من الضحيـــة

PDFطباعةإرسال إلى صديق

فهرس المقال
من الضحيـــة
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
كل الصفحات

ريــان الشــققي

من الضحيـة ؟

قصـة مهاجر وعائلته ………
طغى الزمان وطغوا …………
وفي كل زمان ضحيـة ………

 

 


إهداء ……


إلى المهاجرين
 

خرج قاصداً وجه السـماء بجسده وقلبه وعقله مترنماً بأغنية الشفق الحزينة، تلك الأغنية التي سمعها وهو صغير عندما شاهد مسلسلاً تلفزيونياً عن هجرة الأحباب ولاقى من العذاب مثلما لاقى الممثلـون الذين حازوا على جوائز قيمة من هذا المسلسل، كانت الأغنية راقدة في عقله الباطن حتى حان الوقت وتفجرت عندما مسحت أمـه دمعة من على خده الأيسر في مطار السراب الحقيقي .. 
ترك وراءه ذكريات عن ثقافة في وطن وتراب وأهل وأحبة، أحس بقاطرات القطار الصغير تتحرك على أرض المطار وكأنها تريد الإقلاع عن الأرض لتوها متوجهة إلى المجهول من عالم الإنس فقرأ المعوذات كي يطمئن قلبه حتى وصلت القاطرات مجاورة سلم الطائرة في ساحة كبيرة وصعد الركاب إلى الطائرة منهم السعيد بالسفر ومنهم الحزين للفراق ومنهم الخائف المتظاهر برباطة الجأش ومنهم المغتبط في بداية رحلة إلى عالم جديد وتجارب مثمرة.
بدا توفيق حزيناً غاطساً في تفكير سحيق فمهما ستكون تجاربه مثمرة في العالم الجديد فلا يمكن تعويض ما يخسره، هذا ما يشغل تفكيره وهو في طريقه للصعود إلى تلك الطائرة.. يا الله إنها ضخمة بأربعة محركات نفاثة، أعجب كم ستكون مدة الرحلة.
تطلع إلى الوراء فرأى غيوماً متلبدة تغطي الأراضي من حوله ورأى كذلك طيوراً قبيحة تنظر إليه بعيون جامدة ثاقبة فأسرع إلى الطائرة ولدى دخوله واستقبال المضيفة له طلب كوباً من الماء ثم نظر من النافذة فإذا بالضباب يتشكل بأشكال مختلفة وخُيل له الضباب على شكل القيم والتقاليد وهى بمنظرها البالي تقترب من الطائرة تريد أن تبتلعها فهب من مقعده واقفاً وصاح بربان الطائرة أن يقلع على الفور وإلا هلكوا …… تصور أن الناس ينظرون من حوله إليه في تعجب ويهزون رؤوسهم وبعضهم يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويضحك آخرون …
خجل توفيق من نفسه بعدما أفاق من كلامه وأخذ ينظر مبتسماً إلى الركاب وكأنه قال نكتة تستحق أن يضحك الناس لها … وكان كلما غطس في تفكيره كانت له أحلام يقظة يرى فيها أشياء غير معقولة تهجم على الطائرة تريد اقتناصها، حاول أن يبقى مشغولاً خلال تلك الساعات الثلاث التي مضت والطائرة جاثية على المدرج تنتظر دورها في الإقلاع،  قبطان الطائرة يعتذر للركاب بين الحين والآخر على هذا التأخير الذي سببه عطل طارئ في برج المراقبة، وتوفيق يهرع ليستعيد صوابه عند كل نداء للقبطان .. ومن الأشياء التي رآها توفيق في أحلام اليقظة خلال فترة الانتظار للإقلاع وحشاً له ثلاثة قرون مدببة ولسان طويل وعريض ذي حليمات لسانية كبيرة دون إحساس ذوقي، أما القرون فواحد يمثل الماضي القريب مع الآلام والثاني يمثل الهموم الاقتصادية والاجتماعية والثالث يمثل الحب الآسن في قلوب البشر والحقد المستفحل في عقول الآدميين، وكان اللسان بمثابة الأحاسيس الإنسانية الممتدة عبر الأفق والمعدومة الذوق والشعور فظهرت على شكل حيوان قبيح هجم على توفيق وطائرته في منتصف النهار خلال الضباب والطيور البشعة الهادئة المراقبة.
رغم أحلام اليقظة المرعبة التي انتابت توفيق فإنه أخذ يقبل الهواء عند إقلاع الطائرة، ورغم فساد ذلك الهواء وجده ذا طعم مميز يستطيع الإنسان أن يعتاد عليه مع أحبابه وأهله. شكر القدر على أن منحه تلك الفرصة ولكن شكره كان حزيناً حيث قال في قرارة نفسه: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. اطمأن قلبه قليلاً بعد مضي الطائرة في طريقها الطويل ولم ينساه بعض الخوف من حركات الطائرة خلال الجيوب الهوائية والمطبات الجوية والاهتزازات.
لقد عرف توفيق أنه ذاهب إلى انعدام الوزن الأخلاقي فأكد على نفسه أن يخترع أسلوباً جديداً في حياته فيأخذ بما هو حسن ويحافظ عليه ويترك الفاسد، ذهب عقله بعيداً في دروب الزمن المقبل يبحث عن أضواء من الماضي تضيءُ أمامه درب المستقبل الشاق، وغرق في أحلامه ثم نام على كتف شابة بجانبه دون أن يشعر ونامت هي على رأسه وبدأت أحلام السراب في عقول فارغة خيالية.