ضاعت الأحلام

PDFطباعةإرسال إلى صديق

فهرس المقال
ضاعت الأحلام
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
كل الصفحات

  ريـان الشـقـقي

 أخذ
من الزمان
قرابة  يوم
في رحيله نحو الغروب..
دار الزمان واقتطف منه قرابة عمر

 


 

 


من مكتب صغير مسجل لبيع وشراء السيارات المستعملة في مقاطعة أورانج من ولاية كاليفورنيا الأمريكية ركب معي شاب عربي في سيارتي الأولدزموبيل، وخلال شوارع عريضة وجميلة ومنسقة تزدحم فيها السيارات توجهنا إلى سوق السيارات المستعملة ( المزاد الكبير ) في تلك المنطقة من جنوب كاليفورنيا. حدث ذلك في أواسط عام 1993. كان الجو رائعا كما هو عليه أغلب أيام السنة، فمنطقة أورانج كمنطقة لوس آنجلس المجاورة تتمتع بجو معتدل مناسب مع تمييز في الفصول. خضرة وافرة تروق للعين ممتزجة مع تقلبات النفوس وحرارة متوسطة يرتاح لها الجسد دون انفعال.  صيف خفيف الحرارة  وشتاء قليل البرودة واعتدالان من أروع الفصول. فربيع  المنطقة هو ماتصبو إليه النفوس من جو أخاذ وجمال خلاب، وماتشتهيه الروح التواقة للانفلات تحت سماء شفيفة صافية عند مياه مشعشعة، وفيه بما يتمنى الإنسان أن يهتدي إلى ضالته المنشودة في غلبة الأهواء وانفعالات الطبيعة الهادئة. ولولا الازدحام الشديد والحياة العصرية السريعة المرهقة لاتسمت المنطقة بآيات من الجمال الفائض والكمال المعيشي.

رغبت آنذاك في شراء سيارة كاديلاك من المزاد فهو أرخص من مكاتب بيع السيارات والوكالات المنتشرة. دلني أحد أصدقائي إلى ذلك المكتب للحصول على ترخيص للدخول إلى المزاد.

صاحب المكتب شاب مصري اسمه عادل ذو نظرة بدا عليها الطيب وقليل من النعاس ذو قامة معتدلة أسود الشعر وعلى وجهه علامة قطب في جبهته وخده الأيمن من آثارجرح عميق حديث العهد وحول عنقه رباط قديم . كان يعمل معه ذلك الشاب العربي وهو متوسط القامة متواضع الثياب وفي يده لفافة مالبورو. بعد حديث قصير في سيارتي مع الشاب عن السيارات وعن رغبتي فيما أريد شراءه وصلنا إلى المزاد . تركنا السيارة في الخارج وقطعنا شارعا عريضا مشيا على الأقدام وخلال ذلك عرفت أن اسم ذلك الشاب هو حسام.

دخلنا إلى المزاد فوجدنا أرتالا من السيارات المستعملة بكافة أصنافها المحلية والعالمية منتظرة دورها للدخول إلى قاعات المزاد حيث المنصات والميكروفونات والسماعات والضجيج وصياح الناس. حسبت نفسي آنذاك في سوق تداول الأسهم (وول ستريت) في قلب نيويورك. هناك ست حارات تحاذي بعضها في بناء كأنه مستودع كبير، تدخل إلى كل حارة أرتال السيارات للعرض على العملاء. بيعت السيارات بشكل سريع ملفت للنظر وقليل منها مضى دون أن يباع ليدور من جديد عائدا إلى خلف الأرتال المصفوفة منتظرة دورها.

تركني حسام أرتع وأتجول بين صفوف السيارات المنتظرة متجها إلى هدفه المراد في مناظرة السيارات الداخلة إلى حارات المزاد. أخذت أعاين الصفوف مختارا ما يناسبني من السيارات. بعد أن وضعت اختيارا مبدئيا على عدد من سيارات الكاديلاك ودونت أرقامها على ورقة كانت معي رجعت إلى حارات المزاد أتوقع قدومها للعرض. في تلك الأثناء تابع حسام عمله، ثم بين حين وآخر أتى إلي حيث كنت ومعه بعض العملاء أو الزملاء العرب معرفني إليهم. منهم من كان مهذبا وغيره مغرورا وآخر ذا ظل ثقيل.

كانت تلك المهنة لأنموذج من الشباب العرب من الذين طرقوا أبواب أمريكا ولم تتوفر لهم الظروف المناسبة للدراسة إما أنهم لم يكونوا أكفاء لها أو أن ظروفهم المادية اضطرتهم بالأعمال الحرة دون خلفية دراسية متميزة. بعضهم بات تائها في زحمة البلاد وغيرهم متمسكا بانتمائه الأصلي دون جهود مثمرة ومنهم من بدا وكأنه يلعن الساعة التي حط فيها قدما في بلاد الأحلام.

 جرت في ذلك الصباح بعض الأحاديث، قال أحدهم : (ياأخي العرب لايتآزرون00 كل واحد تراه يكره الآخر يترصد له ولا يتمنى له الخير00 ذهبت منذ أيام عدة إلى زميل حسبته صديقا لأطلب منه عددا من سيارات شيفروليه مستعملة من أجل تصديرها إلى الخليج فباعني ست سيارات أربع منها استعملت من قبل الشرطة وقد أصلحت بعد إصابتها بحوادث. لم يذكر لي شيئا عنها رغم سؤالي إلى أن اشتريتها وكانت تلك ورطة ، فلا أستطيع ردها لتعنته ولا أستطيع شحنها إلى جدة بسعر يناسبني.) قال آخر: (الحمد لله أنا خبير بهذه الأمور فلا أشتري إلا بعد فحص وتدقيق 00الأمر لايخلو من الخداع والتلاعب خصوصا مع العرب. طالما حاول التجار العرب خداعي في البداية ولكن بعد أربع سنوات من التعامل معهم في هذه المهنة خبرتهم وعرفت أساليبهم، لذلك تراني حذرا.) قال ثالث: (كله على العرب ! ألستم عربا تتعاملون بالسيارات مثلهم؟) أضاف الأول: (التعامل مع الأمريكان أفضل، على الأقل يحترمون الزبون أو العميل.) أردف حسام: (كله مظاهر.) قال الآخر: (يارجل الأمريكان يأكلون لحم أبيهم إن فسح لهم المجال، كل واحد منهم يبدو مهذبا ومؤدبا ولكن عند مصلحته مثل الحوت. أنا جربتهم وعينك ترى الفضائح، الحياة هنا غابة ولا يصل إلى سلم النجاح إلا من اتخذ الأساليب الملتوية سبيلا.) قال حسام: (كلهم خبثاء.. فتجارة السيارات المستعملة هنا مستنقع عميق ووسخ قد ترى طافيا على وجهه نباتات وأقاحي ، أما في داخله فهناك عقارب وأفاعي .. غرائب وعجائب ، لست أدري ماهذا القدر الذي أدخلنا إلى هذه المهنة التعيسة.. إنها لا تستحق كل هذا التعب.) ثم نظر باتجاهي وأعقب قائلا : (اليوم صباحا قبل مجيئك اتصل بنا أحد التجار من باسادينا وأخبرنا عن صفقة كبيرة من السيارات القادمة إليه من بقايا مزاد فينيكس. أراد تصريف قسم منها في أورانج فعرض علينا شراء بعضها. إتصل عادل على الفور بصديق سائلا إياه عن ذلك التاجر حيث سبق وأن تعامل معه فأخبره صديقه أن ذلك التاجر محتال ونصاب يخدع كل واحد في سبيل مصلحته وخدمة جيبه وبعمل بطرق غير قانونية مورطا زبائنه وعملاءه، فعدلنا عن التعامل معه00 لذلك مع من نتعامل ياترى؟)

وهكذا التقى حسام مع آخرين من زملائه في المهنة حيث عرفني إلى بعضهم. جرت بعض الأحاديث السريعة والعرضية مما لايسمن ولايغني من جوع أكثرها دار حول السيارات  وحول الوطن والعرب. لم يكن أحد منهم راض بواقعه لا في المهجر ولا في موطنه الأصلي. تعرض بعضهم إلى جمال الوطن والنخوة العربية والتكاتف وفي نفس الوقت بدا أكثرهم أبعد مايكون عن ذلك في خضم العمل وتحصيل القوت.

هناك ذهبت أفكاري إلى أصحاب أدب المهجر خلال مراحل حرجة من تاريخ بلادهم. هؤلاء الذين مابرحوا يتغنون بحضارة وجمال أوطانهم وحبهم لها من خلف المحيطات غير راضين عما يجري فيها من الآلام وضيق الأحلام وصفقة العادات البالية والأوهام حسب زعم بعضهم. لقد نسوا أنهم قد يكونوا مندحرين بسبب هروبهم من واقعهم والفرار من المواجهة الحقيقية، ولكن ليس للأمل حدود عند بعض الناس.

من وقت لآخر كانت تمر سيارة كاديلاك كنت قد اخترتها لوضع سعر لها في المزاد. لم يحالفني الحظ فجميع السيارات التي وقعت عليها كانت تباع بأكثر مما كنت أتصور أو أكثر مما كان في جيبي من الدولارات . كنت في كل مرة أنسحب من المزاد خائبا متمنيا نجاح المحاولة التالية. كان الخوف يعتريني كلما رفعت فيه السعر مخافة التورط في سياره تحتاج إلى تصليحات إضافية كثيرة لأن المزاد هكذا فمن الممكن للمتقدم معاينة السيارة وهي واقفة أثناء فترة عرضها دون الحصول على فرصة لقيادتها أو فحصها فحصا شاملا. ناديت حساما لإبداء الرأي فيما عرض علي من السيارات حين افتتاح المزاد عليها.

لّمّا كان للجوع مكان في نفسي عندما قاربت الساعة الثانية والنصف بعد الظهر لم أستطع تكملة المشوار في جلبة الناس ودخان السيارات من غير طعام يقيم صلبي. فتشت عن حسام وذهبنا معا إلى زاوية لبيع الطعام والشراب ضمن مرافق المزاد. جلسنا على رصيف من الخرسانة ومعنا سندويش (همبرغر) وشرائح من البطاطا المقلية وكولا وزجاجة (كتشأب). هممنا بالطعام. دون مقدمات تذكر شرع حسام بالكلام عن أمريكا وقدومه إليها وحياته التعيسة والشقاء الذي يغمره من البعد عن الأهل والوطن بالاضافة إلى أحلامه الواسعة التي ضمرت تحت ثقل حظه القليل ووضعه الصحي. كان يتكلم ويمضغ الطعام في وقت واحد يرمقني خلالها بنظرات سريعة من خلف نظارات شمسية داكنة رخيصة. لقد أثقل كاهله العمل والتفكير. إسمرت بشرته بعد العناء وبدا متعبا بشدة من استنشاق الدخان في حارات المزاد.

 كان حسام يمد جسمه ليصل إلى زجاجة (الكتشأب) من خلفي فأعطيه إياها ثم آخذها ثانية. بدا منهمكا بالطعام كأنه فرض أراد الخلاص منه ، ثم كان يسبح في خياله قليلا وخلال ومضات يعود إلى الكلام وكأنه رحل على براق له ليسرق أفكارا من مخزونها في مستودع ذاكرته. ظهر كلامه مراوغا كأنما يحاول إقناع نفسه، هو نادم حيال مافعله لكنه لم يجد حتى الآن مبررا لما يقوم به. شعرت في لحظات معينة أنه لم يهتم فيما يقال له من تعدد مقاطعته لحديثي للاستمرار في قصصه عن نفسه وعن بني قومه وعن وجوده في أمريكا وتجاربه المريرة في الحصول على الإقامة. فمرة نبذ فكرة ذلك البعد من أصلها لتناقضها مع مبادئه وأسلوب تفكيره العفوي كما زعم ثم عاد ليجيد تبرير مواقفه وصنيعه أمام نفسه. ترعرعت التناقضات في حديثه فكاد الكلام يخاصم بعضه حتى نهاية الطعام ثم تعاطي الدخان. لقد بدا وكأنه سلى نفسه وعللها أكثر مما أراد تسليتي أو إفهامي. لم أكن أدري إن كان قد قص قصصه على غيري أو أنه سيقصها على من سيأتي بعدي.

عدنا إلى حارات المزاد لمعاينة المزيد من السيارات التي ماانقطعت عن الدخول إليها. بقي في ورقتي أرقام ثلاث سيارات غير مشطوبة. رغبت أن لاتكون تلك السيارات قد مرت أثناء غيابي لغرض الأكل. في فترات الإنتظار سرحت في أحاديث حسام تفاصيلها وتناقضاتها وحياته في البلاد القريبة والبعيدة.

لقد أوشك النهار على الانتهاء. أغلقت أبواب المزاد ولم أحصل على سيارة الكاديلاك التي ركبت أطيافها مخيلتي. تركت حسام على باب المزاد حيث ركب مع  أحد زملائه ليوصله وحملت نفسي في سيارتي آفلا باتجاه الشمال إلى مكان سكني في مدينة الهامبرا على بعد عشرة أميال إلى الشرق من لوس آنجلس.