مراثي القمر

PDFطباعةإرسال إلى صديق

تحت سحابتين متجاورتين جلس الضابط وصديقته الحميمة في الحديقة مقابل البحيرة يراقبان صغار البط ويتبادلان الأحاديث الشيقة والهمسات الرقيقة، الأشجار تخلع ثوبها وترمي بأوراقها الصفر الكالحة فتتهادى مع نسمات الهواء ونفحات الحب والآمال

 ثم تحط على الأرض فتجرفها أقدام المارة إلى حيث تشاء الأقدار. بدت الشمس كبيرة القرص وهي تنحدر إلى الغرب في عصر يوم العطلة الأسبوعية، وهدير السيارات مختلط مع حفيف الأشجار ومع جلبة الأطفال الصادرة من الساحة الرملية.. البط يسبح في البحيرة غير مبال بما ستجلبه الحياة له من أنواء أو دعة واطمئنان، أو يتمشى على أطرافها بحرية وخيلاء أو يرقد مستسلماً لأقداره وهو يمسح ريشه بمنقار صلد عريض. استمرت الأحاديث الرقيقة بين تلك الأصوات المتداخلة مع صوت الطبيعة في لوحة واقعية من لوحات الحياة المستمرة ببخلها وعطائها في تلك البقعة من المدينة.. تلك البقعة التي تعني كل شيء في الوجود لقلبين متجاورين ينبضان فوق كل الأصوات ولهمستين تبارت أصداؤهما نحو الجوزاء، ثم ثبت الضابط أشرف نظره على سامية وقال:
حان الرحيل إلى بحري فلا تسلي
إن القرار قرار المجلس الوطني
انتبهت سامية من غفلتها في الحديث الرقيق وقالت:
ماذا جرى... ؟
      ... من سـوف يحرسني؟
يا أيها الحب إني قد عزمت على
رد الجواب إليك اليوم  في علن
أنصت هنا…
إني  قبلتك حبـا يا منى حلمي
نظر إليها أشرف بفرح وغبطة وعلى وجهه ابتسامة معبرة صريحة، أراد أن يطبق عليها ذراعيه ويضمها إلى صدره بعدما أيقن أنها أجابته على سؤاله لها بالزواج الأسبوع الماضي.. ولكنه أطرق رأسه للأسفل وقال:
في الأمس قلت بأن الموج في دعة
واليوم قالوا بأن الخصم في محن
ثم رفع رأسه وأكمل:  
لاتجزعي...
بعد القتال سيبقى العهد في قلمي


انسابت دمعة على خدها انسياباً، وأطبقت بيديها على يد أشرف وتمنت لو تضمه طويلاً قبل الرحيل إلى العباب في عمق البحار. وضعت حلمها بالزواج منه نصب عينيها يتلألأ في أواخر النهار من فصل الخريف الذي لا يعود قريباً.. لعل الربيع يزورها بعد المعركة ويكون اللقاء الكبير تحت الظلال الوارفة، وعلى المروج الخضراء. تمتمت في أذنه كلمات ممتزجة بالعبرة المتداعية الرقيقة والأمل المحزون وغصة البكاء:
يا صوت قلبي كفاك اليوم من فرح 
إن الحبيب  بموج  غير  ذي سكن
أين الزفاف وأين الحفل مختبئ
  هل في المعارك رحماء على السفن
أين الربيع وأين الحب يسعدنا
علي  أراك  بعيد الحرب يا زمني
تبسم أشرف بهدوء، داخله يحتدم بالأفكار ويضطرب بالتداعيات وران عليه صمت وهو في تفكير مخزون ذهب به كل مذهب ومضطرب، ثم أردف قائلا:
لا تجزعي  بقرار لست أملكه       
إني أراك بلا عزم إلى الكـفــن
أرجوك أن تقفي عند الحدود  ولا
تنسي بأنك عصفور على  فـنـنـي
هذا رحيلي سراب عند مقصده
حراً  أعود لأحضان إلى الوطن
فالريح عندي عدول حين  أرمقها
والخصم في وجل من  رؤية السفن
تحاملت سامية على نفسها ونهضت ثم أدارت بجسمها نحو بوابة الحديقة وهي تقول:
خذني لبيتي فإن البرد منتشر
..... في أضلعي ودمي
خرجا من الحديقة،البط في بيوته،والأطفال كفوا عن الصراخ، والجو يميل إلى البرودة،أوشكت الحديقة أن تخلو من المتنزهين.
في المنزل تناولا مشروباً دافئاً، فاجأها أشرف حين مد إليها يده وفيها هدية العمر.. إنه خاتم الخطوبة،حمله في جيبه منذ أسبوع منتظرا بحرارة وشغف جوابها بالقبول.. امتزجت الدموع بالبسمات في جو مشحون بتوتر وأحلام وأمنيات وخوف من الآتي. قبلت سامية الخاتم باعتزاز وشرف ثم حيت الضابط تحية احترام وإجلال وحب وأمنية انتصار. أمضيا وقتاً يستمعان إلى ضربات قلبيهما تحت أنوار خافته في صمت المساء وهدوء القمر على أعشاش الأحبة والشركاء. تذكر أشرف رحيله في اليوم التالي فقال لسامية:
مبروك، يا حب قلبي يا منى عيني
هذي سبيلي سأنهي جولة الحرب
   ... بالسيف والوهب


فردت سامية وهي تنظر إلى الخاتم في يدها حين مدت يدها الأخرى تحركه حول إصبعها:
روحي فداك وقلبي معول السجن
هذي سبيلي سأمضي في جوى الحب
أنت الهوى...  
 يرعاك ربك  يا نورا على دربي
أعلن النفير،رحل أشرف على متن إحدى السفن الحربية لخوض المعركة ضد الخصم بهمة عالية وروح وطنية متأججة.. استمر غيابه في البحر وقتاً حسبته سامية أحقاباً وأحقاباً.. كثرت الضحايا نتيجة تلك الحرب الضروس ولولا أن المعركة بحرية لانطبق عليها بأن الغبار وصل عنان السماء.. بل إن الرذاذ انتشر في أرجاء الفضاء وتصاعد الدخان إلى أطراف السماء.. إنه دخان الطائرات المحترقة والسفن الملتهبة والنفوس المضرمة،الخائفة من الردى،أو الملتهبة بالمشاعر الشجاعة... والضابط أشرف يصدر الأوامر بإطلاق الطائرات الاستطلاعية والمدمرة والمقاتلة من على ظهر السفينة، كان عنده عزم قوي ورأي جيد وقرار سديد.
في أحد الأيام الصامتة في عرض البحر والقمر يبعث الأشجان في القلوب كان أشرف في المنصة الرئيسية للسفينة يستطلع التجهيزات ويخطط لخطوات تالية،غمرته الأحاسيس الوطنية العميقة،وكانت ذات حمل عظيم،مسؤولية،أقسم أن يجابهها حتى النصر أو النهاية.. تداخلت تلك الأفكار مع تداعيات حبه الدافئ الذي تركه على اليابسة الباردة في باكورة فصل الشتاء، هذا الحب الذي يحمل معانيه في طيات روحه وتجاويف قلبه. ربط بينهما رباطاً وثيقاً أحاط بعقله وفؤاده واندمج مع ذرات أحاسيسه المنتشرة في عرض البحر.. تذكر تلك الأيام عندما تعارض واجبه الوطني مع حياته العاطفية وقد تغلب عليه الواجب الوطني وبقي حبه وذكراه يكوي ضلوعه ويمزق خاطره على ظهر السفينة تأخذها الأمواج إلى حيث تريد، وتجرها الأنواء إلى الطرف البعيد.. وحين أبى أن يستكين للعاطفة والهوى يجرانه إلى طريق الحب والاستقرار دون طريق الكمال والمسؤولية الوطنية. سمعه أحد زملائه يقول:
أحببت ساميتي أحببت مملكتي
إني مقارعها أدري مناورتي
أجبرت معتقدي في ترك  ملهمتي
فالأرض ناد تنـي في خوض معركة
والأرض غاليـة مفتاح مكـرمتي
عذرا على هيمي في حب ساميـتي
أجابه زميله:
ماذا  دهاك  لتهذي وقت معركة
إن الزمان زمان الحرب فالتـفت
يا ضابطا،يا أشرف الهـبة
فرد أشرف عليه بيقين وحزم:
الحب يكويني والحرب تضنـيـني
لكنني أسد لاشيء يـثـنـينـي
أقسمت أن أسعى والرب يـحـمـيـني
في الأفق آمالي بالشوق تـؤويـنـي
في حب ساميتي والأرض والطـيـن


وفي المدينة وعلى شاطئ الأمنيات والترقب والأمان المصطنع جلست سامية فوق الرمال تستمع إلى ذكرياتها مع أشرف وتستقصي مراكب الحب وأشرعة الهوى وتتبع الطيور فوق الأمواج وعلى صفحة البحر الواسع.. وإلى جانبها مذياع صغير تستمع منه إلى أخبار الحرب وتنتظر الأخبار مع العصافير البحرية العائدة ومع الأمواج الهادرة القادمة من عرض البحر بأسماكها الصغيرة في زبد الشاطئ.. بينما هي تشاهد الطبيعة بصمتها وبجلبتها وتفكر وتستطرد وتنتظر رجعت الأمواج صدى صوتها وهي تنادي أغلى الناس وتناجي القمر أن يخفي مراثيه ويرسل مراسيه الجميلة الواثقة إلى شاطئها الزاخر بالحب والشوق والجوى.. وعلا صوتها فوق الأمواج والسحاب وضرب النجوم الغائرة في بطن الكون:
يا أشرف الناس في قلبي  ومعتقدي
عدي  علي  وأطفئ جمرة الجســد
يا أشجع الخلق في درب يشاد به
ذا فخرنا بشجاع أكرم أســد
ما ذاق جفني نعاسا عند مرقده
في الروح سلسلة ويلي من الزرد
إني   لأنظر   يوما  فيه   زغردة
حبي أتاني  رفيق الموج  والزبد
ولهانة...    
ملهوفة...        يا أشرفا فعد
نصر لنا... 
نصر لنا...      يا ربنا فجد
سكتت سامية وسكت الصدى فجلب صوت الأمواج في طياته والنسيم في نفخاته إلى مسمعيها هدير الطائرات ورنين المدافع، تمثلت أمامها سفينة حبيبها تتهادى بهدوء فوق الأمواج تعلوها ملامح النصر والخيلاء،خضراء زرقاء وردية،ومن خلال الضباب البحري وعبر سديم الغبار الكوني، هناك شاهدت في رقة أثير البحار وجه حبيبها أشرف وهو يصدر أوامر العودة بعد النصر، ثم تعلو وجهه ابتسامته المعهودة، فازداد فخرها بحبيبها والتهبت مشاعرها في حب الوطن وعشق الحبيب وارتفع ضغط الدم في شرايينها فاندفعت نحو المياه وهي تصرخ:
نصر لنا ...   يا أشرفا فعد
نصر لنا ...   يا ربنا  فجد
انسلت بوادر الطمأنينة إلى نفس سامية حين اختلط الحس الوطني بالعاطفة المنتظرة،  فنامت تلك الليلة بانتظار أخبار الغد، وكلها أمل أن تشرق الأرض بنور ربها وتزخرف أمنياتها بأكاليل الزهور السعيدة.
انتهت الحرب، الخسائر كبيرة، لكن الفوز كان للقوات الصديقة.. أضحت فرحة النصر عظيمة لدى سامية، راحت تدعو ربها أن يعيد إليها حبيبها المنتصر سالماً من كل مكروه بعد شدائد الحرب ورهبة القتال ومرارة الحرمان. صارت تذهب إلى الميناء الحربي كل يوم لرؤية السفن العائدة من القتال وهي تحلم أنها تستقبل سفينة أشرف راجعة من بين أمواج المعارك وأهوال الحرب وتتوقع أن يترجل حبيبها الضابط من السفينة يحمل عقداً من اللؤلؤ الوردي فتنحني له ليطوق عنقها به حاملا راية الزواج، ثم يأخذها بين ذراعيه ويحملها عائدا إلى غرفة القيادة والعمليات ليجري أول عملية على بر الأمان فيحتضنها ويعصرها عصر البطل القوي المقدام.
عدة أسابيع مرت، كابوس ثقيل طويل  يرغمها على النوم، كلما حاولت الاستيقاظ يكبس على جفنيها الوالهين فتستيقظ دون انبلاج النور إلى العينين.. كل يوم ترجع إلى المنزل بعد الغروب مودعة تلك الطيور القادمة من البحر تصارع الرياح للمبيت على الشواطئ.. تستقبل الشرود، وينقص أملها ويخبو في عودة حبيبها البحار إلى أمن الموانئ وأحضان الحب والعواطف.


انتهى قدوم السفن إلى الميناء ولم يصل الحبيب إليها ولم تسمع أي خبر عن سفينته. حزنت حزناً شديداً وذهبت إلى هيئة البحرية للسؤال عن أشرف وسفينته، التقت بشخص تعرفه عن طريق أشرف، إنه الضابط خالد، أخبرها وهو يحاول كتمان حزنه بأن السفينة غرقت بعد إصابتها إصابة مباشرة بصواريخ العدو قبل انتهاء الحرب بيومين،التهمتها النيران نهارا كاملاً قبل أن يرسوَ ما تبقى منها إلى قاع البحر.. غرق من غرق ووقع الذين نجوا أسرى عند العدو وما من أحد يعرف عددهم. صعقت حتى أوشك الإغماء أن يلبسها ووقعة الدهشة أن تشل قواها، بكت بصمت وهيبة، انتابها شعور بالخوف الشديد والبرد القارس، ولما سألته عن الناجين أخبرها أن لا أحد يعرف أسماءهم أو مكانهم. اعتبرت الهيئات المسؤولة كل من كان على متن السفينة من المفقودين إلى أن تتم المفاوضات مع العدو لمعرفة أسماء الأسرى، وقتها يتم التمييز بين من ابتلعته المياه العميقة وبين من التقطه العدو أسيراً.
عادت سامية إلى بيتها مطفأة الأمل منكوبة الحال دامعة العيون وهي في ذهول من وقع الخبر. دخلت إلى البيت، أخبرت أمها وهي مكلومة القلب مغلقة الأمنيات، لم تتم فرحتها بالنصر، انقلبت إلى مأساة بعد أن نزح عنها الأمل باستقبال حبيبها أشرف المغوار. وفي غرفتها سكن الليل عليها وراعها سكونه وهدوؤه المجروح فراحت تصطاد ضوء أمل من القمر علها تسمع هاتفاً بأن أشرف مأسور ويعود بعد حين قصير. ومضت بها الأيام وفكرة الأسر هي ما تبقى لها من الشعاع النحيل والأمل الداكن فظلت تراودها على مر الساعات وهي تنتظر أخبار تبادل الأسرى.. وسطع نور القمر ليس له ضياء،  شعرت أنه يرثي لها حالها فعافته بعيدا وأيقنت أن لا مراثي للقمر في وجود بعض الأمل، وكلها أمنيات أن لا يكون أشرف قد هوى إلى كف الردى في أعماق البحار مقطعا من الانفجار أو رمادا من نيران السفينة. أذكت بصيصا من ضوء أمل في نفسها حين رددت:
إن ترمد العين  تحظى  بالدوا  أملا
والعمي يصعب في أن توجد البدلا
إني  لأرجو  دوائي  أن يسيح  على
قلبي برقة  أحلامي وما شملا
وعلى نافذتها المطلة على الشارع ذي الأضواء الخافتة والقمر في نصفه المنير ينظر إليها من طرف السماء، والنسيم مختلط ببعض البرودة، تقدم المساء وأوغل حتى هرم الليل في هزيعه الأخير،يؤرق سامية التي سرحت في نصف القمر الفضي وهو في دربه إلى الاختفاء عن الأنظار خلف سحابة كبيرة.. ظهرت النجوم الدكناء وتضاءلت الأضواء المتعبة، والأشجار المتناثرة على طرفي الشارع تزدحم كالأشباح الحائرة تود لو تهمد بعد لعب طويل.. انسابت الدموع من عيني سامية وبللت الغطاء الوردي في قلب كهوف الليل الأجوف العميق. لا أحد حولها لكي يمسح الدموع من على خديها الشاحبين، ولا ليعصر الغطاء الوردي، ولا ليهتف بالطيور أن عودي أو يعلن للرياح أن كفي.. لا أحد حولها ليلطف الروع وينسيها اللوعة أو ليغني معها أغنيتها الحزينة.. تلك هي مراثي القمر، ظهرت في خيالها تلك الليلة على شكل أبيات شعرية أو أغنية شعبية وكأنها حفظتها ورددتها منذ أمد بعيد.. استفاقت من وحدتها وأخذت تقول بصوت غلبه الهمس والشجن وخالطه العتاب والفخر والأمل:


يا ليل أين حـبيب القـلب يسـعـفـني
دمعي غزير وصوت الحب يعرفـني
بدري مراثي فوق البحر يقـذفها
إني  سئـمت وكهف الموج يـبلعني
يا بدر إن   المراثي لست أعرفها
إني طرقـت طريق الحب في  شجني
يا دمع أقبل  وبلل  وجـنـتي ودمـي
يا صبح أقبل فضوء النجم يحرقـني
يا أشرفا في دجـى  ليل أكـابـده
هـذا  الغدو إلى الإصباح  أرقـني
دعني بوجدي أزيل الوهم عن شـفـتـي
لكن  قلبي مداد للضنـى العـطن
مقـدام يا أشرف  الأبطال يا مثـلـي
من سوف يحمي حماي اليوم من محني
أو من يقوم  على الغربان يطردها
لما تعود إلى الأشجار في  سكني
يا شجرة  الحي  قولي  للردى مـرحـى
عفت الصفاق، شددت القلب بالرسـن
أدمـيـتـه فعصرت الحب من جسـد
لم يبق عندي خليل كي يصاحـبني
ما من مجـيب  يعيد الصوت ملتـحما
قد مات عقلي فـدون العقـل لم أكن
إن  راح حبي شهيدا مات لي بـطـل
إني  رجوتك يا مولاي فاحـرسـني
أو كان  أشرف  في  أسـر  وفي  ألــم
فـك  الأسير من  الأعداء والحزن
وبعد أن أنصت الليل إلى كلماتها وبكائها أطبق جفونه وانسل إلى كهوفه ونام نوما عميقا حالما بالرعد والبرق والأنواء والعواصف ونيران السفينة كي يخلع الآلام من أطرافه ويحمل الوداد والطمأنينة للمستحقين.. ثم انطلقت الطيور فوق الأمواج المزبدة تبحث عن جديد.


أمضت سامية أوقاتها بالانتظار والتحسب ولكن الأمل رغم الظروف القاتمة أبى أن يستكين، ظل يبعث بإشعاعات رفيعة كليلة نحو القلب والشعور. صارت بين فترة وأخرى تتصل بخالد وتسأله عن أخبار الأسرى وعن أي خبر جديد في قيادة البحرية ينم عن ضوء أمل أو إشعاع بريق النجاة. مرت شهور،عرضت أول قائمة أسماء أسرى الحرب عند العدو على شاشات التلفزيون وتحولت سامية إلى أذنين مرهفتين وعينين حادتين متلهفة سماع اسم محبب على قلبها أو رؤيته. ما كادت تنتهي القائمة حتى عادت إشعاعات الأمل الكليلة إلى كهفها في ليل عتيم، اضمحل البارق العارض إلى مواطن الأسى والحنين المستعر. بقيت معاني الحب ترفرف فوق تلال الحزن وجبال الوجد في عالم سامية المتضائل، وعادت مراثي القمر-عوضا عن مواساتها- تهاجم وحدتها وتعكر صفوا كاد أن يتبدل. أضحت كغابة تئن من لظى حريق أصابها فحولها إلى جذوع فاحمة خاوية بعد أن كانت غناءة تحمل الخضرة والبلابل والحياة والجمال.
وفي لقاء مع خالد علمت سامية أن لائحة الأسرى الماضية لم تضم أحدا من زملاء أشرف ممن كانوا معه على السفينة، رجح خالد أن يكون كل من على السفينة غرق معها، ثم عاد وأبقى نسبة ضئيلة لاحتمال أسر من نجا حيث أن العدو يراوغ لكسب جولة أخرى من تبادل الأسرى.
تعددت اللقاءات مع خالد فصار يتمناها ويثني عليها وعلى رباطة جأشها، ثم على جمالها وأنوثتها الجذابة الرقيقة. أعجبها إطراؤه لها ومع ذلك أخبرته عن نفسها بأن أشرف في قلبها حتى وإن قضى شهيدا بطلا.  شعرت أن خالدا يرثي حالها فتراجعت وانكمشت على نفسها، هي لا ترغب أن يرثي لها حالها أحد من البشر ولا حتى القمر. في الواقع لم يكن خالد يفعل ذلك وإنما وقع في حبها واستحالت لياليه إلى سهر وأرق بشأنها. اقترب منها أكثر محاولا توصيل نفسه البريئة إلى قلبها وهي بالمقابل ترفض متمسكة بحب أشرف وذكراه. بعد محاولات خالد في ترميم تلك الغابة الشعثاء والنفس المتقهقرة في ذلك الجسد الجميل والقوام الفتان نجح في إيصال شعوره الصادق ونيته السليمة إلى قلبها.


لم تأت أخبار عن دفعة جديدة من الأسرى وقد وضعت الحرب أوزارها ونسي معظم الناس تلك الحرب وانصاعوا لأشغالهم اليومية وهمومهم المعاشية. أخذت عملية إعادة بناء نفسية سامية وقتا غير قصير وجهدا غير يسير من خالد،حتى إذا كانت تلك الليلة التي رأت فيها سامية أشجار الشارع تتحاكى وتورق أغصانها خلعت على مهل خاتم أشرف البطل الشهيد من إصبعها وقالت:
كل الذي  فات  طابت  فيه ذكراه      
والذكر  بعد  الردى  يعطيه  معناه
إن  الحياة  كما  باتت   تـباعدنا      
والنفس في  جدل  أن  ترحل  الآه
يا صبر روحي كفاك اليوم من ملل      
إني   لأعـلـم   أن الفرد  أواه
عدي  علي زماني  أعطني حكما     
إن الحكـيم يضيء  الكون مسراه
الدرب  درب  حياة  لا مضاء  به       
لـلـحامليـن  لنفس  ليس  تهواه
جهز خالد حفل الخطوبة وكان ذلك استهلالا لبداية علاقة عاطفية استمدت قوتها من النية السليمة والشعور الصادق. نهضت سامية إلى مراحل أفضل من الشعور تجاه الحياة وتكملة الرحلة. وفي الوقت الذي كان خالد يدفع الخاتم إلى إصبع سامية كان يقول:
ياساميه.. ياحبيبه..  عندما  كنا  
في روعة الزمن الأبهى على فنن
إني حلمت  بأني منشد  حسن  
قد قلت ساميتي في الكون والزمن
لم تسمعي طربي قبل الأوان  إلى 
أن جاء عطر أقاحي جنة  العدن
هاك اقبلي قسمي والروض منتعش
بالطير والطيب  والأنفاس والبدن
قبلت سامية الخاتم وهي تزهو وثغرها البسام يطلق أنواره في الأجواء فيحيلها صفاء وحياء وهمة عالية في استمرار الحياة. ظهرت النواجذ الثلجية الممزوجة بالماضي، وتورد خداها عند أنوار المستقبل الذي اختاره القلب. قالت:
أقسمت أن أخرج التاريخ من صحفي
فالهم عندي بدا من أتـعس الحـرف
يا رائدا …       
 ياخالدا... أقبل إلى طرفي
يا حاضري ...   
يا موعدي... أقبل إلى الترف
قد راق  قـلبي لعهد كنت أرفضه
واليوم أرجوك عهدا يمتطي شغـفـي
هذا أنا... والروض في  طرب
بالورد والعطر  والريحان من  هدفي
هذا أنا … والبحر  في    نغم 
بالحب  واللؤلؤ الوردي والصدف


ثم استكانت هنيهة،انسلت من الواقع.. شردت، ذكرتها تلك الكلمات على النقيض بأهوال البحر وبالسفينة الغريقة والحب الذي انطوى معها. انتبهت إلى نفسها،استفاقت وأمسكت بيد خالد تؤكد له حبها وتغذي عواطفها القادمة.
زفت سامية إلى خالد وبدأ العسل يقطر من أجواء حياتهما معا. مرت سنة وأضحت أجواء المنزل أكثر غبطة وسرورا بحمل سامية وبداية تشكيل عائلة والمضي في سنة الحياة كما أرادها الخالق. انطوى الحب الماضي في صفحات التاريخ إلا من ومضات عابرة  لا تخدش أو تهين، وصار التطلع إلى المستقبل والعناية بالحاضر من الأهداف العليا التي تملأ الأوقات وتشغل النفوس، وتنحي العقل عن الوقوع في أفكار الماضي الحزين.
في مساء أحد الأيام كان خالد في طريقه إلى المنزل، أشغل تفكيره بالتقلصات المبكرة عند زوجته الحامل، وبموعد الطبيب غدا، تمنى أن تسير الأمور على ما يرام وينتهي هذا الحمل الصعب نهاية سعيدة له ولزوجته، ثم فكر بالشائعات الجديدة في الإدارة عن صدور قائمة من أسرى الحرب الماضية، ما أكثر الشائعات، ألم ينس الناس الحرب ! كانت سامية في تلك الأثناء جالسة في المنزل تنتظر زوجها..  تشاهد برنامجا في التلفزيون وتطرز لباسا للوسادة، وأمامها بطنها التي يملؤها الجنين. توقف التلفزيون عن البث لحظة ثم ظهر المذيع ليعلن أن هناك نبأ هاما.. توقفت عن العمل وإذا بالمذيع يذكر الناس بالحرب الماضية ويعلن عن عودة ستة أسرى كانوا قد اعتبروا من عداد الشهداء الذين احترقوا أو غرقوا. شهقت سامية شهقة سمعها جيران الليل الفتي في ذلك الزمان العصيب. كانت الصفعة أليمة حين سمعت اسم الضابط أشرف، حينها أحست سامية الحامل بكذب الأيام عليها والغدر المختبئ في طيات الأفكار والقلوب. ومن هول المفاجأة نسيت أو غطت بصيرتها غشاوة بأن القضاء ليس بالغدار أو اللئيم وأن تلك هي حكمة الله في خلقه على وجه الأرض. قالت سامية وقطرات الدموع الكبيرة تسيل ببطء على وجنتيها:


كذبت روحي فإن الصبر مفـقـود 
من كان يدري بأن الفرد موعود
قد كـنت أحسب أن الدهر منهزم     
إني هزمت وذاك السعـد مطرود
دخل خالد إلى المنزل،رأى آثار الدموع التي جفت على وجنتي سامية زوجته ورأى في عينيها الجميلتين حمرة.. حيرة وقلقا وضربا من الخوف والانكماش فقربها منه وضمها إلى صدره بحنان ورقة وقال:
أي ساميه، ماذا جرى حبي؟ 
... ألقاك في ألم
فردت سامية وعلى وجهها إمارة استغراب وتعجب من الدنيا وانفعال أوشكت على إخفائه:
قد جاءنا بغتة...      
عاد الأسير إلى الأوطان والعلم
عرف خالد على الفور من تقصد فقد تذكر تناقل الضباط والجنود في القوات البحرية إشاعات عن صدور قائمة من أسماء الأسرى ولم يصدقها أحد. سألها إن كانت قد تأكدت من الأمر فأجابت بالإيماء وهي تنظر نحوه وكأنها تخشى شيئا ما.. ليس منه بل من الدنيا،  من نفسها. فرح خالد لنجاة أشرف وفي الوقت نفسه ساوره القلق والتوتر على زوجته وحبه وحياته، والحالة العاطفية التي اجتاحت سامية. قال في نفسه: أحس أنني أقرأ فيها أن الحياة خدعتها تحت السراب وعجلت لها حبا جديدا أنساها الماضي وشأنه حتى قامت ولملمت أشلاءها واندمجت في موكب الحياة القادم ثم في لمح البصر عاد الماضي يصرخ دون مقدمات أو إنذار. ومرت على خالد ذكرياته في حياته مع سامية وأشاد بالتقدم الذي أحرزه في شراء قلبها الحنون وعاطفتها الدافئة وأيقن أن حبها له حقيقي دون شوائب.. رجع إلى الأوقات التي أمضاها معها تحت سقف الزوجية والأهداف التي سمت معهما في هذه الحياة. ومع ذلك وعى أن عواطفها وآلامها تجاه الماضي لا يمكن أن تندثر من عالمها دون تأثير، وهي التي - في تلك اللحظات - غمرت شعورها بالحياة وكونها في كنفه تحمل جنينه. اتجه نحوها ببصره وقال بلهجة لطيفة وهادئة:
يا ساميه، أنت حبي فاسمعي :


يا ساميه، أشرف الـمـعـهود عاد  إلى
أرض خلت من حـبـيب لا من الصحب
إنـي  حـمـدت  إلـهـي أنـه حـي
الـلـه  أنـقـذه،  ما ذاك  مـن عجبي
حسبي  بـحـبـك إنـسـان  بلا زلـل
إن  عفت  حبي   فإني  فاقــد الحسب
أنت الحـبـيـب فلا فـرد يـشـاركني
إن  خلت  ذلك  فالإخـلاء مـن طلبي
قال ذلك ولم يؤيد قلبه ما قاله لسانه عن الإخلاء. ما كان من سامية إلا أن أجابته بصرامة وقد خلت العين من الدموع فاحتدت نظرتها وارتفعت عن وجهها إمارات الحيرة والخوف:
هذا  هراء، فداعب بالهوى شعري
أنت  الحـبـيب  وما أحلاك  من  طلـب
إني رضيت   بأقداري بلا  مضض
حبي  لزوجـي  سما يقتات  من سحبي
يا خالدا يا حـبـيبـي أنت مدخري
تبني صحائف عمري  في صدى  الطرب
غدر   الزمان   شعور  ليس  يصرفه
إلا  الحبيب  وضرب القلب في  شغب
أحببت  منك  غدي  فالنفس  تائـقــة 
أحببت فيك  غدي والنفس من ذهب
ناءت لجوزائها..   
        . .. طارت إلى الشهب
بعد يومين وصل أشرف إلى بلده، أنهى الإجراءات الرسمية ثم اتجه مسرعاً إلى بيت سامية. قرع الباب وهو متوجس أو فرح، لا يدري، شعور اختلطت فيه أفكار جيدة وأخرى تائقة للقاء القادم من الغيب. اندهشت أم سامية وارتعدت من الخوف أولا إلى أن استقر نظرها على أشرف، رحبت به،  أخذت تجيب على أسئلته، لم تطق هذا الأمر.. تململت وتكدرت.. ماذا تقول وكيف تشرح له، ثم أعلمته بفقدان الأمل من عودته وأخبرته عن أحوال سامية وهي تدري أنها قد تقضي عليه. فوجئ، وكيف يكون ذلك، هل توقع منها الانتظار،حزن حزنا شديدا على نفسه وتمنى لو كان باستطاعته تهريب رسالة من أسره إلى سامية ليعلمها أنه مازال حيا يرزق.
لم يطاوعه قلبه أن يزج باللوم تجاه سامية بعدما علم أن اسمه كان في قائمة المفقودين والشهداء حتى وقت قصير.  لام الحياة والأيام والدهور والشعور، ليس له أن يلوم أحدا أو أي شيء.. إنها الأقدار ومشيئة الكون تحت المشيئة الإلهية والسيطرة الربانية، ليس له إلا أن يحتسب! رحل عائداً إلى وحدته وظلمته التي عهدها في الأسر. تمنى في نفسه السعادة والهناء لسامية على الرغم من النار التي تلتهم ضلوعه والأضراس الدنيوية التي تلوك قلبه وترميه إلى عرض البحار، إلى حطام سفينته الغريقة .. تلك الذكريات عادت ولن تفلته يهرب منها. انضم إلى مرددي مراثي القمر، وأين له أن يعرف ذلك فهو مازال يرتكز على أعواد الذكريات ومكامن الأفكار الجميلة. ثم تمنى لو تذكره سامية بخير وأن لا تحمل في قلبها نحوه كرهاً.. لو كان يدري ما بخاطرها وما يجول بذهنها وذاكرتها لكان نصف سعيد. أصبح خائفا كل الخوف من نفسه أن تدفعه عواطفه قسرا إلى الذهاب لزيارتها ورؤيتها. ولما عاد إلى القاعدة للسلام على رؤسائه وأصدقائه تحاشى لقاء خالد كي لا يحرج نفسه ويحرجه.
وعندما لم تسعفه نفسه على النسيان والسلوان قرر أشرف إرسال هدية للعروسين دون حضوره قبل أن ينطوي على نفسه ويمضي بحياته بعيداً عن المدينة حيث تقطن محبوبته الأولى وعشقه المزمن. هل يقدر على تغيير الظروف؟ وهل له أن يعاكس القدر أو يقلب الحقائق؟ أم هل ينسى ويحمل العبء بعيداً عن أنظاره؟ أجاب على الأسئلة لنفسه ثم أرسل الهدية ورحل إلى مقصده البعيد لكيلا يعكر صفو حياته أكثر وأكثر وهو موقن بأنه لن ينسى حطام السفينة والسريرة والحبيبة. غطس في مراثي القمر فزاره القمر بنصفه الخالي من النور يرسل الشعاع الداكن نحو الذكريات القديمة.
وصلت الهدية وعليها اسم أشرف، إنها مهداة للعروسين.. استغربت سامية من أمر الهدية ونادت خالدا فقطب حاجبيه ملياً ثم أظهر ابتسامة صغيرة. خافت سامية من نفسها كما خافت قبلها ثم انتبهت لنفسها وأخبرتها بهدوء أن لا مراثي للقمر بعد اليوم. فضا غلاف الهدية وفتحاها فوجدا معها رسالة تبارك لهما الزواج وتتمنى لهما السعادة والهناء. وفي نهاية الرسالة كتب أشرف:


إني قبلت بأقداري بلا مضض
إن كان أمري بأرضي أم على القمر
يا أصدقاء حياتي دون  رؤيـتكـم 
حسبي أهنئ عرساناء عن قدري
أبكي لأني حرمت الدفء  من زمني
أزهو لأن رفاقي في  هنا العمـر
يا أصدقائي هنيئا من علا روحي
يمضي الزمان وعمر المرء للعبـر
لا أحمل الكره نحو الذاهبين،ولي
في وسعة الدهر سلوى خلتها سفري
هذي الحياة تـداوي كل  مرتـحل
ها قد سلمت من الأعداء في سقر
يا أصدقائي دنــا هجري إلى سقمي
              ... هل يحلو مدخري؟
أصابت الدهشة سامية وخالدا من تماثل قولها لخالد مع قول أشرف في رسالته (إني قبلت بأقداري بلا مضض)، نظرا إلى بعضهما نظرة شعور بالضيق والأسى على أشرف، ثم ما لبثت النظرة أن تحولت إلى لقاء الأيدي ثم الجسدين في احتضان مملوء بسمات الحب وإمارات العاطفة وسارا معا إلى غرفة  تبادل الشعور بالهدوء والحب والأمان.