أهواء ودموع

PDFطباعةإرسال إلى صديق

فهرس المقال
أهواء ودموع
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
كل الصفحات

 ريان عبدالرزاق الشققي

 كان يستعد للخروج من المخزن الكبير وهو ينظر إلى ساعته متلهفا وفي داخله أشياء تثب من الفرحة الغامضة المصحوبة بالوجل. دعاه رئيسه من أجل أن  يساعده في حمل صناديق وصلت لتوها على منصة استقبال البضائع، تردد هنيهة ثم نظر إلى الصناديق فرآها قليلة، حملها معه بسرعة وحيوية رغم تعبه في اللحظات الأخيرة من عمله ذلك اليوم، ثم ركض باتجاه الباب الخلفي وتوجه نحو الأبواب الأمامية للسوق..
الجو مغبر مائل إلى الحمرة، والليل على وشك اللقاء بالنهار الزاحف إلى الفناء. لم تكن تينا كاربنتر قد خرجت. كان خائفا من أن تخذله بأن تصطنع الأعذار ولايعرف كيف يرد عليها. أجاب نفسه: لا أظن ذلك فعندها من الحرية والجرأة بما فيه الكفاية في أن تبوح عما في نفسها وقد قالت نعم فلماذا التردد والخوف. نظر حوله ثم اتجه إلى سيارته. استقلها وأتى بها نحو الأبواب الرئيسية. رأى تينا خارجة وهي تتلفت حولها فأطلق منبه السيارة. ألقت بنظرها نحوه وتبسمت ثم سارت باتجاهه وفي يدها محفظة صغيرة وفي اليد الأخرى قطعة ملابس حمراء داكنة تلبسها أثناء العمل. بدت له وكأن فتنة كل بنات حواء قد اجتمعت في نظرتها الهادئة الثاقبة ومشيتها الدؤوب. انتعشت روحه قليلا ونظر في المرآة أمامه إلى شعره ووجهه ليطمئن على جاهزيته. ركبت معه وذهبا إلى مطعم قريب. أكلا وتحدثا، طغى العمل وشؤونه على معظم الحديث، ثم عاد بها إلى مكان العمل حيث استقلت سيارتها وغابت عن الأنظار في زحام تلك الأمسية الحمراء..
.. لم يرجع إلى المنزل، بقي يقود سيارته في شوارع حي هوليوود شاعرا بالارتياح فقد تخطى تلك المرحلة الأولى التي أرقته لأسابيع حين حسب نفسه أنه لن يفعلها وكاد أن يتملكه اليقين بأنها لن تستجيب له..
انسل ليل جديد إلى الوجود، وشارف الوقت على السابعة والنصف عندما قرر أن يعود إلى منزله. دخل إلى المنزل وقد بدا عليه التعب والإرهاق. حيا زوجته ببرودة ثم قال:
- العمل في هذه الحياة لاينتهي.
 كانت زوجته في طريقها لإلقاء اللوم عليه بسبب التأخير، ولكنها قالت:
- كنت قلقة عليك، ألم تستطع مكالمتي بالهاتف؟
- كنا مشغولين جدا في المستودع فقد تأخر مجيء شحنة الفواكه اليوم واضطررت إلى البقاء حتى انتهى تفريغها، سأطالب بأجر إضافي.
- الطعام جاهز وقد قمت بتسخينه ثلاث مرات. أسرعت في تحضيره كي لا تتهمني بالكسل كعادتك.
- أنا لاأتهمك بالكسل ياحبيبتي ولكن أحيانا أكون جائعا جدا وأشعر أنك لاتقدرين ذلك.
-  أنا أيضا أعود إلى المنزل في الخامسة والنصف، ونصف ساعة أوساعة لاتكفي كي أطبخ لك ملوخية بالأرانب.
- أنا شاكر لك  اهتمامك المفاجئ. لنأكل!
- كلامك أصبح ملغوما بأشياء لاأفهمها.
- ها..ها.. لاأعني ذلك أبدا.
- كل وأنت ساكت ومن دون فلسفة.
.....
انتهيا من الطعام. لم يأكل طارق كعادته في الأكل، اكتفى بالقليل من الطعام. حسبت هيلين زوجته أن الأكل لم يعجبه، فسكتت. ذهب إلى غرفة النوم وتمدد على السرير ثم راح في إغفاءة. دارت في عقلها أفكار كثيرة فهو لم يتكرم عليها بلمسة أو كلمة حلوة. انزعجت وقلقت ثم حاولت أن تعذره فقد ظهر عليه الإعياء حقا. فرغت من غسل الأطباق واستلقت إلى جانبه، ذهب تفكيرها إلى تلك الأحلام التي بنتها معه عن الحياة والانطلاق نحو مستقبل متوج بالنجاح الباهر في ظل الحب الكبير والعاطفة الزاخرة التي جمعت بينهما. بعد نصف ساعة أيقظته من النوم:
- كفاك نوما ستصاب بالأرق ليلا.
امتعض ، قال وهو يدس رأسه تحت الوسادة:
- كم الساعة؟
- الثامنة والنصف. استيقظ وإلا صببت عليك ماء.
- أتحداك إن كنت تجرؤين!
....
لقد اعتاد طارق مؤخرا على النوم ساعة أو ساعتين بعد قدومه من العمل ثم يصحو ليبقى في صحو حتى الثالثة صباحا ثم ينام ويصحو ليذهب إلى عمله في الصباح مترنحا كسولا. لم يرق ذلك لهيلين فهي لاتنام بعد قدومها من العمل ثم تذهب للنوم حوالي الحادية عشرة أو الثانية عشرة وطارق إما في الخارج مع أصدقائه أو يشاهد التلفزيون في الحجرة المجاورة. أنبته كثيرا على عادته تلك وأخبرته أن أيام الجامعة قد مضت وعنده الآن مسؤولية.. الحياة والمعاش.
...استيقظ طارق تلك الأمسية ثم ترك هيلين في المنزل وذهب لزيارة صديقه سعيد المولوي..
.. انحدر في شارع ويسترن بالقرب من شارع هوليوود، المحلات التجارية والسيارات والأضواء في كل مكان، لم يجلب شيء انتباهه وهو يفكر بأمر زوجته.. بل يفكر بحياته معها، بعد سبعة دقائق كان يصعد السلالم الحديدية المؤدية إلى ممر طويل وضيق يطل على موقف للسيارات، مشى فيه إلى شقة سعيد.. كان سعيد يرتب أشرطة الفيديو التي قام بتسجيلها خلال الأيام القليلة الماضية فقد كان يستأجر الأشرطة من المحلات العربية في المنطقة ويقوم بتسجيلها ويؤجرها بدوره إلى أصدقائه بعد مشاهدتها. تحادث طارق وسعيد عن شركة سعيد التجارية(آر إس إتش إنترناشيونال) التي حصل على ترخيص لها من مكتب تابع للولاية مقابل رسوم قدرها مئتان من الدولارات، أعرب سعيد عن تفاؤله من الأجواء التي قال عنها إنه سيوسع أعماله لتشمل التجارة مع بلاد الشرق الأوسط وسيحاول جلب السياح العرب إلى منطقة لوس آنجلس، وقد اتفق مع مكتب روزي تريبتس للسياحة والسفر الذي يملكه أحد معارفه على العمل سوية. لم يكن سعيد تاجرا حقا فقد تعدى على هذه المهنة تعديا فاضحا لأنه لم يستطع الحصول على أي صفقة أو ربح خلال سنة من تجربته مع التجارة. رغم جهاز الفاكس والكمبيوتر الشخصي في منزله - وهو مقر شركته الهزيلة - إلا أنه فشل تمام الفشل. كانت له نوايا غير سليمة، اعتبرها هو صحيحة وحسب أنها ستدر عليه أرباحا كثيرة. كان يرسل الفاكسات إلى شركات أخرى ويضع أسماء أمريكية مختلفة على الرسائل ثم يوقعها لغايات لم يعرفها أحد سواه. خرج الحديث بين طارق وسعيد عن التجارة حين قال طارق:
- أتذكر تلك المرأة تينا التي أخبرتك عنها.. وافقت على الخروج معي في موعد فذهبنا بعد العمل وتناولنا طعام العشاء في مطعم. بدت وكأنها في العشرينات مع أن عمرها أربعون سنة. اكتشفت اليوم أن لديها ولدين اثنين ولا رجل عندها الآن.
- كنت أحسبك مازحا. هل هذا يعني أن لا أمل في هيلين؟
- لا ليس ذلك فمازلت أنجذب إلى هيلين. وهل يذهب الحب والتضحية هباء!
- ماهذا الهراء! كيف حللت هذه المعادلة؟
- أشعر بأنني أحب أن أغير وأبدل فلقد مللت من النقاش مع هيلين التي لاتتكلم إلا عندما يروق لها الموضوع أما مواضيعي واهتماماتي فلم تعد تهمها. أشعر أنني أبتعد عنها وكأنها تنزلق بعيدا من بين يدي إلى هاوية سحيقة.
لم يعجب سعيد بكلام طارق فأبدى ذلك حين قال: 
- أنت تلعب بالنار وستحرق نفسك. أنت تدعوني لحل بعض الخلافات بينكما وفي الوقت نفسه تحاول أن تجني على علاقتكما في نزوة طائشة. لاعلاقة لي بكما بعد اليوم يا أخي... أنت مخطئ إذا شعرت أن التجديد يكون في تغيير الجلد دائما، فقد يكون التجديد في تغيير الثوب والمظاهر أفضل وأقل ضررا. هيلين ليس لها غيرك في هذه البلاد وأنت كذلك يجب ألا يكون لك غيرها، عليك تقدير النعمة التي أنت فيها.. الآخرون يحسدونك على استقرارك وأنت جاحد.
- من يسمعك يقول إنك ملاك الرحمة، هل نسيت أنك تزوجت مرتين وها أنت وحيد الآن تتغذى على الأوهام واللعب الفارغ.
- كانتا أمريكيتين، وأنت تعرف أن الأولى هي صفقة للحصول على الجنسية والأخرى حب خادع وقتي لم يكتب له الاستمرار. أما أنت فقد تزوجت مصرية عن حب ورضى وضحيت بالكثير من أجل هذه العلاقة. وإن خسرتها الآن فتكون قد خسرت شيئين، أهلك الذين تركتهم أصلا من أجلها وحبك الذي عانيت الكثير من أجل الحصول عليه والتمسك به.
- آه.. لقد وصلت إلى حد الهوس من أجلها وكنت في حالة عجيبة وعنيدة من التعلق بها وكان هناك شعاع قوي ينبعث منها ليستقر في قلبي ويهزه في عنفوان، أما الآن وبعد مضي ثلاث سنوات من الحب العذري ثم خمس سنوات من الزواج المثالي فإنني أشبه علاقتي معها كقلعة من رمل على شاطئ وديع ثم هب إعصار وأخذ ينحت أطراف تلك القلعة من الأسفل، أشعر أن هذا الشعاع، شعاع الحب  يخبو وينحسر رويدا رويدا والحياة تسحبه مني غصبا ولا أقدر على استرداده.
- في رأيي الشعاع مازال ينبعث منها قويا ولكنك أنت الذي لم تعد تستقبله بصدرك الذي ضاق بالحياة، عليك استعادته بنفسك ومن نفسك.
- ياأخي أريدها أن تتكلم عندما نكون معا في المنزل أو خارج المنزل. لاتتكلم إلا في أشياء ترغبها وعندما يأتي حديث لاترغب الخوض فيه تصمت وأكون أنا المتكلم الوحيد. لم تكن كذلك. كان لنا اهتمامات مشتركة أما الآن فإنني أشعر أن اهتماماتنا تتعارض من خلف الستار ومن دون مواجهة ظاهرة إلا في بعض الأحيان... المهم ألا ينطفئ الشعاع دون رجعة.
- أراك تتمناه أن يعود ثم تضع الحواجز في طريق عودته، أنت أحيانا متعجرف ومتكبر دون مبرر. هذا رأيي. لاتخذل نفسك وتداوي قضيتك بعلاقة أخرى غير صحيحة. ماتعرفه عن تينا في جلسة واحدة معها أن لديها طفلين لاشأن لك بهما، تصور ماذا ستعرف عنها أكثر بعد أن تصادقها، هذا إن وافقت عليك من أجلك أنت.
- إنني مصمم على اكتشاف المزيد عنها ففيها شيء بل أشياء تشدني وتجذبني إليها.
- بل فيك شيء ينجذب إليها، وهو الخيبة وخراب البيت!
- أنت لاتدري، أكاد أنهار كل يوم عدة مرات حين لاأرى سببا لحياتي واستمرارها، فأولا لاأحب المكان الذي أعمل فيه حيث لاتحسين ولاتطوير، وثانيا ليس لقلبي أواصل تدعمه أو يقوم بسببها فهو يهفو ويهفو وأشعر بأنني سأنتهي. وما زاد الطين بلة أن هيلين لاتستجيب لنداءاتي من أجل إنجاب الأطفال مع أنني حاولت معها كثيرا. الحب ينتهي إذا انقطعت أسبابه ومقوماته وأهدافه، ولاأرى سببا في الاستمرار معها وبخاصة أظن أنها تستطيع الإنجاب، لاتفسير عندي لما أصابها. عندما كنا في مرحلة الخطوبة في جامعة عين شمس وقبل التخرج وقد تخلى عنها أهلها وتخلى عني أهلي كانت تتكلم عن الزواج والحب والأطفال ومنزل المستقبل بعيدا عن عيون الناس والأحياء، وماإن تزوجنا حتى تبدل حالها وتغيرت أفكارها من ناحية الأطفال، وافقتها عندئذ فلم نكن قد حصلنا على الاستقرار بعد، حصلت هي على وظيفة تدريس اللغة الإنكليزية في معهد للمبتدئين، وبقيت أنا أصارع في الحصول على عمل متعثرا بأصغر الأحجار أمامي. مضت ثلاث سنوات على هذه الحال ولم نشعر بالاستقرار الفعلي، ولكن الحب العظيم استمر في نموه وكنا نقتات منه في استمرار الحياة وحبها حتى شعرت بأن القطار يمكن أن يفوتنا فقررت الكلام بجدية عن الإنجاب ولو طفل أو طفلة. استمرت في عنادها وبقيت تؤجل هذا الأمر ثم تؤجله. فرغ صبري رغم حبي لها، وهي التي أعترف أنها بعثت في نفسي وروحي حب الحياة يوما ما.
كانت هيلين نائمة عندما رجع طارق إلى المنزل حوالي الثانية صباحا. خلع ثيابه المتشبعة بدخان النرجيلة ولبس ثياب النوم ثم أكمل سهرته يشاهد التلفزيون دون وعي لما فيه حتى نام من التعب...