصارمة في السجن شعر بصغر حجمه أمام الدنيا والحياة. عرج على سريرته فوجدها فارغة إلا من حزم مزيف ورباطة جأش مصطنعة أمام البشر. عاد أدراجه وخرج من الحديقة عائدا إلى بيته لينام الليل ثم يذهب إلى عمله في السجن الكبير في صبيحة اليوم التالي. نظر خلف القضبان فإذا بالمساجين رابضون في وقار وصمت وسارحون في أشياء لايعلمها إلا الخالق وقد بدا كل شيء تحت سكون مريب له هول وأسرار عميقة. تساءل السجان متعجبا: كيف لم أر هذا الصمت والسكون من قبل، وماذا يكون ولم؟! غضب من نفسه فأخرج أحد المساجين ليصفعه ويجلده فلم يسمع له صوتا ولا أنة ولا صراخا، فسأله: لماذا لاتصرخ؟ إصرخ، إصرخ وإلا فتكت بك وهلكت. نظر إليه المجلود فأحس أنها نظرة ازدراء واحتقار وشعر به يقول له: لاترفع صوتك أيها السجان العظيم فإن الحرية هنا تحب السكون والوقار. عجب السجان وذهل من الموقف وقرر معرفة مايجري في سجنه من خرق للقوانين من حرية التفكير والهدوء وإتقان التمثيل. أمر أعوانه حينئذ بالتحقيق مع كل المساجين كل واحد على حده وقدم لهم الحلوى والشاي وأشياء أخرى قد نسوا طعمها في ظلمات السجن. وبعد تحقيق وتمحيص وتحليل وجد السجان الخلاصة فعفا عن المساجين وأطلق سراحهم لأن جرائمهم خارج السجن مهما كبرت وساءت فلن تكون أكبر وأسوأ من التي يرتكبونها كل يوم داخل زنزانات السجن خلف القضبان المزيفة. وأمر بتحويل السجن إلى متحف يزوره الناس ويتفرجوا على قضبان الحديد والمقصورات العفنة وذكريات المجرمين على الجدران والأسقفة.. ولكن لم يكن أحد من الناس على مقدرة أو عنده بصيرة بأن يرى تلك الأفكار والجرائم التي كانت ترتكب كل يوم في ردهات السجن وزواياه.. فتلك ليس لها طعم ولارائحة ولا قوام تراه العين على المدى المنظور. ثم مضت أيام طوال وحتى اليوم لم يعرف أحد سبب إطلاق سراح المساجين فقد جن السجان ومات وماتت معه ذكرياته.
 

 ===============================


البط والقاضي

 
بينما كان القاضي يتمشى في المنتزه العام في يوم عطلته الأسبوعية يراقب الناس والأشياء دون وعي تام ولا مبالاة رأى مجموعة من البط في البحيرة ذات النافورة الجميلة تتصارع على فتات الخبز الذي يرميه الناس لهم من خلف السياج.. هذه بطة ترمي بنفسها بسرعة في الماء محاولة اللحاق بقطعة خبز قريبة فتأتي أخرى وتنتزعها منها انتزاعا فتنتفض وتسبح خلفها وتنقرها بشكل متلاحق معبرة عن استيائها.. وهذه بطة هادئة تظهر وكأنها لاتبالي بالأمر حتى إذا أتتها قطعة من الخبز استفرست وهاجمت الأخريات بغية الحصول على الخبز.. وأخرى تسبح بين هنا وهناك مرفرفة بجناحيها تشاجر غيرها وهي تحاول التقاط قطع الخبز ولا تحصل على أي نصيب منها.. وقف القاضي يراقب البط وأفعاله ثم استدار وتمشى بهدوء خارج المنتزه قاصدا بيته بعد عناء يوم طويل من العمل.
 

 ==============================


صواريخ الصدفة

 
بعد انفجار القذائف الصاروخية التي نزلت على حديقة الحيوانات من جراء سوء تفاهم بين طرفين مسلحين من أهالي المدينة عكف الحراس على ترميم الحديقة لمدة أسبوعين كاملين.. وبعد أن تم إحصاء الضحايا من الحيوانات رأى الحراس أن الصدفة ساقت القذائف نحو الحيوانات الأليفة والوديعة البريئة في كل جوانب الحديقة.. أما عن الحيوانات المفترسة المتوحشة فقد سلمت من تلك الصواريخ ولم تمس أقفاصها أية أضرار أو خدوش أو شظية. مع هذا حزنت الحيوانات المفترسة حزنا شديدا أرقها وعكر عليها أوقاتها وذلك لأنها كان تستمتع بالنظر المتحفز إلى الحيوانات الوديعة فرائسها من خلف القضبان متمنية الفتك بها من كثرة البغضاء وخاصة في أوقات الجوع قبل إحضار الطعام لها. تعجب الحراس من هذه الصدفة وقالوا لبعضهم: يالها من حيوانات حزينة أرادت أن تفتك بالحيوانات الوديعة بنفسها وتخضب أنيابها بالدماء منها ولكن الصدفة منعتها من تحقيق أمنياتها. أما عن الأطراف المتحاربة فمازال القتال دائرا فقد أضحى من ضمن الحياة اليومية ولاخلاف عليه.
 

 =============================

الدب الرزين

 
بجوار بحيرة صغيرة من الماء العكر وصخور متفرقة من الاسمنت الأبيض وجذوع أشجار جرداء يابسة مختلفة الأحجام قبع دب قطبي ضخم متسخ من طين البحيرة وحوله دب قطبي آخر يروح ويجيء بداب متواصل بين طرف البحيرة وبين طرف السطح الأملس من الاسمنت بجوار السياج، وكأنه في ضجر من هذا السجن على الرغم من تهيئة الأجواء لتبدو كأنها موطن الدببة الأصلي في طبيعة غير ملموسة سوى الأسوار المحيطة بالمكان. وقف الناس في مراقبة للدب الهادئ وهو بصبره ورزانته كل النهار وكأنه لايبالي بالبشر أو بالحياة.. والدب الآخر بضجره ووحشيته وهمجيته يغلي ويفور ويطلق الشرر من عينيه كتنين جائع غضبان. لم يفكر أحد من الناس أن يستطلع حقيقة الأمر فقد كان المنظر شيقا وممتعا وكفى. مر فيلسوف بهذا الجمع من البشر والدببة ورنا عليهم بنظرة عابرة ثم مضى في طريقه نحو بحيرة التماسيح المرعبة.. وإذا به يجد إنسانا ظهرت عليه علامات الجنون وهو واقف إلى جانب بحيرة التماسيح ويراقب جمع الناس والدببة من بعيد. غلب الفيلسوف تطفله فجلس على مقعد مجاور لهذا المجنون وراح يراقب مثله الجمع الغفير عند مرتع الدببة، ثم سأل المجنون: لماذا لاتجلس؟ فجلس المجنون على المقعد وصمت لحظات ثم قال: إنهم ناس مجانين، يحسبون أن الدب الصامت رزين وهادئ وأن الدب النشيط أرعن ومتوحش. فقال الفيلسوف: وماخطبهما إذن؟ فقال المجنون وقد بدت عليه علائم الدهشة وقد رفع رأسه باتجاه الفيلسوف ونظر إليه من أسفل عينيه: أنا سألت الحارس عن هذين الدبين وقال لي بأن الدب الصامت مشلول وقد كان شديد التوحش شرسا أشد الشراسة تهابه كل حيوانات الحديقة وزوارها ولو استطاع الحراك الآن لحطم السياج وهشمه وانقض على كل من حوله وافترسهم جميعا. تبسم الفيلسوف وقال: ولماذا تراقب هذا الجمع من بعيد إلى جانب بحيرة التماسيح هذه؟ فأجابه المجنون ووجهه تعلوه علامات الجد لا الهزار: أخاف أن يمر أحد المجانين من هذا الطريق فيحسبني مجنونا مثل هؤلاء الناس المجتمعين، لأن المجانين عادة يعرفون قصصا مثل هذه وهم يسألون الحارس عن هذه الدببة وعن الأشياء غير العادية في الحديقة، ولذلك فإنه من الأفضل لي أن أراقبهم من بعيد. فقال الفيلسوف: صدقت ياصديقي، ثابر على مهامك الانسانية والفخر لك في هذه الحياة. وقام الفيلسوف ذاهبا باتجاه الجمع الغفير من البشر أمام سياج مرتع الدببة فشاهد ماشاهد وعنده يقين أن الدب الهادئ رزين، حتى التوت به الطريق النازلة نحو مرتع سباع البحر.
 

 ==============================


عبقريات

 
قررت جماعة أتت من الفضاء النزول خلف أجمة صغيرة في حديقة للحيوانات والاستماع إلى البشر عن قرب فدخلوا تحت جنح الظلام إلى قفص فارغ ومعهم آلات التصوير والتسجيل ثم انتظروا حتى الصباح. اندهش الناس من منظرهم وحسبوهم حيوانات غريبة من غابات بعيدة ومهجورة. قال أحد المتفرجين لصاحبه: تلك هي نظرية التطور فهذه هي حيوانات غريبة الشكل تطورت عن حيوانات قديمة العهد وتأقلمت مع عصر الفضاء والكواكب والنجوم. كان الرجل الثاني لايعلم عن كلام صاحبه شيئا فرد  عليه: كفاك هراء.. هذه الحيوانات جاءت من جراء إجراء تجارب في المختبر على حيوانات أخرى فقد قرأت عن هذا الأمر في إحدى مجلات الحيوان، ألا تلاحظ الشرائح المعدنية المطبقة الشبيهة بحراشف السمك؟! فقال الأول ساخرا: أنت ومجلتك من المجانين فهذا أمر مستحيل أن تتطور الحيوانات بشكل غير ماتريده الطبيعة أو بشكل غير عضوي. فرد الثاني: وهل من الممكن أن تنقرض الحيوانات مدة من الزمن ثم تأتي مرة أخرى على شكل يتلاءم مع العصر، وكأنك تفكر أننا في مصنع للالكترونيات! ثم انتهى ذلك اليوم بالنسبة لجماعة الفضاء وقد أخذوا ماأرادوا أخذه من المعلومات من البشر الذين مروا بهم واندهشوا لرؤيتهم. وهبط الظلام فانسلوا من القفص نحو الأجمة ثم استقلوا مركبتهم وعادوا من حيث أتوا.

مرت عدة أيام وعاد الرجلان إلى الحديقة واتجهوا نحو القفص نفسه فإذا هو فارغ من تلك الحيوانات الغريبة. قال الأول: ألم أقل لك إنها نظرية التطور.. وهاهي نظرية الانقراض المستمدة من قوانين التطور الطبيعية.. ألم أقل لك أن هناك حيوانات أو أصناف من الحيوانات تنقرض بفعل الانسان أو بفعل عوامل طبيعية وبيئية. قال الثاني: كفاك هراء يارجل.. إنهم العلماء.. لقد أخذوا هذه الحيوانات للتجربة من جديد وأراهنك أنهم سيعيدونهم إلى نفس القفص أو إلى غيره بعد الانتهاء من التجارب.. قلت لك أنني أقرأ مجلات الحيوان العصرية بشكل متواصل وأنا أعلم منك بهذه الأمور.
 

 =============================


الغزال والرعب

كان هناك فتحة صغيرة بين مرتع النمر المتوحش وبين مرتع الغزال في حديقة الحيوانات، وكان النمر ينظر من خلالها في أوقات الجوع فيرى الغزال ولعابه دائم السيلان ولايراه الغزال فيزأر زئيرا قويا ترتعد له فرائص الغزال فيثب من مكانه والرعب قد تملكه من كل حدب وصوب ثم تمضي لحظات ويعود إلى طبيعته الهادئة بعد العلم بأن الخطر غير حقيقي وأنه في مأمن من ذلك النمر المتوحش. مرت سنوات والحال لاتتغير.. النمر يمتع نفسه برؤية الغزال من خلال الفتحة ويزأر الزئير والغزال يرتعب ويقفز ثم يأمن للموقف بعد لحظات. وفي كل مرة يصيب الغزال خوف حقيقي حتى يفطن ويهدأ من جديد. ذات يوم بدا الغزال مريضا ذابلا ممتنعا عن الطعام وعنده حيرة وكدر. سأله العصفور الذي كان دائم الزيارة لمرتعه عن أمر هذا الحزن الشديد الذي أدى به أن يعاف الطعام والشراب. امتنع الغزال عن الإجابة وأدار ظهره لصديقه العصفور.. نظر العصفور حوله فلم ير شيئا غير عادي فلبث هناك فترة بعد أن شغله فضوله عن نفسه. ثم عرف الأمر: لقد مات النمر المتوحش عدو الغزال اللدود فبدلته هيئة الحديقة بخنزير بري صغير لايأبه بالغزال ولايعرف أن هناك فتحة صغيرة بين المرتعين.
 

 =============================


نفس النظرة

 
غوريلا بنية اللون كالحة هرمة قبيحة الشكل ذات صدر متدلي على بطنها المتجعدة تجلس على التراب ممسكة بيدها حجرا تدق به بشكل متقطع على جذع شجرة ملقى على الأرض بشكل عشوائي.. جلست هناك طويلا على مقعدها المسترخي تدق عدة دقات على الجذع وتنظر عبر الهوة السحيقة التي تفصلها عن المتفرجين في حديقة الحيوان.. ثم تعود وتدق على الجذع من جديد كأنها لاتبالي بمن حولها ولاتعير لأحد من الناس أو من الغوريلات المجاورة أي انتباه. كانت نظراتها القليلة عميقة وهزلية جدا مخلوطة بسذاجة وعدم اعتبار. راقبتها عن كثب حيث تبدل المتفرجون عدة مرات وهي لها نفس النظرة نحو الجميع بين دقاتها على الجذع الثخين. كان في نفس المكان أربع غوريلات، واحدة على أعلى جذع اصطناعي تلعب بيديها أو أظافرها، وواحد في أسفل الهوة يرش من الماء الجاري في أسفل الهوة على نفسه ثم يهرب ويعود من جديد، وواحدة فوق الأخشاب التي تؤلف سقف البيت الخشبي في وسط المكان الممتلئ من التراب البني الفاتح الجاف وبعض الصخور الصماء الباهتة وبقايا جذوع أشجار يابسة. وبعد نهار كامل على نفس المنوال زهقت من تلك الغوريلا الصامدة العنيدة الراقدة بجانب الجذع الثخين تدق عليه بالحجر وتنظر إلى الناس. وبينما ثبتت في مكانها تغيرت أماكن باقي الغوريلات تتحرك من جذع لآخر أو من الهوة إلى أعلى المكان أو من البيت إلى الخارج وبالعكس. وفي آخر النهار نزلت إلى مرتع الغوريلات من الباب الخلفي وانسللت إلى المخدع بهدوء ثم على حين غرة ناديت الغوريلا الهرمة. استدارت نحوي بسرعة وقد تقصف صدرها وبطنها المترهلة وهي مندهشة من وجودي وقد حسبتني الحارس الجديد الذي سيقدم لها الطعام. ماكادت تنظر إلي حتى مددت يدي وسحبتها إلى داخل المخدع فاستجابت ودخلت. سألتها عن يومها فأجابت أنه كان على مايرام ممتعا شيقا. تعجبت من الجواب وأنا من كان يراقبها طوال النهار وهي تبدو في زهق وملل تدق على الجذع بالحجر وتنظر إلى الناس تلك النظرة الجامدة الصامتة. ثم سألتها عن الناس فأجابت وقد تجهم وجهها: ناس، أي ناس، إنه شخص واحد لاغير، هو شخص واحد الذي رأيته طوال اليوم في وجوه متعددة ومتغايرة جميعها مضحكة وتحتها أجسام نحيلة في ثياب قذرة ممزقة، ورؤوس تحمل عقولا مسيرة مغسولة تحسب أنها تنعم بالحرية وهي في أعماق سجن النفس والأوهام والتقاليد البالية. توسعت حدقتا عيني وحدجتها بنظرة استفسار وقلت: ماذا عني أنا، فأنا صورة من هذا الشخص الوحيد الذي رأيتيه طوال اليوم؟ فأجابت وقد أراحني جوابها: أنت غوريلا. قلت ضاحكا: وكيف يكون ذلك؟ قالت: أنت صدقتني وهاأنت تكتب ماأمليه عليك لتطلع الناس عليه، أما غيرك فلا يهتم إلا بالمنظر والمظهر. فجأة غمرتني إنسانيتي وانتابني خوف رهيب من وجودي بين تلك المخلوقات الحيوانية المتكلمة عند المغيب والظلام يزحف كالأفعى مسرعا ليغطي الأفق. خرجت من كهف الغوريلا متجها إلى مرتع النمور لأراقبهم وأعزم على إجراء مقابلة معهم في صباح اليوم التالي وأنا في شوق لأسمع من أحدهم أنني نمر.
 

 ================================


سر الذئب الرمادي

 
انتسب الذئب الرمادي الشاب ذو الوجه الأسود إلى نادي الأيام وحكمتها بعد أن سمع صيادين يتحادثان في الغابة وقال أحدهما: الأيام تعلم كل حي. بعد قراره بالانتساب أيقن بأنه حصل على عضوية شرفية فذهب بعيدا وجلس تحت شجرة وارفة الظلال وراح يراقب الدنانير الذهبية التي ترسلها أشعة الشمس من خلال الأغصان والأوراق، ثم أخذ ينتظر الأيام لكي تأتي وتعلمه ليصبح حكيم الحكماء ويستعلي على أفراد قبيلته. ترك أمره للأيام لتعلمه مالايعلم غيره وكان يبحث عن الطعام بين الحين والآخر ثم يعود إلى ظلال الشجرة ويلعب بالدنانير محاولا إمساكها وهي تفر من بين مخالبه، تاركا أفراد عشيرته ومشاكل الحياة خلف ظهره دون مواجهة أو عمل حقيقي. لقد اقتنع أنه يتعلم الكثير من الأيام التي تمر عليه فكان يشعر أنه كسب حكمة أو ربح وقارا أو حاز على مركز مرموق ضمن نفسه مع كل يوم يمر عليه. ثم قال: وجودي يكفي لأن أتعلم كيف أقتحم الحياة. في أحد الأيام هاجمت المنطقة سباع وافرة العدد جائعة تبحث عن أي شيء حي يتحرك لتأكله. انتفضت ذئاب المنطقة وتجمعت في محاولة للدفاع عن نفسها وكيانها وأرضها أو تدبير الأمر والهروب جماعة واحدة إلى منطقة أخرى مناسبة:
ذئب: ماالحل؟ أندافع أم نهرب إلى مكان أمين؟
الرئيس: ندافع بكل قوانا.. إنها مسألة وجود أو عدمه.. هذه أرضنا وعليها نحيا أو نموت دونها جميعا.
ذئب: أوافق هذا الرأي فعلينا التضحية من أجل البقاء للأجيال القادمة.
ذئب: أنا سأتولى الحراسة وأريد معي ذئبين آخرين، هل من متطوع؟
ذئب: وكيف إذا قضوا علينا جميعا فهم أقوى وأكثر عددا منا. على الأقل هناك فرصة للهروب إلى مكان أمين ونعيد بناء مملكتنا.. الأرض فسيحة وعامرة.
الرئيس: ويحك.. الأيام تعلمنا ألا نستسلم.. وكيف نذهب إلى مكان آخر، هل نغتصبه من أهله.. وكيف إذا لم نجد مكانا أمينا؟
ذئب: علينا تنظيم الجيوش، سأدعو كل مالدينا من قوة.

كان الذئب الرمادي الشاب جالسا تحت شجرته الكبيرة ينعم بالحرية التي رامها بعد وجبة أرنب شهية. قال لنفسه: ياللأغبياء إنهم يشعرون بالخوف.. لماذا لايدعونني؟ لعلهم نسوا أن الأيام علمتني مالايعلمون. ثم تثاءب وتمتم وهو في طريقه إلى غفوة وقيلولة: تعالي أيتها السباع فإن خبرتي مع الأيام ستصدك عني أو ستصدك الأيام الخبيرة الحكيمة عني. ونام ملء عينيه.

مرت ثلاثة ليال سوداء فاحمة على المنطقة لايسمع فيها إلا زئير السباع وزفراتها المخيفة وهي تروم فوق الأرض لاتهاب أحدا. ثم عادت الأمور إلى طبيعتها حين جلس الرئيس على منصته فخورا سعيدا وهو يقول: الحمد لله على السلامة ياأبنائي وأخوتي.. علينا جميعا تقديم الشكر لهذا الذئب العجوز الحكيم.. قد علمته الأيام استعمال الحيلة عند الخطر ولم يذهب جهده بالكد والعمل والتعلم هباء.. نشكرك أيها الحكيم على نصيحتك العظيمة القيمة في التصنت لحديث السباع قبل ورودها إلى أرضنا.. ها.. أيها الحراس هل تفقدتم كل الذئاب والأملاك؟
ذئب: نعم لايوجد خسائر سوى ذئب رمادي شاب وجهه أسود فقد هشمت السباع رأسه تحت الشجرة الكبيرة وأكلت قسما من جسده ولاندري اسمه فقد هجرنا منذ زمن ولم يعد يعترف بمملكتنا.
الرئيس: استقصوا الأمر وتحققوا منه ثم ادفنوه تحت الشجرة.. هل دافع عن المملكة أم أنه لم يسمع نداءنا بالاختباء وقتما عرفنا أن السباع لاتنوي احتلال المنطقة بل أرادت المرور من هنا في طريقها نحو الشمال.
ذئب: لاندري عنه شيئا!

مات الذئب الرمادي وذهب معه سره في سماعه: الأيام تعلم كل حي. نسي أن الأيام لاتعلم الكسول المتخاذل بل من يعاركها ويواجهها ويعركها مع من حوله.
 

 ===============================


لاتسأل الغريب

 
كانت سفينة فضاء غريبة تراقب الأرض في إحدى نزلاتها الروتينية عن قرب فرأى روادها عظمة الإنسان ومنشآته الكبيرة الجبارة وصروحه الدالة على استمرارية الأرض بالنمو والازدهار، ثم عرجت وهي في المسار خارج مجال العمران على بقعة جبلية فشاهد الرواد كبشين يتناطحان بقوة وعناد وعنف حتى قطر الدم من رأسيهما من ضربات القرون الشديدة المركزة. ثم شاهدوا رجلا يراقب الصراع عن كثب ومعه آلة تصوير حديثة وعجبوا لهذا الرجل الطفيلي الذي يراقب دون أن يتدخل في حل النزاع القائم بين هذين الكبشين. مضت نصف ساعة وهم يحومون ملتفين فوق هذه البقعة من الأرض، وإذا بأسد الجبال يظهر متهاديا من إحدى النواحي فهرب الكبشان دون تفكير واختبأ المصور مع آلته في خندقه وغطى نفسه بلوح من الخشب كي يختفي عن أنظار الأسد. اندهش الرواد وتعجبوا كل العجب من ضعف هذا الانسان الذي حسبوه جبارا صامدا لايهاب شيئا، وتعجبوا من هروب هذين الكبشين رغم القرون القوية الملفوفة التي كانا يملكان.. ولكن الرواد لم يروا مخالب الأسد وأسنانه الخفية وقت السلم ولم يطلعوا على حركته أثناء النزال.. ثم لم يعرفوا أن غرض الانسان المحافظة على توازن الطبيعة والبيئة في أواخر الأيام.. ولم يختبروا قوة أو ضعف الكباش أمام غيرها بل غرتهم شجاعتها وقوتها وقرونها الغليظة الملتفة في مقارعة الخطوب بين أمثالها من دون وجود الأسود الضارية.
 

 ================================


دروس الانقراض

وقف رجلان أمام قفص العصافير النادرة الصغيرة يتساءلان عن السر وراء انقراض تلك العصافير الوديعة من الطبيعة. وقد كانت رئاسة الحديقة وضعت لوحة إيضاحية إلى جانب القفص عليها اسم العصافير وإحصائيات عنها وعن عددها المحدود المهدد بالانقراض. قال الأول: في الحقيقة نحن البشر مازلنا نجهل الكثير عن أسرار الطبيعة وقوانينها. فرد عليه الثاني: هذا صحيح ولكن يوجد في الطبيعة دروس وعبر للإنسان على مر الأزمان. فسأله الأول: وكيف تأخذ العبرة من انقراض هذه الطيور؟ قال الثاني: إنها الأخلاق وليس القانون. استغرب الأول من الإجابة وأردف : لاأفهم القصد من كلامك.. ماعلاقة الأخلاق والقانون بهذا الأمر.. أراك تهذي! فرد الثاني: دعني أخبرك، عندي معلومات عن هذه الطيور وأسلوب حياتها في مجتمعاتها عندما كانت كثيرة، في كتاب علم المجتمع لأحد الباحثين في أمور المجتمع وعلاقاته أتى على هذه الأنواع من الطيور كمثال بعد أن حصل على معلومات عن هذه الطيور من أحد أصدقائه المهتمين بأمور الطبيعة والطيور. فقال الأول مقاطعا: دعنا من هذا الحديث فأمامنا الكثير من الحيوانات لنراها فهناك السنور العجيب وهناك آكل النمل بفمه المضحك في الطرف المقابل من الحديقة أريد أن أراه وأرى مجتمعات النمل الذكية كيف تحتال عليه وعلى لسانه اللزج الطويل.. فتعال. ولكن الرجل الثاني لم يرغب في ترك حديثه واستمر في كلامه عن الطيور وهو يتمشى مع صاحبه الذي لم يأبه لكلامه فقررت أن أنصت له وأسجل حديثه من خلال ذاكرتي عبر الزمن والمسافات. قال: كانت هذه العصافير تعيش في أجمة كبيرة جدا وكانت تسيطر على كل مافيها من زروع وحيوانات. على الرغم من وداعتها ومنظرها الجميل الخلاب وصغر حجمها استطاعت بدهائها وتنظيمها وحسن التدبير السيطرة على الأفاعي والطيور الكاسرة وشرعت القوانين للحيوانات المفترسة وغيرها من الحيوانات.. وأقامت بذلك نظاما معقدا في هيكله بسيطا في تطبيقه لمن يفهمه وأقامت عدالة لابأس بها سيطرت من خلالها على الموقف لسنوات وسنوات. ازدهرت المملكة وازهرت الحقول وفاض الحب وكبرت الأشجار والعصافير مستمتعة بمملكتها الكبيرة وسيطرتها ونظامها وحريتها. ولكن الأمر لم يخل من النواقص المدفونة، فقد جاءت القوانين خالية من الأخلاق وأسسها إلا ما خص الجرائم والاعتداء والأمن العام. لم ينتبه أحد للأمر رغم تفشي الأمراض الاجتماعية التي لم تكن ذات تأثير سلبي واضح على مقومات الازدهار والتقدم في أسس الحياة العملية. وعلى هذا الأساس كان خوف كل فرد من المملكة قائما على أساس الخوف من القانون والعقاب وليس على أساس عرف أو أخلاق. تفشت مع الزمن الأنانية والفردية والمادية بالإضافة إلى الخروج عن القانون في غياب الرقابة الاجتماعية. وبعد الزهو والازدهار والقيام بمملكة مترامية الأطراف أخذ عدد العصافير بالتناقص من تفشي الأمراض الاجتماعية بين الأفراد والجماعات. وعلى الرغم من الأبحاث التي أخذوا بإجرائها فإن التفشي كان أسرع من السيطرة عليه فصغر حجمهم وقل عددهم وتكسرت أجنحتهم ولكنهم ظلوا يعتقدون أن سيادة القانون هي فوق كل شيء، وتحجروا بآرائهم وعملوا على إبرام قوانين جديدة متعلقة بالأمراض الاجتماعية وغيرها لردع الأنانية والمادية عن طريق المحاكم والمحاكمات. بدأوا في تطبيق الوسائل العلاجية المعتمدة على المعطيات المادية المجردة عن الأخلاق والسلوك الفردي المستمد من التطوير الروحي والمخافة العقيدية. عاد الازدهار لهم على شكل نبضات مالبثت أن ضعفت وتقهقرت فبات الوضع قلقا على الأجمة وسيادتها حين رفعت الحيوانات الأخرى رؤوسها لتنقض على هذه السيادة وتمتلكها. عقد رئيس العصافير جلسة مطولة مع المجلس وبدأ كلامه عن ضرورة الأخلاق في استمرار السيادة وأخبرهم بخطورة الوضع وعليهم استرداد السيادة باستيراد جرعة من الأخلاق من خلف الحرش الغربي مهما كان الثمن. وافق المجلس على الأمر بأكثرية ساحقة وأرسلوا بطلب لاستيراد جرعة الأخلاق. وصلت الجرعة فكونوا فريقا للقيام برشها فوق  المملكة لتختلط مع الهواء ويستنشقها الجميع. فرحوا بالنتائج حين راوا عودة الأجنحة إلى النمو السليم وبدء اختفاء الأمراض الاجتماعية. ومرت أعوام وزالت جرعة الأخلاق من الهواء ففسدت النفوس من جديد ولم تصل الأخلاق إلى الأجيال القادمة الجديدة لأنها لم تكن أصلية بل كانت مستعارة. وتعقد النظام من جديد وكثرت القوانين المادية المجردة فكان لابد من فرض حصار قسري على العصافير المدمنين على القانون فقط بشكله الظاهر وأسسه الموضوعة في أهداف تخدم صالحهم كما رأوه من زاوية واحدة. ثم أرسل بطلب استيراد جرعة أخرى كبيرة من الأخلاق ولكن الحرش الغربي كان قد تفتت ونفذت مخازنه من الجرعات التي بقيت مكتوبة على لحاء الشجر دون قيمة لأنه لم يستخدمها بل باعها فقط. حزنت العصافير الوديعة حزنا شديدا وشرعت بوداع ازدهارها وندمت على أفعالها وعدم زج الأخلاق في القوانين أو في النفوس بمحاذاة القانون، وندمت أيضا على معاملة الحيوانات الأخرى بأنهم من الدرجة الثانية.. وحل وقت الانقراض رويدا رويدا ثم أخذ بالاسراع حتى بقي منهم القليل كعبرة للأنام والحيوانات.. ولكن ياصديقي الذي تراقب آكل النمل فقد ماتت العبرة مع الأسف في النفوس على مر الايام وضاعت في متاهات الزمن حتى أنك لاتراها إلا في الكتب مسطرة بحبر لاتؤتي أكلها.. أما عالم الاجتماع هذا فقد مات منذ زمن بعيد ولم يكن له أهمية تذكر في قاموس الانسانية. نظر إليه الرجل الأول وقال: أنظر، إن آكل النمل هذا حيوان شيق جدا وغريب يبعث في النفس شعور الغباء.. أليس كذلك؟ فرد الثاني وهو يهز رأسه علامة الأسى: معك حق. ثم راح الاثنان يضحكان من فمه الطويل الممدود على الأيام.
 

 ====================


ضعف فنجا

 

روَّض حطاب حمار الوحش بعد جهد جهيد وعناء طويل ولكن حمار الوحش ظل يكره حمل الأحطاب لأنها تكبح جماحه وحريته التي تعود عليها منذ نعومة حوافره. لم يجد الحطاب بدا من ترويض حمار الوحش لأن الحمير نفذت من السوق وأصبح ثمنها باهظا جدا. وكان الحطاب يحمل حطبه على حمار الوحش عند كل مغيب من الغابة ويسوقه إلى دكانه الصغير في طرف القرية النائية. ثم يتركه يرعى الأعشاب حول منزله داخل السور. أصبح حمار الوحش بطيء الحركة كسولا لايقدر على الركض السريع. في إحدى الليالي جاءت مجموعة من الكلاب البرية الفتية القوية والجائعة إلى أطراف القرية تبحث عن صيد يملأ البطون الخاوية. رأت حمار الوحش داخل السور يرعى فعرفوا شأنه وتفاجأ هو بهم فحل عليه الخوف دفعة واحدة جمده في مكانه.. ثم سمعهم يتشاورون ويبدون آراءهم بشأنه. قال أحدهم: إنه ليس بحمار الوحش بعد اليوم إنه حمار عادي. انزعج من الكلام لتمثيله بالحمار ولكنه لم يحرك ساكنا. واستمر الكلب البري في كلامه: إنه يساعد الحطاب في حمل الحطب من الغابة ولايستطيع الركض والحركة السريعة لذلك فإنه لايشكل تحديا لقوتنا الجبارة في المطاردة والنيل منه. فتركوه إلى غزال يركض بسرعة البرق فالتفوا مجتمعين عليه وأغمدوا أنيابهم في رقبته ومزقوه شر ممزق فأكلوه وعادوا أدراجهم مختفين بين أشجار الغابة في الظلام. حصل كل ذلك على مرأى ومسمع حمار الوحش الثابت في مكانه من الخوف والهلع، فرضخ للأمر الواقع وصار وفيا للحطاب صاحبه وصديقه.
 

 ======================


نهاية واحدة

 
في حديقة الحيوانات الضخمة وضعت رئاسة الحديقة مملكتين واحدة تضم مجموعة من القرود الخضر والأخرى تضم مجموعة من القرود الحمر وتركت بينهما بابا صغيرا. مضت السنون وتكاثرت القرود في المملكتين وعنيت كل مملكة بشؤونها بشكل مستقل عن الأخرى. ثم بات الوضع خطيرا عندما قامت المملكتان كل واحدة تهدد الأخرى لأسباب غير حيوانية من الطمع والاستغلال والاستبداد. كبرت مملكة القرود الخضر وتوسعت آفاقها وتحكمت في السيطرة الجديرة على شؤونها، وأخفقت مملكة القرود الحمر وأخذت أوصالها بالتفكك وتاهت حتى عن جمع محاصيلها لنفسها فضاعت في متاهات الزمان الزاحف نحوها. طلبت المساعدة من المسؤولين عن الحديقة فجاء الجواب عن طريق الحراس بأن الشأن شأنها وإذا شاءت فعليها الاستعانة بالقرود الخضر الأقوياء. رغم النزاع فقد أرسلت مملكة القرود الحمر مندوبين عنها من الحكماء إلى المملكة المجاورة لطلب العون عبر الباب الصغير بينهما والذي لم يأبه به أحد من قبل. بعد عدة مفاوضات قرر القرود الخضر المساعدة ففرح القرود الحمر وعادوا إلى مملكتهم مبشرين. كانت هذه خطوة مثمرة بالنسبة لهم ولكن بعد مرور بعض السنين تشتتوا من جديد وتحولوا إلى ممالك صغيرة متفرقة تتصارع فيما بينها وحلت الويلات بالجميع.. وقد توقفت مساعدات القرود الخضر الذين مازالوا أقوياء فحل بالقرود الحمر الخسران المبين.

أما عن القرود الخضر فقد عرف عنهم أنهم ساعدوا جيرانهم في أول الأمر لأهداف تخدم مصالحهم وحياتهم وكيانهم عندما علم زعيمهم بأن المسؤولين عن الحديقة كانوا سيحولون مملكتي القرود إلى مقبرة أهلية إذا فشلت القرود في تحقيق العيش الرغيد. وماإن عرف زعيم القرود الخضر بأن المسؤولين عدلوا عن القرار حتى أوقف المساعدات وضرب بعرض الحائط الأهداف الحيوانية وحنث باتفاق مملكته مع مملكة القرود الحمر الضعيفة، ثم قام بسد الباب بينهم وبين جيرانهم من الممالك المتفرقة الحمراء المهلهلة.

مضت سنتان والقرود الخضر مستمرون في الازدهار والتعجرف والفوقية والاستغلال، والقرود الحمر من سيء إلى أسوأ في النزاعات والويلات والحروب.. إلى أن جاءت الجرافات وانقضت على جميع الممالك من خضر وحمر وانتهت الأسطورة وتهدم القوي والضعيف تحت آلة هدم واحدة.
 

 ========================


للحيوان إله

 
ذهب رجل إلى حديقة الحيوان لأول مرة في حياته وكان من المكذبين الضالين، وعندما رأى الحيوانات المختلفة أصنافها منها الجميل ومنها الغريب ومنها الطيور الفاتنة ومنها القبيحة والكاسرة والزواحف الجافة واللزجة الرطبة والحيوانات الصحراوية المذهلة والبرية العجيبة الكاسرة والوديعة والحيوانات البحرية العجيبة المختلفة والحشرات المتنوعة أسرت قلبه وأذهلت لبه وحركت أحاسيس غريبة لديه فقرر في نفسه أن هناك مدبر والتفت نحو زوجته قائلا: إن للحيوان إله ومدبر فتعالي نقرأ عن هذه الحيوانات ونراقب وظائفها وسلوكها وأساليب حياتها وفطرتها. فرحت الزوجة فرحا شديدا لكلامه وقالت: آن للقلب أن يخفق وللجوارح أن تتعرف إلى بارئها فولله كدت أن أقطع الأمل من هدايتك إلى الاعتراف بالخالق يازوجي العزيز. ثم راحا يستطلعان أمور هذه المملكة الحيوانية ويقرآن اللوحات الموضوعة إلى جانب الأقفاص بغية معرفة أسماء الحيوانات ونبذة عن حياتها وسلوكها حتى انتهى النهار فكان فرح الزوجة أشد فرح في عودة زوجها إلى قفص اليقين بعد عمر من الجحود والإنكار.

عند المساء وبين جدران من الاسمنت المسلح في الدور التاسع من المبنى المطل على أكبر ساحات المدينة سألت الزوجة زوجها عن عودته إلى الصواب وهنأته ثانية بمعرفته الجديدة لخالقه فأدار رأسه نحوها وقال بلهجة تهكمية: أي خالق.. أنا وليد الزمان في هذا الكون وهذه الطبيعة. اندهشت وتعجبت وخاب أملها حين قالت: وماذا عن حديقة الحيوان وماجرى فيها من كلام وأفعال طيلة اليوم؟ قال لها وهو يبتسم: ياحبيبتي لقد عرفت أن للحيوان إله وأعتقد أنك تدركين ذلك جيدا، وأعترف لك أن الحيوانات تستحق أن يكون لها مدبر وهي تتطلب واحدا وهي لاتعرف الجدال أو الشر إلا لما خلقت له وبمعايير واضحة من أجل الاستمرار والبقاء والتوازن.. أما الإنسان فهو صرح دنيوي طبيعي عقلاني ولايدخل في نطاق تلك القوة العظمى كما تعتقدين.. ماذا ترين؟ أين الخير وأين الأرواح الطيبة التي تفي بالغرض من أجل الاستمرار المتوازن؟ العالم مليء بالنزعات الشريرة والخبيثة والمصالح المصطنعة والأهداف العدوانية القائمة على العجرفة والغطرسة المزيفة.. وإن كان إلى بقاء أو زوال فذلك لايهمني لأنني حين أرحل لاأدري عنه شيئا بمايهمني في شيء. ظهرت على وجه الزوجة إمارات التعجب وهي تنصت إلى كلامه الأجوف المستمد من أنانية واضحة لها، ثم نظرت حولها حتى وقع نظرها على النافذة المطلة على ساحة المدينة المضيئة في ذلك المساء، ثم ألقت بنظرها إلى الأعلى لترى النجوم في السماء وتتجلى لها هيبة الخالق الجبار في كل أرجاء الكون، ثم عادت بنظرها نحو زوجها وهي مشفقة عليه متمنية انسلال الحقيقة إلى قلبه المتصلد المغلف بالجحود والأنانية، ثم قرأت: وفي أنفسكم أفلا تبصرون. وأردفت: هداك الله إلى اليقين. وقعت كلمة (أنفسكم) على مسمعه وأراد أن يمر عليها مرورا سريعا عارضا أو يتناساها ولكن قوة خفية داخله أقحمته على التمعن بهذه الكلمة حتى أقلقته طيلة الليل.