لحظة يأس

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بخار الماء يتكثف على النوافذ هذه الأمسية، تكاد لا ترى ماذا يجري داخل البيوت، ولا أحد يحس بمعاناة غيره خلف الجدران، والبحر عنيد لا ييأس من إرسال موجات الرطوبة الكثيفة بين الحين والآخر..


انتصب أبو عماد واقفا، البنكرياس معطلة منذ زمن، ازداد ضغط الدم في الحجرات القلبية، ارتفع معدل السكر في دمه، زاغ بصره ودارت الدنيا من حو له، دار معها ثم أغمي عليه، بات في المستشفى فاقد الحس والإحساس. أسعفوه وأنعشوه،  ما مسه قبل ذلك من خبطة حادة أو مأزق متين بين نفسه وتفكيره، لماذا تفاعل جسده مع إحساسه بهذا الشكل، تلك هي معجزة العقل والارتباط بين الروح والجسد، ومن الآن فصاعداً لا يدري كيف ينظر إلى الحياة من حو له، ليست كما كانت قبل أن يأتيه الخبر ويعرف ما يعرف الآن. أين سيذهب، كيف يواجه الأيام والناس من حوله، أما زالت تعيش في نفسه نظرة ذات حياة إلى الوجود وخاطرة ذات معنى إلى ما يحيط به! ليضمحل من هذا الوجود، يتبخر بسرعة كالماء فوق النيران الزرقاء، أو كالجليد المنفلت خلف المذنب الآيل للزوال، أو يتلاشى وينحل كالملح المذاب في الماء العذب يعكره، كالبرق يخطف الأبصار ويمضي إلى العدم، هو لا يجرؤ على الانتحار!  أبشع جريمة على وجه الأرض أن يقتل الإنسان أعز ما يملك، لم يفكر به من قبل، هل لأن عنده عقيدة، مسؤولية تجاه روحه أم تجاه خالقه بالدرجة الأولى!  هي ليست ملكه، عليه ألا يتصرف بها على تلك الشاكلة،  لكن لا حل عنده واليأس عنيد كالبحر، كإطار يحكم حلقته حول عنقه.. كان عليه أن يشد عضده بيقينه،  لطالما أراد ذلك ولم تكن الفرصة سانحة له في عمره ليحمل بين ثنايا نفسه وموطن روحه نبضات قلب الأسد القسور ليواجه النوائب ويعامل الأرزاء بعزيمة وصبر، لكنه يعيش ليسمع ويمضي ليتعامل مع ما يقال، ومن يرضى لنفسه أن تتراكب مع مصائب الدنيا وكربة الأيام، هل يذرها تتخبط داخل كرة معجونة مع الذل والهوان، من يحدد هذه الأمور والأشياء سوى المجتمع،  إنه قسم من المجتمع وجزء من المحيط، إذن ليذهب إلى الغابات البعيدة، إلى الأدغال الكثيفة، يتخفى تحت الأشجار الهرمة وبين الأعشاب المتسلقة ويهرب كما يهرب طرزان، يعيش على ما تأكله الوحوش، عله يجد في صحبتها إنسا غير ما يمنحه البشر الخداعون الخائنون، أو  ليرحل مع تيارات المحيط الدافئة إلى القطب الشمالي،  يتبخر جسده،  ويعود ليعيش مع الأسكيمو الرحل، يأكل الأسماك النيئة، يركب عربات تجرها الكلاب، يطارد الفقمة في الصقيع والزمهرير، يهرب خائفاً من الدببة البيضاء الضخمة، يأوي إلى كهف من جليد، يشعل نارا ويطمئن إلى نفسه من جديد،  والدببة تحوم وتدور حول الكهف ثم تغيب، تلك المخلوقات التي لا تميز فيه الروح والقيم، لا تميز سوى الجسد، جسد من لحم وعظم، هي لا تعرف الروح ولا تدري خفايا نفسه، لا تدرك آلامه، ولا انهزام أحلامه،  قد تلتهمه لكنها لا تخونه أبدا، لا تفكر فيما يحمله من عار أو يأس وخيبة أمل عميقة في هذه اللحظات من حياته، آه لو تدري تلك الدببة أن السكر في دمه عال في مرحلة الخطر لالتهمته اليوم قبل غدا.. فهل يهرب إلى القطب، وهل يحتمل جسده البرد الثلجي،  وروحه كذلك تبرد وتبرد إلى أن تتجمد كأنها في ثلاجة لحفظ اللحوم من الفساد، لعله يشفى من مرض السكري اللعين.. لماذا لا يبالي البتة ! وهل ما يواجهه في حياته هنا أقل قساوة مما سيلاقيه في الغابات أو القطب بعد ما حصل له من العار وانكسار الذات!!
 تحركت أجفانه، ظهرت حدقتا عينيه، أراد أن ينتصب واقفاً مرة أخرى، نظر حوله، أصدقاؤه يحيطون بالسرير، إلى جانبه أزهار في كأس كبير، من أتى بها ولماذا؟! أحدهم يبتسم ببلاهة، وآخر ينظر إليه في شماتة، وثالث يمد إليه يده ليصافحه ويكاد أن يقول له أنت يا أبا عماد من جنى على نفسه من السذاجة واللين المفرط مع الزوجة.. يا أخي لم تكن رجلا. الجميع يعرف قصته المستمرة مع المرض ومع زوجته، وبالأخص قصته الأخيرة مع زوجته، بعضهم علم بالأمر قبله فأتوا مباركين ومهنئين، أما الآن فالجميع يتهيئون ليقولوا له إنه ما زال بخير ما دامت روحه بين جنبيه وأن عماد ابنه المنتظر سيشد من عزيمته ويعينه على الأيام عندما يكبر ويترعرع، وهل يسمون القادم عماد، إنه ليس ابنه، يكاد ينتهي ويتلاشى داخل ثوبه الأبيض كلما تذكر ذلك وهو لا يبرح متذكرا ذلك ومداوما على التفكير والقلق.


لينتقم ويشفي غليله، لا يقدر، هو ليس بخير، ألا يعرفون! أستفاق من تلك الغيبوبة، نظر من خلال نافذة المستشفى فلم ير ما يوضح له أمره ووجهته أو يجلو الغشاوة المستديمة عن بصيرته، مازالت الرطوبة عالية والنوافذ ما برحت تكثف بخار الماء، البحر العنيد ينادي وينادي، عاد أبو عماد المستلقي إلى داخل نفسه يحدثها.. ليته لم تقم له قائمة بعد اليوم، تبسم دون الشعور بطعم الابتسامة، تحركت العضلات حول الفم دون إحساس بما حو له، ماذا يقول! يقول تغير اسمي وهويتي وأنا في عالم آخر اليوم لأحيا من جديد تحت خيمة العار أو في قوقعة التخفي.. أراني على مفترق طرق الآن.. لا،  إنني في طريق واحد مسدود قاتم .. لماذا أعيش في عالمكم وأنا لا خليفة لي؟ تنادونني بأبي عماد وليس هناك عماد، لا تكذبوا أيها الناس، أنتم تعرفون! هل من المعقول أنها حملت مني! قالوا أن لا أمل في شفائي، قنعت بذلك وسلمت أمري لهذا الشأن دون جدال أو شكوى..
قالوا ما قالوه ثم انصرفوا.. لم تأت زوجته لزيارته بعد .. قطعت زيارتها لأختها وهي في طريقها إلى البلد الآن. بقي مستلقياً يفكر، ولماذا يفكر!.. ألم يأخذ تلك الصدمة بكامل أعصابه.. وهذا يكفيه من صدمة، لماذا يعقب على الأمر أكثر من ذلك وهو مغلوب على أمره لا يدري ماذا يقول! الدنيا وحش ذو قرون كقرون الوعول وأسنان كأسنان القرش، تتلوى منتظرة الفريسة المغفلة لتصبح ضحية في طرفة عين.. عديمة الحراك والتفكير، ثم ما تلبث أن تتحرك من جديد للمرة الأخيرة فاقدة الروح عديمة الأحاسيس. لماذا فعلت زوجته ذلك به؟! ألم يدارِها ويعطف عليها.. ألم يخيرها في البقاء أو الرحيل عنه بسلام؟ كان ساذجا ومغفلا حين وثق بها بعد أن رأى منها التذمر كل يوم وكل حين .. ثم غيابها دون تبريرات مقنعة، وسماعه كلاما في زوايا الحي لا يسر ولا يرضي حولها وحوله.
نعم لقد حملت، حملت بجنين حقيقي، لماذا لم ينتبه لحالات التقيؤ وأعراض أوائل الحمل! لم يعرف تلك العلامات فتلك أول مرة يتعرض لمثل تلك المواقف والحالات. ليس له خليفة، وليس بوسعه أن يكون له خليفة من صلبه، هكذا أكدوا له وأقنعوه عبر السنين..
تعصر وجهه بعلامات التفكير والحرص على إيجاد جواب، عقله لا يستوعب مداخلات الأمر أكثر من ذلك، تشوش الإرسال بعد أن تهاوى الاستقبال. نهض من السرير، خلع الثوب السكري، ثم ارتدى ثيابه الذي أتوا به فيها إلى المستشفى ومضى خارجا دون انتباه أحد من الممرضات أو العاملين.. لم يتجه إلى منزله، قد تكون زوجته هناك تنتظره بابتسامة الراضي عنه لتبشره بنفسها، هو لا يريد رؤيتها، ضعف عن مواجهتها، ولا إلى الحي الذي يعيش فيه، لا يرغب أن يراه أحدا بعد اليوم. قصد النقل العام إلى طرف المدينة، ومضى يمشي باتجاه البحر، اعتلى صخرة عالية قبالة الشاطئ العميق، نتوءات من البازلت القاسي تصطف من خلال الأمواج والزبد كالنصال السوداء بل كفوهات المدافع، قلبه يضرب بانتظام كأنه يتمشى في نزهة، تنفسه عادي، لكن وجهه مكفهر وعقله قاتم لا أفكار فيه ولا سيالة عصبية تتنقل بين العصبونات، عليه غشاوة،  لا يبصر شيئاً. وقف ينظر إلى الأفق على مد البصر، لكن عينيه ترى تقارب السماء والماء، والحياة متمثلة في التقاء السماء بالماء،  وتلك الغيمة تهبط مسرعة نحو خط الالتقاء،  وتزول الغشاوة،  والقلب يهوي ليلامس معادن مركز الأرض الصلدة.. ماذا يسمي المولود القادم! عماد ؟!! لا،لا،ليس أن يهوي بجسده هو الحل الأنجع .. لكنه انزلق وأنجز الحل في لحظة يأس شديد.. شجاعة لا تُمارى!!!