فراغ في الطريق

PDFطباعةإرسال إلى صديق

ابني ليس صغيراً كي لا يفهم ما يرى وهو ليس كبيراً لكي يفهم ما لا يرى، وقد تجاذبنا أطراف الحديث ونحن نشاهد ثلاث عبوات من المتفجرات وهي تسبح بهدوء متجهة شرقا في مياه البحر الأحمر، القلوب تنبض متوجسة وجلة والأنفاس

 تتلاحق في لحظات متوترة ومثيرة، ستة أشخاص من الضفادع البشرية مقسمون إلى ثلاث مجموعات وكل مجموعة تحمل عبوة ناسفة، كنت قد انتقلت إلى مشاهدة هذه المحطة الفضائية منذ لحظات وقد أوقفني إبني قائلا: هل نستطيع مشاهدة هذا الفيلم؟ كان الفيلم في أواخره فقد شاهدته من قبل ولكن ابني انجذب إلى المناظر والموسيقى التصويرية،لم أمانع على الإطلاق فقد كانت حقا لقطات مثيرة وتستحق المشاهدة مرة أخرى ومرات في رأيي. تجمدت أعطاف ابني وهو يعلق حينا وينصت حينا وعيناه لا تبرحان الشاشة... الكاميرا تنتقل من لقطة إلى أخرى تتابع المجموعات واحدة تلو الأخرى وتتابع بين هذا وذاك فرقة الدعم لهذه المجموعات، جزء على الشاطئ وجزء على قارب عسكري مطاطي، ثم تظهر في لقطات متداخلة معالم الحياة لإسرائيليين في ميناء إيلات، إنه فيلم الطريق إلى إيلات. قال ابني أثناء لقطة مع إحدى المجموعات المهاجمة: من هؤلاء يا أبي؟!  قلت: مجموعة من الجيش المصري يتجهون إلى إيلات بمهمة عسكرية.
- وأين هي إيلات.
- مدينة بحرية تابعة للكيان الصهيوني في جنوب فلسطين
- هل سيفجرون إيلات؟
- نعم هذا هو الهدف من العملية
الضفادع البشرية يتكلمون بالإشارة وهم منغمسون في مياه البحر الأحمر، قال ابني وهو يصغي إلى لهجة الحديث من فرقة الدعم: الممثلون مصريون.
قلت : نعم مصريون
قال وهو ينظر نحوي: في الحقيقة هم فلسطينيون أليس كذلك؟
أجبته وأنا أتابع الفيلم: لا،لا،إنهم مصريون، يا بني هذه فرقة من الجيش المصري تنفذ العملية وقد انطلقت من مصر.
قال مستهجنا: أليست اسرائيل في فلسطين!
- نعم هذا صحيح.
- والحرب بين فلسطين واسرائيل الآن.
- نعم
- ما دور مصر في ذلك وما دخلهم في هذا الأمر؟!
فوجئت من هذا التعليق فهو تعليق منطقي في هذه الظروف حسب عرف اليوم وحسب ما تقتضيه المصالح الفردية الآنية. قلت: ....
كانت العبوات قد تم تثبيتها في أماكنها بنجاح ثم توالت التفجيرات ونجحت العملية وانتهى الفيلم بعد عدد من الدقائق دون كلام وتعليق، نظر إلي ابني وقال: أفضل من أفلام الكرتون أليس كذلك يا أبي؟ قلت: هذا تمثيل لقصة حقيقة وقد وقعت بالفعل. وأخذت أتكلم عن الصراع العربي الاسرائيلي ببساطة، وقد راعني توجيه أغلب الإعلام المعاصر للناشئين لخلخلتهم وتفريغهم من خلفية وحقائق الصراع ولخلق أجيال تستسلم لنفسها وتستسلم لأعدائها عند أول محنة تعترضها، تعبت ولم أنم بارتياح.