أمل خائب

PDFطباعةإرسال إلى صديق

 الدخان يتصاعد ببطء من لفافة التبغ التي حملها بين أصابع يده وهو سارح في تفكير عميق يقلب أفكاره ويضع التعبيرات ثم يمحوها ويأتي بغيرها.. هاهو صديقه عرفان أكمل درجة الدكتوراه ورحل إلى بلاده منذ يومين فقط.. أفلا يخطط هو لمثله..

  وهاهو نفسه يجلس في منزل كان بالأمس غريبا عنه وهو يحاول أن ينضد كلمات تصلح من أجل البدء بمشروع زواج…
.. صديقته في المطبخ تعد طعام العشاء، دعته إلى منزلها ووعدته أن تحضر له طعاما من صنع يديها فهي قلما دخلت إلى المطبخ بشأن تحضير وجبة ساخنة، كيف سيفاتحها في الموضوع وهي حسب معلوماته عنها لم تعرف الاستقرار العاطفي من قبل.. يمكنه أن يبدأ معها في الكلام عن الحب والارتباط بين الجنسين بشكل عام ملمحا إلى أهمية الزواج في الحياة، أو يمكنه أن يدخل في الموضوع من دون مقدمات فهي صديقته الحميمة الآن وقد تفهم ما يدور في خاطره.. أمر محير،حاكى سريرته:
- لندعها تأتي كما تأتي، هي فكرة سأرميها وأرى تفاعلها معها إما تصيب وإما تخطئ.
ثم أردف لنفسه:
- ولكن لنأكل أولا فلا رأي لجائع مثلي.  
عادت هايدي من المطبخ ورأته سارحا، وقفت أمامه وقالت:
- ربع ساعة ونأكل، هه.. أين سرحت، مع السحب أم مع النجوم والأجرام البعيدة.
انتبه إليها وكأنها أيقظته من سلسلة أفكاره المتضاربة في شرود عميق، قال:
- أتمنى أن يكون الطعام لذيذا، أكاد أن أسقط على الأرض من شدة الجوع.
وضحك ملء فمه وضحكت معه ثم قالت: - سترى!.
رجعت إلى المطبخ وهي خائفة على الطعام من الاحتراق في الفرن فتخجل من نفسها ومن صديقها ماجد القرغوني..
هي اعترفت له ببعض الحب والإعجاب، لكنها لم تستطع لفظ اسمه الأخير بشكل صحيح حتى بعد سبعة أشهر من صداقته لها.
بقي جالسا على كرسيه وأمامه صور التلفزيون تتحرك بصمت، لم يأبه بها وعاد إلى الشرود بعد أن أشعل لفافة أخرى، تفتحت أمامه دروب الذكريات والماضي، تذكر وطنه وأهله، ثم ضحك من نفسه على تلك اللحظات التي كان يصعد فيها على سطح مبنى كلية الهندسة ليستطلع الجبال الشرقية وينظر من خلال جبلين شامخين باتجاه الشرق إلى وطنه فيرى تلك النافذة الوهمية التي كانت تعيده إلى هناك فينادي الأهل والوطن، خيل إليه أنه يحضر مراسم عرسه في باحة منزلهم الواسعة في إحدى ليالي الصيف الوديعة الجميلة وإلى جانبه تلك الفتاة التي كانت في سن السابعة عشر وقد اختارها له والده بعد أن أتم الثانوية والتحق بالجامعة في العاصمة. آه.. تلك أيام قد خلت، وقبل الخطوبة الرسمية قرر والده أن يرسله إلى لندن من أجل الدراسة بعد أن حرضته الأم على ذلك حين رأت أن جارتها قد أرسلت ابنها إلى فرنسا للتعليم، كانت تغار منها بشدة رغم أن والده كان يملك الكثير من المال الذي كانت تتمتع به يمينا وشمالا. ترك ماجد تلك الأحلام ورحل،  ورحلت معه أحلام تلك الفتاة الصغيرة. تذكر لندن وأيام الغواية فيها والمرح الذي طغى عليه من اللعب بالأموال التي أفاض بها والده عليه..  جلب الساقطات إلى منزله بحضور الأصدقاء من أمثاله وعقد الحفلات الساهرة والأمسيات الباهرة

إلى أن تم تخرجه من كلية الهندسة بعد ثمان سنوات من العناء الدراسي والمرح الماجن. بعد أن انتهت إقامته هناك رحل إلى ولاية نورث كارولاينا في أمريكا والتحق ببرنامج الدراسات العليا كيلا يعود إلى بلاده مخافة أن يدخل في خدمة بلاده في الجيش ويحارب مع من يحاربون. ظل أسير عواطفه الجانحة واستمر على هروبه من واقع بلاده. أمضى أربعة أعوام من اللعب كثيرا والدراسة أحيانا حتى حصل على شهادة الماجستير التي كان غيره يكملها في عامين. مازال والده يرسل له النقود بشكل يفيض عن حاجته كطالب ولكنه ظل يطلب المزيد والمزيد. ولما بقيت الحرب قائمة قرر البقاء مهاجرا خشية إلزامه بخدمة بلاده كمحارب على الجبهة بين أزيز الرصاص ودوي القنابل. التحق ببرنامج الدكتوراه رغم معدل درجاته المنخفض وأمضى فيه ثلاث سنوات من اللهو لم يتقدم إلا خطوات قليلة. طرده عميد الكلية من القسم فسافر إلى ولاية مونتانا في الشمال البارد وحل فيها طالبا أيضا. حصل بعد سنة على منحة دراسية في مساعدة أحد أساتذته في البحوث الهندسية، وتقاضى بذلك خمسمائة دولار في الشهر بعد أن ضاقت أحواله المادية ولم يعد باستطاعة والده تحويل النقود له بشكل مباشر. ضاق ذرع والده به أيضا بعد كل هذه السنين، لم لم يقدم حتى الآن على الاعتماد على نفسه ويريح والده؟! بقي في نظر أبيه طفلا رغم مظاهر الرجولة عليه، فقد بدا صارما مقطب الحاجبين حاد النظرات كث الشاربين ممتلئ الجسم أسمرا، يغري بالرجولة من يراه.. يمضي قسطا من نهاره في النوم ويجلس في الليل إما خلف جهاز الكمبيوتر في مكتبه الصغير في الجامعة أو في بيته ساهرا يشرب ويقلب في محطات التلفزيون كأنه يحلم بفتاة أو ينتظر فتاة، أو يقلب صور أهله ويغطس في نوبات من الذكريات والحسرة أو يدخل في حالات من الاستياء من الأيام والقسوة.. وكان له أصدقاء من جنسه يترددون عليه بين الليلة والأخرى يتكلمون في أمور البلاد والحرب والعباد، يجهز لهم طاولة من المقبلات الشرقية وزجاجتين أو ثلاثة من الويسكي الاسكوتلندي…


ثم فجأة امتنع عن استقبال أصحابه واستقبال الساقطات اللواتي يعملن مقابل أجر.. لقد تعرف إلى هايدي روتشيل، طالبة في السنة الأخيرة في كلية الصحة البدنية وإحدى لاعبات فريق كرة الطائرة للبنات في الجامعة. رغم رشاقتها وتمريناتها المتواصلة فقد بدت بدينة في أردافها وساقيها.. أعجبه ذلك. لم يكن هو من ممارسي الرياضة أو ممن يهوى مشاهدة المباريات الرياضية بأنواعها، اضطر إلى مجاراتها فصار يذهب ليشاهدها أثناء التمرينات والمباريات فكان يجلس الساعات المتواصلة رغما عنه، لم يكن ليبالي، فهذه أول مرة تقبل عليه فتاة لشخصه دون أجر مباشر. اعتد بنفسه ورجولته وتغيرت طباعه،لم لا وقد أخذت تعيش معه في خياله حتى وهي بعيدة عنه. تلذذ بشعوره أنها تراقبه ليل نهار. صار ينتظرها على أحر من الجمر، يجلس في (الكافيتيريا) منتظرا إياها حتى تعود من حصة دراسية.. يدللها ويطعمها ويثني عليها ثم ينتظر جوابها، وهي تشعر أنه غريب الأطوار والطبائع باهتمامه الشديد بها. رأت فيه تجربة كما جربت غيره وغيره فحياتها سلسلة من التجارب مع أمثاله من الشرقيين.. لم تصاحب أمريكيا قط ولم تأبه بمن من عرقها لأنهم لا يبدون لها الاهتمام المباشر والكلمة الرقيقة بعدما يحصلون عليها أو يحصل تعارض في الآراء. قالت إنها من أصل ألماني وإن أجدادها قدموا من ألمانيا في منتصف القرن الماضي يبحثون عن تمثال الحرية والرزق في الأرض الجديدة.. في الواقع لم تكن تعرف أصلها فقد قدمت إلى هذا العالم من أم دون زواج وألقيت في بيت التبني عند هيئة الخدمات الاجتماعية حتى تبناها رجل وامرأة وهما من تنادي بأبيها وأمها. كانت لقيطة، ثم حملت اسم أبيها بالتبني ريتشارد روتشيل. ثم كانت في الثانية والعشرين حين أعادت تجربة أمها الحقيقية فحملت ووضعت بنتا ألقتها بعد يومين في بيت التبني التابع لهيئة الخدمات الاجتماعية ـ ومن يرغب بطفلة تأتي من الغيب لتقف عقبة في طريق اللهو وسدا أمام المرح وجدارا يحبس أنفاس الحياة ..!! كثرن اللواتي يخطئن فيحملن ثم يرمين بفلذات أكبادهن إلى الفراغ، وكثرت معهن وكالات التبني، تلك الوكالات التي تدعي حمل صفة الإنسانية بين طياتها وشعار الأخلاق الفاضلة بين ورقاتها. ما أتعس الإنسان عندما يهوى نفسه بإفراط دنيء ويعبد ذاته إلى الحد الرديء، وما أتعس المجتمع الذي يدفع الضريبة غالية عندما يترك الأخلاق تسبح في بحار انعدمت فيها المسؤولية الاجتماعية والروحية .


راح ماجد وهو في منزلها ينتظر في اللحظات الأخيرة من تحضير العشاء يقلب ذكرياته مختلطة بحقيقة تلك الفتاة التي شعر أنه يحبها بشدة وولع. لم ير في ماضيها ما يسره ويجعله طامعا أشد الطمع في الزواج منها. هكذا أخبره عقله. ولكن كان قلبه يأكل بعضه وتتسارع دقاته إعلانا بإذعانه لفتنتها التي لا تفارق مخيلته: لماذا أتزوجها وأنا أحصل على ما أريده منها دون زواج... لا.. لا أظن أني أضمنها فهي لعوبة ومذبذبة في علاقاتها ولا أجزم أنها تنظر إلى الاستقرار، متعتها في انتقالها من حضن إلى حضن. ثم خاطب نفسه بشدة وحزم: لا.. لقد ضمنتها خلال علاقتي معها فهي لم تتعلق بأحد من الرجال غيري، كنت أراقبها عن كثب ولم يمض يوم تقريبا إلا وكنا سوية ماعدا تلك العطلة التي ذهبت فيها لزيارة من تنادي أهلها وأقاربها، كانت تتصل بي هاتفيا كل يومين.. لا يهمني الماضي فنحن أبناء الحاضر، يمكنها أن تبدأ معي عهدا جديدا من الحب والانسجام ثم الزواج. رغم حبه لها كان تردده في الإقدام على الزواج منها نابعا- دون شعور منه- من سمعتها الرديئة بين من كانوا زملاءه وغيرهم ممن يحيطون بهما، بدا خائفا من هؤلاء الزملاء وكلامهم الذي لا يرحم، هذا ما جعله ينفر منهم ويدير لهم ظهره وسمعه. لم يعترف بذلك حتى لنفسه فهو يواسيها بأنه ابن اليوم وأنها ستكون زوجته التي سيحميها من كل لسان: .. سأتزوجها!
دخلت عليه قادمة من المطبخ وهي تقول: أخيرا الطعام جاهز وشهي. أفاق من تفكيره وكلامه مع نفسه وأظهر أسنانه عن ابتسامة صغيرة ثم نهض وهو يقول: أرجو أن يكون الطعام كافيا فقد جعلت جسدي خائرا من الجوع ونفسي تمضي إلى البعيد وتضيع، سألتهم الصحون ثم ألتهمك. قالت: هناك الكثير منه وليس مني. ضحك وضحكت.  دخل إلى غرفة الطعام بجوار المطبخ فوجد الطاولة وعليها صينية متوسطة الحجم من المعكرونة بالحليب واللحم المقطع وشمعة مضاءة وكأسين إلى جانب زجاجة من النبيذ الأحمر بالإضافة إلى المناديل والأطباق الفارغة والملاعق والشوك. أحجم لعابه عن السيلان وعقله عن التفكير والدوران بعد أن استعد بكل جوارحه إلى لقاء تلك الوجبة التي حسبها أنها ستشبعه من ضخامتها وتنوع أصنافها. باشرا بالطعام. قالت: آمل أن يعجبك الطعام. أجاب: نعم فأنا أحب المعكرونة جدا. لم يظهر عليه أنه يهز رأسه شمالا ويمينا علامة النفي ولكنه كان فعلا يهزه.. على الأقل هذا ما شعر به بشدة. لا.. لم يهتم للأمر كثيرا فهو يعرف أنها ليست طباخة ماهرة ولكنها صيادة ماهرة اصطادت قلبه وسيطرت على عقله دون أسباب واضحة وسمات براقة. سكبت له كمية ثانية ولم يبق في الصينية شيء يؤكل. التهم ما في الصحن وأخذ يفكر فيما يقو له لها عن موضوع الزواج. تذكر ذلك اليوم من الأسبوع الماضي عندما ذهبا في رحلة إلى نهر مونتانا البارد وكانت في ثياب السباحة تسرق بعض إشعاعات الشمس التي بدأت في الدفء في أيار، حين استلقى إلى جانبها وأخذهما الحديث عن الحياة ثم عن الحب والالتزام به، وقد قال لها:  كيف ترين الحياة؟
- كتلة من المشاكل التي أضعها في زجاجة وأغلق عليها السدادة تماما مثل مصباح علاء الدين.


- نظرة جديدة لم أسمع بها من قبل!
- تصور أن الحياة هي المارد الأقرع الضخم وهو مسجون في ذلك المصباح الصغير يقاتل نفسه محاولا الخروج والانتشار في الفضاء فلا يستطيع إلا إذا طلبته.. وأنت ما عليك إلا أن تحاول جاهدا ألا تطلبه لأن عودته صعبة ومريرة.
- .. وإذا جاء أحد وأخرجه من دون إرادتك؟!
- وقتها أستخدمه لصالحي ثم أهرب منه حيث لا يراني.. هي الحياة كذلك تمضي ولا حساب إلا على ما تجلبه لنفسك من الهموم والمشكلات.. اهرب منها، هذا هو الحل الأفضل.
- أحيانا يكون في الحب مشكلات وأشياء لا نراها.. هل تحبينني مثلما أحبك؟
- أحبك ولكن لا أعرف إذا كان بالقدر الذي تحبني، ممكن أكثر وممكن أقل.. أعرف عنك الكثير.. في الوقت نفسه أتمنى أن أصل إلى قرارة نفسك من دون معاناة، وأترك ذلك للزمن.. إن فعل فلا بأس وإن لم يفعل فهي مشكلتك أنت.. وأنا عندي الخيار.
عندها الخيار، هل هذا صحيح؟! هل هي واثقة من نفسها كل هذه الثقة أم أنها تحب اللعب بالكلمات لتقنع نفسها أنها على حق فيما تقول وتفعل؟! جاست الأفكار خلال شبكة الاتصالات في عقله، تعطل بعضها وانهزم القسم الآخر، ثم عاد إلى موضعه على مائدة الطعام.
انتهيا من تناول الطعام ولم يجرؤ بعد على الكلام عن الزواج. جلسا وأخذا يشربان النبيذ حتى مضت نصف ساعة.. ثم ساعة كاملة. تباطأ الكلام ولاحت معالم الثمالة على الوجوه والتصرفات والكلام. كان بين الكلمة والتي تليها فرصة للسامع أن ينام ثم يصحو، تمددت هايدي على الأريكة الطويلة وبدت مرتاحة مسترخية لا سهلة ولا مستعصية. بدأ ماجد في كلامه عن الحب والانضمام إلى جوقة العشاق الحقيقيين في الحياة وهو يمهد لتعبير مناسب يقو له عن رغبته في الزواج منها، ومازال يمهد ويمهد ثم يتلكأ ويتردد حتى أخذهما الكلام عن البشر ممن يعرفان:
- أظن أنك تعلمين أنني تركت جميع أصدقائي من أجلك.. نعم من أجلك.
أدارت برأسها نحوه ثم قالت:
- لا.. ليس من أجلي .. تخاف أن يعيروك بي فجميعهم يعرفون عني ما يعرفون. سمعتي غير جديرة بالاحترام من قبل الذين من جنسك، وفي الحقيقة لا أدري كيف تنظرون للأمور بهذا الشكل والمنظار الغريب! الرجل لا يعيبه شيء، أما المرأة فيعيبها حتى أنها امرأة !.. نظرة القرن العاشر أو الثامن
- هذا لا يهمني.. ما يهمني هو أنني أحبك أنت الآن ولا أستغني عنك لحظة.
نظرت باتجاهه وجفناها في استرخاء يغطيان النصف الأعلى من عينيها ثم تفوهت بكلام بطيء خال من نبرة اكتراث:
- ولا أنا.. تعودت عليك كثيرا حتى أكاد أخالك قطعة مني.. إننا ممتزجان كامتزاج السوائل.


لم يفهم قصدها تماماً ولكنه استمر في الحديث:
- نعم، أعرف ذلك وإلا لما فرحت بهذه الوجبة البسيطة من صنع يديك.
جلب الكلام انتباهها أكثر فقالت في نفسها بصوت شبه مسموع:
- وجبة بسيطة! لقد عملت بها لمدة ثلاث ساعات.. ثم أكملت بصوت أعلى:
- بسيطة ولكنها شهية وممتازة.. أليس كذلك؟
- هذا صحيح !..  سرح قليلا.. نظر إليها وعواطفه المحتدمة تتفاعل في داخله.. اقترب منها ورائحة النبيذ تفوح من فمه فلم تبال أو تشعر بها. فجأة قال:
- لا أدري لماذا اشتقت إلى الصديق القديم عرفان.. أغبطه على قراره في العودة إلى أهله.. كان من أعز الأصدقاء.. هو الوحيد الذي استمرت علاقتي معه بعد أن عرفتك ثم أحببتك.
فوجئت من كلامه، ولكن ما كسر حدة المفاجأة هو تأثير النبيذ على عقلها وأحاسيسها. قالت:
- سافر وسافرت معه ذكرياته.. عليك أن تنساه.
- لماذا أنساه.. لم أر منه إلا الصداقة الجميلة والخير.. كان شهما، نعم كان شهماً ووفياً..
- لا أعتقد ذلك..
- لماذا؟!
- لا أدري ولكن هذا رأيي.. تجاربي في الحياة ليست يسيرة.
- لماذا؟!.. هل حاول أن يسرقك مني عندما كان يأتي لزيارتي! أذبحه ذبح النعاج...
لم تفهم عبارته الأخيرة بشكل واضح فقد ترجمها ترجمة حرفية من العربية. كان متكئا إلى جانبها.. تلاطمت الأحاديث البطيئة قليلاً...  ثم كثيراً.. حتى توصل ماجد إلى جوهر تلك الحقيقة التي صعقته في عقله وأطفأت شعلة نفسه.. وأنارت شعلة خيبة الأمل بأشعتها التي اخترقت قلبه حتى أضحت النار فيه لظى مستعرا من الغضب والقهر والانهزام...
لقد ودعت هايدي عرفانا وداعا حارا وسعيدا طوال الليل قبل سفره في منزله منذ يومين.. وثب ماجد المخمور من مقعده والغضب يلوك قلبه بأنياب طويلة ويأكل من روحه الهائجة وجسده المحموم... فهل يؤذيها أم يؤذي نفسه في هذه اللحظات!!