أين أبي

PDFطباعةإرسال إلى صديق

على جانبي الشارع تصطف بيوت من الطين والأحجار والخشب تتخللها عمارات من الاسمنت متسخة ومغبرة، والأرض الإسفلتية مكسوة بالتراب والمياه المتسخة المتجمعة في أماكن متفرقة،لا تستطيع السيارات دخول الشارع فتصطدم

 بنتوءات البيوت الحجرية،  وفي شقة قديمة ذات غرفتين، والشمس قرمزية قاتمة على وشك المغيب يتبعها الظلام بسرعة جنونية، صارحها برحيله.. قال إنه سيرحل، ولم لا، فالحياة في نظره أمست ثقيلة والدنيا حو له كالأفعى الغليظة، والعمر لا يحياه الإنسان إلا مرة واحدة، وكل واحد مسؤول عن نفسه. قالها وهو يشعل لفافة التبغ الخامسة من الرابعة،ينفث الدخان في الهواء سحباً داكنة، يريد أن يقتلع البيت بمن فيه، وغمامات غامقة تلف أشعة الشمس المنحدرة وترسلها بعيدا تحت عتبات الظلام الأرعن، يمشي جيئة وذهابا، يهذي ويتوعد، وقع الكلام على مسمع أم قاسم زوجته وقعا مفاجئا وكادت عيناها أن تلتصق بأعلى رأسها،يداها،هل تلطمان على خديها ! هل هذه إحدى ثوراته الغريبة وحركاته العجيبة! أم تراه مخمورا فوق الحدود ويهذي قبل الرقود.  تلك فاقت تصوراتها فكلامه مباشر ووعيده قاس وهذيانه غريب .. تكبلت عواطفها وارتبط لسانها عن الكلام من هول المفاجأة،ثم هدأت قليلا وخرج الكلام من فمها دون وعي بالمعاني:
- أتعتبرني ست بيت فاشلة ألست أنت القائل أن الرجل يجب أن يرى صورة ست البيت في زوجته ويطوع نفسه وهي أنا ما كنت تعني.. وأنا أجتهد في تقديم واجباتي نحوك ونحو عائلتك، بم قصرت!
قاطعها وقال محتدا:
- الأكل هو كل شيء في نظرك، كنت في الماضي أبسط وصحتي أفضل والآن أحرم نفسي من كل شيء من أجل تأمين الحياة لكم وعلى حساب سعادتي، ليتها حياة جيدة، أنتم أنانيون ليس لديكم رحمة.
قالت متسائلة والعواطف تغور في جنباتها لتصل إلى أعماق الآلام المنبعثة من روحها:
- أهذا ما تعتقده، سعادتك تذهب هدرا من أجلنا! لماذا أنجبت الأولاد ورغبتهم إلى هذه الحياة؟ أليست سعادتهم هي سعادتك؟! وهل يرتاح الإنسان ويفرح إذا لم يقدم حق من هم رعيته، ما أقساك من إنسان مسؤول وما أتعسنا من رعية. 
استدار ناحية الباب وتأهب للرحيل وأم قاسم في حيرة وتلعثم لا تفهم معنى هذه اللحظات العصيبة وفي عينيها دموع ودموع، ثم أردفت قائلة:
- لا تقل إن العشرة انتهت بيننا، لم تعترف أن من يخفف عنك دائما هي أنا، وأنت في المقابل تبتعد عني بأحاسيسك ومشاعرك حتى قطعت حبال المودة، أتظن أنني لا أحس بك! هل لك امرأة غيري.. أجب بحق السماء ولا تتركني دون جواب، أريد أن أطفئ النار بداخلي.. لا تقل إنك سترحل هكذا دون مقدمات أو أعذار حقيقية.. ما السبب؟!  الصراحة هي الحل الوحيد لمشكلتنا وعلينا أن نواجهها بكل شجاعة وقوة.. وإذا كانت لديك الشجاعة الكافية لصارحتني لأضع حدا لهذا العذاب الذي فرضته علي، ما ذنبي تجاهك؟.. كنت خاضعة لهجرك لي وأنت تعيش معي وراضخة لأوامرك الجبارة المستبدة ومستسلمة لأنانيك عن قناعة أن لكل مشكلة حل مع الزمن، ولكن بالحب العظيم بداخلي لا من دافع ضعف أو ذل، فأنت تبقى زوجي ووالد أبنائي..
كان ينصت لكلامها وهو يدخن بشراهة وعقله في أماكن أخرى من هذا العالم العجيب المتعجرف. استدار نحوها نصف استدارة بوجهه العبوس المحمر ثم أعقب :
- لم تفهمي قصدي بتاتاً.. لقد مللت من المجيء إلى المنزل كل مساء وأبدأ بعد النقود من حصيلة اليوم الفائت متحسرا على حظي المشؤوم.. أريد مالا كثيرا وأريد وأريد...
اقتربت منه وهي تقول:
- أنا دائما أفهمك.. أنا زوجتك وأعتقد أن عشر سنوات من العشرة كافية لهذا.. هل نقف في طريقك وهل اكتشف قلبك أنه لا يرغب بي إلى جانبك أم أنني مجرد سلعة ووسيلة لشيء لم تستطع تحقيقه فترميني؟ آه من الدنيا وغدرها.. كل يوم تأتي من الخارج سكرانا تترنح وثملا تتبجح كنت أدعو لك الله بالهداية وأتحلى بالصبر آملة أن تعود إلى رشدك وتنتبه لعيالك المحتاجين إليك وإلى عطفك.. ذلك العطف الذي أخذ بالزوال يوما عقب يوم.. ولكنني لم أقنط ولم يُصِبْنِي اليأس في صميمي. أهذا جزائي يا أبا قاسم. ثم ألا تذكر عندما لم يهبنا الله أولاداً في السنين الأولى كنت أنت تدعوه بأن يهبنا ما نريد.. ماذا أصابك!!
كانت يده تدير أكرة باب الشقة حين رمى آخر كلماته:   ستصلك ورقة الطلاق..
ثم ابتلعه الباب واختفى في أروقة الظلام الذي خيم على أم قاسم وهي مذهولة من المفاجأة،في أعماقها صراخ ونحيب أرادت أن تخرجهما وترسلهما خلفه ولكنه اختفى بسرعة فاقت توقعاتها بكثير. تكالبت عليها الأنواء دفعة واحدة وهاجمتها أرزاء الحياة بأنياب حادة فرمت لحمها وكسرت عظمها ولاكت نفسها قبل ابتلاعها فرجفت شفتاها وهجم عليها الاصفرار ثم تمايلت وسقطت على الأرض، هرع الأطفال الثلاثة ومنهم الصغيرة ذات السنتين من الغرفة نحو أمهم وأخذوا بالصراخ والبكاء حتى انتفض الجيران وهبّوا.
نقلت أم قاسم إلى المركز الطبي وجاء أخوها ليطمئن عليها وأخذ معه الأطفال للعناية بهم أثناء غيابها عن المنزل، عولجت ثم عادت إلى منزلها الخاوي من الحنان الأبوي لأولادها،لم يعرف الأطفال قاسم وأحمد وسلوى معنى رحيل والدهم المفاجئ.. كانوا صغاراً لا يفهمون معنى هروب الأب من العائلة دون سبب أو كنه الطلاق ونتائجه.. على أنه لم يتم الطلاق فأبو قاسم رحل واختفى ولم يأبه حتى أن يرسل خبرا أو ورقة طلاق.
لم تعد الحياة كما هي بعد رحيله فرغم العذاب الذي فرضه على الأم والأطفال في حضوره إلا أنه أضاف عمودا من أعمدة الحياة الأساسية بتواجده معهم أو حولهم، إنه شعور مهما كان سيئا وقاسيا فإنه مخالف أو مغاير لهذا الشعور الذي أرسل سحبه القاتمة كالدهماء على حياة تلك العائلة بعد هروبه.  حاولت النسيان لأنها شعرت بأن الحياة ضغطت عليها وسلبتها أملها وهؤلاء الأطفال لابد من كبير يرعاهم. وهكذا قررت تكريس حياتها من أجلهم . أعانها أخوها على تأمين عمل في روضة للأطفال، ومع مرتبها وقليل من مساعدة أخيها استطاعت بالجهد والصبر شق الطريق في تربية الأولاد وصارت تحاول إرشادهم إلى الخلق المليح والعمل الصحيح والدراسة الناجحة حتى تفتخر بهم ولتثبت لنفسها ولمن حولها أنها قادرة على تحقيق ذاتها..
ومضى الزمان ولم يتم الطلاق فلا الزوج المختفي أرسل تلك الورقة الرسمية ولا هي أقدمت على تطليق نفسها منه عن طريق  القانون، هي لا تفكر بالزواج مرة أخرى، وهبت نفسها وزمانها لأولادها. ثم تبعه زمان آخر وبات عدم وجود الأب والزوج شيئا من أصول الحياة وقواعدها عند العائلة. سلوى لا تبرح تردد أين أبي أين أبي بعدما وعت الأمور وسمعت في المدرسة أن لكل إنسان أب. عرف الأطفال الذين كبروا بعضا من الحقيقة فنقموا في أنفسهم على الرجل الأب وعلى الحياة والأم تحاول نزع فتيل الغضب منهم وتهدئة نفوسهم المتأججة كي لا يتعلموا على حمل الحقد والكره في قلوبهم لأي أحد من البشر حتى أبيهم الجبان الهارب...
ثم كرت الأيام بين شقاء ومرارة، وأمل ينبثق ويترعرع رويدا رويدا.. وهاهو قاسم الجاد والمتمكن من مشيته يدخل على أمه وفي يده شهادة الحقوق، وبعد سنة دخل عليها أحمد صاحب النكات والهزل والخطوات المرحة وفي يده شهادة الهندسة، وسلوى تحاول جاهدة  نحو درجة امتياز في الثانوية العامة، تشرد بين حين وآخر فترى على كراستها عبارة أين أبي.
كل نجاح يتحقق والأم توزع فرحا على من حولها وتدعو الله أن يساعدهم على مزيد من التفوق والنجاح.. لكنها في كل مرة كانت تتمنى بعواطفها الكامنة في قلبها أن يكون الأب مع أولاده لتكتمل فرحتها في هذه الحياة.. ولكن هيهات أن تكون أمنياتها حقيقة وأفكارها رفيقة.. وهي على علم أن الأمر خارج عن إرادتها وأن القدر يؤخذ كما يأتي ولا راد لقدر الله إلا هو.  كانت تتمنى أن يكون حيا يرزق وأن لا يصيبه مكروه رغم ما قدم إليها من الخيبة والعذاب. حاولت النسيان مرارا ولكن الأمر كان يأخذها على حين غرة ولا تدري بنفسها إلا وهي غارقة في التفكير بأمر الزوج المتخاذل الهارب وتقول ماذا عساه يفعل الآن وأين هو من هذه الدنيا الغريبة! تطرد الضغينة من قلبها في كل حين يخطر هذا الرجل لها على بال فهي ليست بحاجة إلى التنكيد والمرارة في هذه السن.. ولكن هيهات للقلب أن يصفو ويرتاح إلى حد النسيان.. وبعض تجارب الحياة يهملها النسيان ولا يقترب إليها السلوان إلى أن يرث الله الروح من فوق هذه البسيطة.
تغير ذوق أم قاسم وأصبحت تفضل اقتناء الألبسة ذات الألوان الداكنة،  وأرسل الجلد تحت عينيها وحول فمها خطوطا ومنحنيات، صار البيت مقرها بعد العمل لسنوات طوال وأصبح أولادها يعيلونها ويعينونها على الحياة، وقد ازداد احترام الأولاد للأم مع الأيام فمنحوها كل الحب والتقدير ولم يخل جو البيت من نقاش عابر أو تعليقات بخصوص الأب الذي هرب من المسؤولية وخصوصا عندما يقع نظر أحدهم على شيء خبأته الأم وهو صورة الأب عندما كان شابا يخدم في الجيش.
ضاق الأولاد ذرعا بالعيش في الحي المتسخ، ناقشوا الأمر ثم حاول قاسم إقناع أمه بالانتقال من تلك الشقة إلى غيرها أفضل منها في حي مجاور، رفضت فأذعن الجميع وأطاعوا .. ولما كان قاسم من الشبان الذين تظهر عليهم مظاهر الجدية والصرامة كان رأيه أغلب الأحيان متحجرا لا يتنازل عنه إذا أدلى به حتى في كلامه ومواقفه مع أمه التي أحبها حبا كبيرا على عكس أخيه الذي أحب أمه أيضا ولكنه كان مراوغا بكلامه ينتقي الألفاظ المعسولة في استرضاء من حوله.. ومع مرور الأيام رأت الأم أنه لابد لها من الرضوخ لرغبة ابنيها الرجلين تقديرا لهما، فانتقلت العائلة إلى شقة أفضل من سابقتها في أحد الأحياء المجاورة. ولكي تكمل أم قاسم طريقها في هذه الحياة وتحرز الأمل المنشود العالي في تحقيق مسؤوليتها بدأت بالتفكير في انتقاء عروسين واحدة لقاسم وواحدة لأحمد، استحوذت الفكرة على عقلها وقلبها صباحا ومساء، وكان في الوقت نفسه كل واحد منهما في عالم غير عالم الآخر من التفكير والاتجاهات.
كان المنزل خاويا من الأبناء عندما كانت أم قاسم تشاهد التلفزيون في إحدى الأمسيات وأمامها صحن من البطاطا تقشرها وتقطعها. لفت نظرها صورة مستثمر في مقابلة على التلفزيون عندما سأله المذيع عن ذلك المشروع الخيري الذي يعتزم بناءه. وثب قلبها من رؤيته وتحققت من هويته عندما عرفت اسمه.. نعم إنه والد أبنائها.. إنه هو ذاته.. ياإلهي.. كيف هذا!.. تركت البطاطا واندفعت نحو الشاشة بسرعة وأخذت تنصت للمقابلة وتنظر إلى صورته وتتفحصها بكل ما لهذه الكلمة من معنى. هذه أول مرة تراه منذ عشرين سنة وهو في ثياب جديدة أنيقة وربطة عنق بدت فاخرة.. شعره أشيب ووجهه مدور مليء وعلامات الغنى عليه واضحة كوضوح الشمس في منتصف النهار المضيء. انتهت المقابلة بسرعة شديدة وجلست أم قاسم وحيدة مستغربة وفي رأسها خواطر وخواطر لا نهاية لها ولا قرار لها.. كتمت الأمر عن أبنائها تلك الليلة على مضض،  تقلبت على فراشها كما يقلب الشواء على النار،لا خلود إلى النوم ولا دخول إلى الراحة، حتى إذا جاء الصباح وذهب قاسم وأحمد إلى عملهما وذهبت سلوى إلى المدرسة وأم قاسم لا تزال في تفكير وحيرة، سمعت باب الشقة يقرع. نهضت متثاقلة والحيرة تلبسها والهواجس تقنصها لا تلوي على شيء سوى صورة ذلك الرجل الذي ظهر على شاشة التلفزيون ليلة أمس. فتحت الباب مقدار شبر ونظرت فإذا بالمنظر يصفعها .. إنه الرجل الذي رأت صورته في التلفزيون الليلة الماضية، وجهه شاحب وعيناه غائرتان أكثر مما ظهر عليه في شاشة التلفزيون.. انتبهت إلى نفسها وكأنها تستيقظ من حلم عميق فإذا بالرجل النظيف ذِيْ اللباس الأنيق يبتسم قائلا:
- أم قاسم.. السلام عليكم.
تراجعت أم قاسم للخلف قليلاً ومادت بها الأرض وأوشكت أن تغلق الباب فلم تعينها جوارحها على استقبال هذا الموقف المفاجئ. قال الرجل بلغة الواثق من نفسه:
- أنا حامد، أبو قاسم.
نعم هي تعرف ذلك ولكن ماذا تفعل.. أتستقبله ثم تصفعه صفعة لتشفي غليلها المتأجج ثم لا يقوم بعدها إلا عبدا تحت قدميها أو جثة ترميها إلى الشارع، أم تفرش الأرض له ديباجاً وحريراً وتستقبله استقبال الفرحين بعودة الحبيب القادم من بعيد الفائز بالقلوب؟ ربطت على أعصابها من الانفلات وتقدمت وفتحت الباب وسلمت عليه ببرودة ظاهرة وهي تغلي من الداخل. أسعفتها أعصابها،لا تدري كيف، هل بإرادتها أم أن العقل الباطن يتحكم بأفعالها دون تمحيص الأمور والنتائج. كان يبتسم ابتسامة حقيقية وهو ينظر إليها ويقول:  قبل كل شيء أنا آسف شديد الأسف وأرجو المغفرة. قالت:  لا عليك الحياة بخير ولا نحتاج إلى شيء، لماذا عدت الآن وكيف عرفت عنواننا، هل جئت لتشمت بنا أم لتتكبر لأنك أصبحت من الأثرياء؟ فرد بلهجة حزينة:
- لقد بحثت عنكم كثيرا وهاأنا أعود بعد هذا الغياب الطويل.. إنني أتعذب من الداخل عذابا مرا لا تدركينه يا أمينة.. هل أقدمت على الطلاق مني؟
- لا.. ولكن لم تعد زوجا لي فأيام  الحرمان الذليلة وسنين الغضب والقهر تشهد على ذلك.
ثم صمتت وهي تنظر إليه تتأمله وتقول في نفسها لماذا يناديني بأمينة؟ لم يناديني بهذا الاسم حتى أيام كان هنا،إنه غريب على كل حال ولن أدخله منزلي. ثم نظرت إليه أخرى وقالت:
- لقد زرعت المرارة وأنت من يحصدها، زرعتها فينا حتى أدمت القلوب وتشققت النفوس، وتأتي الآن لتسترد ما لا تعب لك فيه.
قال:
- أنت أيضا تحملين من الذنب مثلما أحمل، لم تكوني إدارية ولم تتصرفي بحكمة.
اشتد غيظها وانتابها غضب من سماع هذا الكلام فقالت:
- أنت الذي تركتنا نصارع الذئاب  ونواجه الكلاب، هربت من المسؤولية التي حملها الله لك.. إنك جبان وخائن ولا أريدك في بيتي وبيت أولادي.. اذهب قبل أن يحضر أحد منهم ويحتقرك في لباسك الفاخر، الأفضل لك أن تبقى هارباً في نظرهم فعندي رجلان وشابة لا يطيقون أن يسمعوا كلاماً يجرح أمهم. هز رأسه ثم قال:
- أرجوك اسمحي لي أن أقابلهم.. إنهم أولادي لحمي ودمي، وأنا مريض قد لا أعيش كثيرا.
- وأي مرض داهمك.. إنك سكير ولا مناص من المرض.. عربيد ولا بديل في النهاية من الهوان.. اذهب وعالج نفسك بأموالك فأنت من الأثرياء.
- المال لا يجلب السعادة الصحية دائما.. أنا في حالة يرثى لها.
- دع أموالك ترثيك، وهروبك عنا يغنيك.
- إنني أعد الأيام قبل موتي حسب قول الأطباء فالسرطان انتشر ولا فائدة ترجى من العلاج.. هذا هو عقابي وأنا أدرى به.. تبت إلى الله فأسأله الرحمة وأرجو منه المغفرة ثم أرجوها منكم.
- ها أنت تعترف أنك أنت المخطئ .. على كل الأحوال المسامح كريم.. والرأي ليس رأيي وحدي وعلي استشارة الأولاد فمن المحتمل ألا يقبلوك كأب جاء بعد فوات الأوان.
- صدقيني سأحاول تعويض ما فات من الأمور وإصلاح ما مات من الشعور،  وسأفعل ما بوسعي لأرضيهم وأمتص نقمتهم علي وعلى شخصي.. عانيت كثيرا من الوحدة بعد فترة من رحيلي عنكم ولكنني كنت عنيدا لا أدري لماذا، فصممت على الاستمرار وكافحت وسافرت مع أحد الأصدقاء ثم تعرفت إلى تاجر ثري عملت معه فأعجبه عملي وقربني إليه حتى علمت أن عنده ابنة جميلة فجعلتها تحبني وتصر على الزواج مني فزوجها أبوها لي مجبرا وأصبحت ذراعه الأيمن ورحت أصعد السلم درجة ثم أخرى وكلما فكرت بكم غلبني شعوري وغروري بنفسي وعدلت عن العودة حينها.. ثم توفى الله ذلك التاجر وانتقلت الثروة لحوزتي بعد أن أقنعت ابنتة بعمل توكيل باسمي.. لم ننجب أطفالا بسببها حتى جاء أجلها بسبب مرض عضال واستلمت أنا كل الأعمال بمفردي ونجحت في مضاعفة الثروة حتى شعرت بالمسؤولية تجاه بلدي وعائلتي فعدت وأنا أصارع الدنيا ونكستها فلا الأموال أغنتني عنكم ولا الثروة أبعدت عني المرض الخبيث. بحثت عنكم مرارا حتى اهتديت لضالتي.. أمينة، إنني نادم وأرجو الصفح فلم يبق لي في الدنيا غير القليل، وهذا عقاب ربي أعطاني ما كنت أحلم به وأذهب عني ما هو أغلى منه أهلي وصحتي.
كانت أم قاسم تنصت ولم تقطع حديثه وكأنه أجاب عن سؤال حيرها طيلة الأعوام الماضية عندما كانت تخلو لنفسها في كل يوم مرة أو أكثر. قالت:
- وماذا يفيد الأولاد الثروة الآن بعد أن هجرتهم وأشعلت نار العذاب بقلبي وقلوبهم البريئة.
- دعيني أحاول.
 كل هذا الحديث ولم تسمح له بالدخول وهي في نفسها تتمنى أن يدخل لتقتص منه وتوبخه و..  سألها عن الأولاد وحالهم فلم يكن جوابها شافيا أو مطمئنا له. وعدها أنه سيحضر في مساء الغد ليجتمع مع الأولاد، ثم استدار وآخر ما رأته منه هو ظهره. في تلك اللحظة تذكرت استدارته وخروجه من المنزل غاضبا ومزمجرا عندما هجرها حين قال: ستصلك ورقة الطلاق. لا تدري أم قاسم لماذا انتابها في سريرتها فرح مغمور ممزوج مع موجات الغضب والقهر والضغينة التي حملتها تجاه ذلك الثري.. هو لا يزال زوجها في ظل القانون وأب لأولادها. الظاهر أنها ضعيفة.. لا..  إنها في داخلها امرأة مسالمة ومسامحة إلى أبعد الحدود!  ولكن لماذا عاد الآن وماذا يريد.. نجوم النهار أقرب إليه من عودته إلى عش الزوجية.. وما هذه الأموال الفائضة الكثيرة ؟‍.. أهي حرام أم أنها من الكد والكسب الحلال كما ادعى؟ أسئلة لا حصر لها مرت عليها أثناء النهار حتى أتى الأولاد الواحد تلو الآخر إلى المنزل وفوجئ الجميع وأصابتهم الدهشة على أشدها وأم قاسم تلتقط أنفاسها محاولة إظهار رباطة الجأش ولكن دون جدوى فقد غلبت عليها عاطفتها الرقيقة تجاه الأولاد والحياة برمتها وكادت أن تنهار بعد أسئلة وأجوبة وبعد أن أعلمت الأولاد بحقيقة الأمر وخفايا السر تجاه الوالد الفقير الأحمق الذي رحل منذ زمن بعيد وعاد الآن وهو في عداد الأثرياء المرضى أو المرضى الأثرياء.
اجتمع الجميع في غرفة واحدة على السرير الخشبي الكبير. وقتها انتفض قاسم من مكانه صارخا: هل أتى فعلا إلى هنا، لماذا استقبلتيه؟ كان عليك أن تغلقي الباب وترسليه من حيث أتى، هذا الخائن الجبان، هل أتاك ثملا كما كان في الماضي؟‍.. ألا تعلمين ماذا أصابك من ورائه في حضوره وبعد هروبه وماذا أصابنا نحن الضحايا، كلنا ضحاياه،لو ظل يرعانا معك لما كنا على هذه الحال من العذاب النفسي.. وأعتقد أن إخوتي يشاركونني الرأي.. لا نعرف كيف نلفظ كلمة بابا.. نسيناها.. حسبنا نكن الحب والمودة لكلمة ماما، وحسب كلامك فإننا لم نحظ منه بقبلة حنان حتى عندما كنا صغارا وكان يعيش بيننا.
أردف أحمد ممتعضا وإن كانت كلمة ثري قد تخزنت في عقله دونما شعور منه: هذا صحيح.. كيف لنا أن نقابله ونفتح له صدورنا؟ لم يكن أبا عطوفا حنونا على أولاده ولن يكون، ما قاله عن التوبة والندم ما هو إلا حجة واهية لإشباع غريزته بالنظر إلى أولاده الذين كبروا ولم يتعب أو يشقى تجاههم. 
نهضت سلوى واقفة وهي تقول: هذا غير معقول.. كيف يظهر فجأة ويتوقع منا أن نستقبله ونحبه، أنا لم أعرفه أبدا فقد كنت صغيرة جدا عندما تركنا وهرب من المسؤولية التي ألقاها الله سبحانه وتعالى على عاتقه، أليس كذلك يا أمي؟ هذا يعني أنه لم يحبني ولم يعرفني وأنا أنمو وأكبر فكيف أقبل به والدا لي! إنني لا أتصور نفسي أن يكون لي أبا،لم أعتد على ذلك.
نظرت أم قاسم إليهم وفي عقلها عدد من الخواطر وعدد من البدائل.. فهل توافقهم أم تعارضهم، ثم أحست أن نفسها ضائعة وأفكارها مشتتة،إلى أن أسعفتها بديهتها فقالت: معكم حتى الغد، فكروا بالأمر جيدا واحذروا أن تظلموا أحدا أو تظلموا وخذوا القرار المناسب،القرار الذي يتوافق من شعوركم وتفكيركم اليوم وهو ما سيرافقكم في البقية الباقية من حياتكم.
ثم تركتهم يتكلمون ويعبرون لبعضهم عن آرائهم وهم يخوضون في بحر من الحيرة والغضب والانفعال.
مرت ليلة قل فيها النوم وتلاها نهار متربص بالزوايا وأجواء البيت كلها تنتظر رجلا آتيا من الغامض المبهم، ثم لاح الغسق من بعيد بطيئا متهاديا يتحدى أهل البيت ويقلقهم.. ما إن حل الظلام حتى كان هناك على الباب رجل يقرع الجرس. نظر الجميع إلى بعضهم بعضا وكأنهم يتساءلون عما يفعلونه إزاء هذا الموقف القادم. مشت سلوى نحو الباب وفتحته بيد مرتعشة فإذا بالباب صديق قاسم جاء ليخبره عن تعيين قاسم ليساعد والد صديقه المحامي في مكتبه مساء. فرح قاسم للخبر فرحة مشوبة بأمر قدوم أبيه وودع صديقه معتذرا له. ما كادوا يهدؤون إلى أنفسهم ويربضون في مقاعدهم إلا وجرس الباب يرن ثانية فقفز قاسم قائلا:
- دعوه لي.
فتح الباب وإذا برجل غريب عنه أنيق الملبس يقول:
- لابد أن تكون قاسم، أرجو ذلك.
وقف قاسم مندهشا من رؤيته لأبيه وقد اقترب الأب ليعانقه فابتعد قليلا وهو يقول:
- تفضل الجميع في الانتظار.
دخل وقرأهم السلام، الجميع مندهشون من رؤيته،  لم يردوا عليه السلام سوى أم قاسم. شعر بالارتباك وعدم الترحيب يواجهه من جميع الأولاد. دمعت عينا سلوى وقالت وهي تغص بالبكاء:
- هذا ليس أبي فأنا لا أعرف أبي، أين أبي!.
لم تقدر على النظر إليه طويلا فقد رأت فيه تلك الصورة المتجسدة بسنين الحرمان والعذاب والمتمثلة في الشذوذ عن البشر والطبيعة، ورغم وداعتها وإحساسها الحاني تجاه الإنسانية إلا أنها حملت في أعماقها نقمة على ذلك المجهول الذي تسبب في وجودها ثم هرب قبل نعومة أظفارها تاركا وراءه أرواحا دون تفكير بالعواقب أو شعور بالمسؤولية. ما إن أخذت تحدق به من خلال الدموع في عينيها حتى تمثلت قسماته لها تلك السنين القاسية والأيام الباردة الخالية وعبارات أين أبي في الأفق وعلى أعمدة الهاتف وفوق أكتاف الهضاب فوضعت يدها على فمها واستدارت ثم اتجهت مسرعة إلى الغرفة المجاورة ولم يتبعها أحد. انتفضت الأم للحاق بها إلا أنها عادت وآثرت البقاء تاركة إياها تبكي وتخرج ما قطن في داخلها من شعور بالقسوة تجاه هذا الرجل الغامض. هز الأب رأسه علامة خيبة الأمل ثم اتجه بنظره إلى أحمد، تبسم وقال: أنت ابني أحمد. فرد أحمد بلهجة السخرية وعلى وجهه ابتسامة ساذجة:
- أنت والدي أهلا بك في آخر الزمان.
نظر الأب نحو الأم وكأنه يقول لها أن تقنع الأولاد أن يأخذوا الأمر بروية أكثر ويستمعوا إلى ما يريد قوله. قالت الأم:
- ألم أخبرك بأن تجعل صورتك وهي غائبة عنهم أفضل من أن تأتي وتريها لهم على الواقع فتؤلم نفسك وتؤلمنا معك.. المهم أنت هنا الآن فهيا أقنعهم بأنك أبوهم الجدير باللقاء السعيد.
رد قاسم على كلام أمه:
- لن يقنعنا. ثم نظر باتجاه أبيه: أين كنت؟ لو كنت معنا لأقنعتنا الحياة دون جهد منك بالاقناع، هل أتيت لتعيد الذكريات الأليمة والأيام العصيبة التي كابدناها من دون أب غريبين عن البشر؟ إذا كانت أمي منحتك حق رؤيتنا والتكلم معنا فهذا من طيب قلبها ورقتها أما نحن فلا، وكيف لنا أن نرحب بك ونحترمك ونفتح لك صدورنا وأنت الرجل الغائب الغريب هجرتنا ونحن لا حول لنا ولا قوة، أين حنان الأب وعطفه؟ إنك أناني بلا قلب ولا مشاعر ولا إنسانية.
توجهت إليه الأم بالتأنيب الخفيف أن يخفف الحمل، فقاطعها الأب قائلا:
- اتركيه يا أمينة فأنا أستحق أكثر من ذلك.. كنت أتوقع ردود فعل بهذه القسوة التي هي مهما تكن أخف من قسوتي عليكم.. ولكن يا بني إذا أخطأ العبد وتاب إلى خالقه بحق فإن الله يقبل التوبة عن عباده.. وأرجو أن تقبلوا توبتي لكم وتصفحوا عني وسأعمل ما بوسعي لأعوض قدرا من هذه القسوة الماضية.. هذه هي أموالي أموالكم.. تمتعوا بها ولا تهابوا أحدا من الناس.. أرغب أن أنتهي من العذاب وتأنيب الضمير قبل أن أرحل عن هذه الحياة الفانية.. وأقول لك ولأخيك وأختك أن اليد الدافئة المليئة بالنقود تفعل فعلها إذا توافقت مع الصحة السليمة والشباب الأقوم.. لا أريدكم أن تستجدوا أحدا أو تكونوا لقمة سائغة للحيتان البشرية.. آه كم علمتني الحياة.. وهذا في الواقع ما أستطيع تقديمه لأن صحتي قد تدهورت ولم أعد قادرا على منح كل الحب والحنان عن طريق قواي البدنية،  أعلم أن أمكم عملت جهدها لتخرج إلى الدنيا شابين مثقفين صالحين وفتاة رزينة طيبة، ربما تأخرت كثيرا ولكني لست هنا لأريكم حاجتكم إلي كأب بقدر ما أنا بحاجة إلى وقفتكم إلى جانبي في محنتي التي تركني من أجلها معظم البشر، أرجو أن تفهموني.. وكم أتمنى أن تنادي أختك سلوى الحبيبة من الغرفة لتخرج إلي وآخذكم جميعا بين ذراعي الكليلتين لأمحو سنين الحرمان التي يؤنبني منها ضميري وتسحق لذة الحياة وأنا على أكتافها أودعها منحدرا خلف أطرافها. 
توقف الأب عن الكلام وكانت الأم صامتة تنظر إلى ولديها.. قاسم المنفعل وأحمد الهادئ الذي لم يوافق أو يعارض منتظرا غيره أن يتفوه بكلام أو يصدر حركة ما. ولما لم يجد الأب جوابا من الحاضرين استدار وودعهم وهو يقول: أتمنى من كل قلبي أن تفكروا بالأمر فأنا والدكم المريض أمد يدي إليكم لأساعدكم على تكملة مشوار الحياة في رغد وسعة وفي الوقت ذاته أنا في أمس الحاجة إلى من يشد أزري ويحفظ قدري أثناء دخولي بوابة الجسر بين الدنيا الفانية والآخرة الخالدة. ثم ترك بطاقة عليها العنوان الذي يقيم فيه.
خرج وخرجت معه كلماته ولكن معناها بقي في العقول يجول ويتحرك. ترك وراءه حيرة وقلق انصب أكثر ما انصب على قاسم فمد يده إلى البطاقة بعصبية يريد تمزيقها لكن أحمد كان أسرع منه فالتقطها ودسها في جيبه. وبخه قاسم فرد عليه بأنه سيمزقها في الوقت المناسب إذا اتخذت العائلة قرارا بعدم قبول الوالد بالعودة. خرجت سلوى من الغرفة وشاركتهم الحديث وعلى عينيها آثار البكاء والقلق والحيرة.
ومرت عدة أيام على الأسرة التي كان شغلها الشاغل الحديث عن الأب ورجوعه المفاجئ. تعددت الآراء واختلفت الأهواء،احتدمت الأفكار وتحاربت وجهات النظر. كان أحمد يخطط سرا للذهاب إلى والده ولكنه لم يجسر على ذلك كيلا يفكك رباط الأسرة القوي مع أخيه وأخته وأمه. سلوى محتارة تبكي.. قلبها يدفعها للقائه واحتضانه من دافع العاطفة الإنسانية على مرضه وكلامه التي أنصتت إلى قسط منه عندما كان في منزلهم، وعقلها يتردد بين لقائه ونبذه على تصرفاته السيئة على مر السنين الماضية. قاسم محتد ومنفعل لا يريد لقاءه كي لا يكسر عزة نفسه التي اعتد بها في داخله فراح يردد أن الأوان قد فات وأنهم رجال يقدرون على حمل أعباء الحياة بمفردهم. وأم قاسم لا رأي لها فسيان عندها إن قابلوه أم لم يقابلوه فالقرار بالنسبة لها تابع للأولاد. ومع أن جرح نفسها لا يندمل بهذه السهولة وإن بدت إلى المسامحة أقرب منها إلى حمل الحقد والضغينة وذلك من ثبات يقينها وإيمانها بالله وباليوم الآخر، إلا أنها لا ترغب عودته إليها فهي لا تطيق تحمل الحياة مع من نكر الود ونكص العهد ونسي الجهد،ثم استمر في العناد هذا العدد من السنين.
... ثم انتقل الحوار والنقاش وتضارب الآراء إلى صدام بين قاسم وأحمد، قاسم يتهم أخاه بضعف النفس والتذبذب في الآراء، وأحمد يتكلم عن المسامحة الإنسانية وعن الثروة التي ستذهب في طرق الإحسان حين يتكالب عليها خلق كثيرون بحق وبغير حق،  وأنهم أولى بها لأنها من حقهم الشرعي. تدخلت الأم محاولة فك النزاع بينهما. وقالت: أنتما رجلان الآن وأنصح أن يفكر كل واحد بطريقته الخاصة ويأخذ قراره بمفرده لأنه من الواضح أنه لا سبيل إلى اللقاء في القرار في هذه الأجواء المشحونة. تفهم أحمد الكلام وأعجبه، إلا أن وقعه كان غير مريح على قاسم وذلك من شعوره أن أحمد سيحصل على الأموال لوحده وفي نفس الوقت لا يريد أن يكسر عزة نفسه ويتراجع عن كلامه. وترك أخيه أحمد يتصرف كما يريد وبقي متأهباً ليتقصى ويعرف ما يدور في خلد أخيه، ثم تحجر رأسه ويبست نظرته المقطبة ودخل إلى غرفته. شكر أحمد أمه على التدخل وإقناع قاسم ثم ذهب إلى النوم. تقلب على فراشه وهو يفكر كيف يلقى أباه أو كيف سيلقاه أبوه.
في الصباح نهض والتهم قطعة من الخبز والجبن مع فنجان من الشاي ثم انطلق مسرعا للقاء والده وهو يتحسس جيبه بين الحين والآخر مطمئنا إلى وجود العنوان في جيبه. قطع المسافة إلى مقر إقامة والده ولم يلتفت أو يدر شيئا عن ملامح الشوارع التي مرت من خلالها سيارة الأجرة التي استقلها. توقفت السيارة أمام باب الفندق فترجل منها وهو ينظر إلى الأعلى نحو أدوار الفندق الكبير. دخل الصالة واتجه إلى زاوية المعلومات ثم أدلى للموظف باسم أبيه…  تحادثا عن الدنيا والعائلة وقص الأب قصته على ابنه والابن يسمع ويوافق، ثم قال الأب: ابني أحمد أنا مريض،  تركيز السكر لا يعرف له وجهة معينة في دمي والمرض الخبيث ينهش من نفسي قبل أن يذيب عظامي وأشعر بالنهاية تقترب،  شعور ليس له مبرر سوى العظام العليلة والنفس الكليلة،  ولكل أجل كتاب عند الله عز وجل،  فأرجو إقناع أفراد العائلة بالتسامح والتهاون معي لأني بحاجة إلى سماع كلمة المسامحة منكم جميعا حتى أرحل مطمئنا وأشعر بالراحة في نفوسكم بعد العذاب الذي سببته لكم والحنان الذي منعتكم منه قسطا من الدهر كنتم بحاجة إليه.  عاد أحمد  إلى المنزل وهو في حالة فرح للقاء والده القديم،  لكنه لم يستطع إخفاء حزنه من أن يطفو على غشاء قلبه فسماع ما سمع من والده عن المرض ثقيل لا يقدر على تغييره أو استبداله بأقوال أخرى، الحقيقة تبقى حقيقة ولو كان لها أحيانا وجوه متعددة،  والبصيرة ليست كالبصر في أمور الحزن والشقاء،  وجوهر الأمر لا يتغير إن تغيرت القشور . بعد الغداء تكلم أحمد مع أخيه وأمه وأخته عن أحوال العائلة بعد ظهور الأب الغريب وتبادل الجميع الحديث مرة أخرى.  رجع أحمد لزيارة والده مساء ووجد مقر إقامته خاليا . نزل ليترك له رسالة في غرفة الاستقبال ففاجأه خبر نقل والده إلى المستشفى على إثر غيبوبة أصابته أثناء تناول العشاء. تجمد في مكانه للحظات ثم انتفض وأسرع باتجاه الهاتف ليعلم أهله. اتجه إلى المستشفى وقلبه يخفق في شعور وإحساس صادق تجاه والده وكأنه لم يغب عنهم لحظة خلال السنين.
عندما حضرت العائلة من المنزل إلى المستشفى دخلت أم قاسم وسلوى وقاسم إلى الغرفة فإذا بأبي قاسم يرقد في السرير وعلى وجهه لون الشحوب وإمارات الضعف والمرض الثقيل، وإلى جانب السرير يقف أحمد يمسح  من على خديه دموعا لم يستطع مقاومتها. قال حامد بصوت هادئ ضعيف وهو يتلفت بين الجمع بتؤدة وبطء: أمينة زوجتي الأمينة، قاسم ابني الأكبر الشجاع، أحمد ابني البار الأمير، سلوى ابنتي وحبيبتي الصغيرة البريئة. قالت أم قاسم التي بدت رابطة الجأش متينة: سامحوه يا أولاد، يكفيه ما هو فيه.. إن الله يغفر الذنوب ونحن عباده ونسأله الرحمة والغفران لنا جميعا. أقبل عليه الأولاد يقبلونه ويحتضنونه وهو يكشف عن بسمة وشعور بالغبطة. جال بنظره نحو أم قاسم وقال والكلام مختلط مع أنفاسه المتلاحقة: أصبت أيتها الزوجة المخلصة، ربيت فأحسنت التربية ولك مني وسام الاستحقاق وأنا على حافة القبر، تحملت الصعاب وكنت أفضل مني بآلاف المرات، بل لا مقارنة بيني وبينك.. تقدموا يا أولاد أمينة أحتضنكم للمرة الأخيرة. اقتربوا منه وهم يرفضون سماع ما قال عن المرة الأخيرة، يقبلونه ويدعون له بالصحة والشفاء. وقال قاسم: سامحنا يا أبي على استقبالنا الفظ لك فقد نبشت ما كمن من أفكارنا وألهبت ما حيك في مشاعرنا وأخرجت جبروت وغضب السنين القابع في نفوسنا، أما الآن فلنبدأ خطوة جديدة نمنحك الاحترام وتمنحنا الحب والعطف،  والإنسان لا يعيش إلا عمرا واحدا لا يستحق أن يقطب حاجبيه طيلة حياته. ثم أحمد: عافاك الله يا أبي،لو كان لنا الخيار ما اخترنا غيرك، نريدك بيننا لتعوضنا عما فاتنا من حنانك وترضي ضميرك وتخلي المسؤولية. احتضنته سلوى وهي تشهق بالبكاء وتبتسم في الوقت نفسه وتقول:
- كم كنت أحلم أن يكون لي أباً كغيري من البشر وها هو الحلم قد تحقق فبشرى لي ولنا جميعا بك يا بابا.
انسابت كلمة بابا في مسمعيه ثم انسلت إلى قلبه الخفاق فأعلن الاحتفال في آخر المطاف،اتجه بنظره مرة أخرى إلى أم قاسم وقال:
- ألا تلمسين يدي بيدك الدافئة؟.. صحيح أنني عجوز مريض لا أساوي شيئا ولكني مازلت أحس وأشعر.. ألم تقولي أنك مازلت زوجتي في ظل القانون.
وضعت يدها في يده فاستبشر وابتسم،والحجاب الحاجز في تقلص وتمدد متسارعين.. ولكنها إن سامحته وقررت أن يعود إلى أولاده فلا يعني أنها ترغب أن يشاركها الحياة إن تم شفاؤه. دخلت الممرضة وطلبت من الزوار إخلاء الغرفة لإجراء بعض الفحوص.
حضرت الخيوط البيضاء وقد حلّ الصباح بضياء مستكين حذر وعواطف متسارعة ومتشابكة وعندما استقر النهار وثبت ضياء الشمس في قبة الأفق ساءت حالة حامد ودعي الأطباء ثم تم نقله إلى غرفة الإنعاش في جناح العناية المركزة. لم يأت المساء إلا وهو جثة هامدة لا روح فيها ولا كلام ولا حنان. وصل المحامي إلى المستشفى أثناء تلقي العائلة للخبر. بعد أن عرف نفسه إلى قاسم وأحمد بأنه محامي أبيهم، قدم تعازيه الحارة لأفراد العائلة، ثم طلب منهم أن يحضروا إلى مكتبه في أقرب وقت، وبعد مرور أيام على دفن جثمان حامد والانتهاء من الترتيبات والمسؤوليات الاجتماعية ذهب قاسم وأحمد إلى مكتب المحامي الذي قدم إليهما ورقة عبارة عن وصية حامد بترك أمواله وممتلكاته بعد الرحيل لعائلته حسب شرع الله في خلقه، صرخت سلوى لآخر مرة: أين هو .. أين أبي !...