ماذا له في الصين

PDFطباعةإرسال إلى صديق

عجوز قديم قِدَمَ قاطرات نقل القار في الغرب الأمريكي، عاب الدهر عليه منظره،عدّى الزمن عليه سنة بعد سنة وعقداً بعد عقد، عرّى سحنته من النضارة والحيوية وأعطاها أخاديد متداخلة وأخرى مجعدة ثم تكرم عليها وأهداها حللاً متهدلة تحت الذقن والفكين

 تكاد تخفي معالم الرقبة وأعلى الصدر، ولم ينس العظام فقوس الطويلة منها وأوهن الأخرى،اختفت عيناه الغائرتان خلف مناظر محدبة وسميكة في إطارين غليظين معتقين ومشبعين بالغبار، غطت أعلى رأسه وجانب من جبهته المجعدة الواسعة قبعة بنية تخاله ورثها عن جد أبيه من أواخر القرن الثامن عشر، وتدلى من صدغيه المنقطين من آثار الشمس بضع شعرات بيضاء، لا صلة لها بشعر وجهه الرمادي الداكن الذي لم تمسه شفرة حلاقة منذ أسبوع أو أكثر، تكاد لا تميز موقع الفم بسهولة فلا أسنان تعكس معالم الفم الذي انخفض من الأمام والجانبين حتى غابت الشفتان المهتزتان داخل صفحة الوجه المكور دون تحديد،تجاوز التسعين أو أكثر بكثير، ثيابه أقدم منه، سروال بني قصير وعريض عليه بقع أشبه برقع من القماش الأسود تكاد تختفي تحت معطف مخضر اللون من زمن حرب الشمال والجنوب، وحذاء مشقق كأنه خارج من منجم فحم حجري بعد انفجار كبير.
مررت بهذا العجوز جالساً على مقعد خشبي عند المدخل وأنا في طريقي لشراء طاقة من الأزهار من مركز (فونز) للتسويق في مدينة الهامبرا (الحمراء) الواقعة إلى الشرق من مقاطعة لوس آنجلوس. رغم أن شعارها "ولا غالب إلا الله"، عبارة محفورة تتردد على جانبي قوس من الحجر المزخرف في مدخل هذه المدينة الصغيرة من جهة الجنوب، بحيث تخال نفسك سترى بعد قليل معالم قصر الحمراء الشامخ في بلاد الأندلس (إسبانيا)، لكنك تستغرب حين تظن نفسك على عتبة بكين الحمراء أو في مدخل تابع لهونغ كونغ مدينة سباق الخيول، غالبية عظمى من العرق الصيني، العديد من لوحات المحلات التجارية مكتوب عليها بالصينية في شارع الوادي وشارع المنصور، أقل بقليل من مدينة الصينيين (تشاينا تاون) الواقعة في قلب لوس آنجلوس، رائحة الحساء البحري (الأويستر) تفوح من المطاعم، والبط المشوي المحمر مازال يحتفظ برأسه وقدميه، يتدلى من قدميه بشكل منتظم خلف زجاج المطاعم يدعو الجائعين ليتخلوا عن شفقتهم عن البط الحيوان.


جلس العجوز على المقعد الخشبي بنصف مقعده كأنه يتأهب للهجوم على شيء.. لعله يستريح من عناء المشي لكبر سنه أو ينتظر أحداً في مدخل مركز التسويق، لفت نظري وأثار فضولي فتباطأت حركتي وأنا أنظر إليه وأتفحصه، القسم الأسفل من وجهه يتحرك بسرعة ورأسه يميل يميناً ويساراً بحركة غير طبيعية، يخرج من بين شفتيه الغائرتين لعاباً كالزبد أو الفقاعات. اقتربت منه وأنا أمشي ببطء شديد فإذا به يهذي كمخلوق رد أسفل سافلين، أعرته أذني فإذا هو يتفوه بكلام لا يفهمه السامع إلا بصعوبة، يشتم، يسب، يلعن، ألفاظ بذيئة مقززة تخرج مع الزبد والأنفاس المتلاحقة. جذبني فضولي المتزايد نحوه فجلست على مقعد مجاور وشرعت أتظاهر بقراءة الإعلانات المتناثرة على الجدار خلف المقاعد، ألفاظ بذيئة وشتم وسب يتوقف قليلاً ثم يبدأ من جديد،لم أستطع في بادئ الأمر الربط بين توقفه عن الشتم وبين أي شيء حوله، أهو من مخلفات أيام الذهب في كاليفورنيا وحمى الهجرة إليها من كل حدب وصوب، أم من مخلفات الحرب مع المكسيك، الظاهر أنه أقدم من ذلك، ألم تنجح مساعي أبيه أو مساعيه مع الذهب أم أنه لم يملك عملاً في حياته ‍‍‍‍‍! لا قريب يحنو عليه ولا صديق يمنعه من هتك حلله القبيحة، أم أنه لا حكومة تساعده..! لعله من المحاربين القدماء، أكل الدهر عليه وشرب فنسيه المجتمع بعد أن حصل على الفوز بالمعارك، قلدوه الأوسمة ومنحوه التقدير المعنوي حتى هرم ونسي كما ينسى البساط البالي في الأرض الخلاء، لكنه لا يتسول ولا يستجدي أحدا كالذين عادوا من الحروب دون عمل يقفون على مخارج الطرق السريعة مع علبة ركيكة أو قبعة قديمة أو مع كلب أجرب ينتظرون شفقة أهل العصر السريع الأرعن.. كان من الأفضل أن يرمي بنفسه في المحيط الهادئ لتبتلعه الحيتان القاتلة مع صغار الفقمة الوديعة، قد يكون عسر الهضم فعضلاته جفت وعظامه مهترئة..
ثم وقفت عن كثب، دقيقتان ثم اكتشفت بعض السر، كان يشتم العجائز مثله.. كلما توقفت مجموعة من الناس يقرؤون الإعلانات بدأ الشتائم والبصاق وتبللت ذقنه ليمسحها بكم معطفه المخضر الرث. دقيقتان أيضاً ثم عرفت السر كله.. إنه يشتم العجائز وغير العجائز من الصينيين فقط.. غالبيتهم يمرون غير مبالين.. يتوقفون فيعترضهم بألفاظه المنحطة ولعابه المقزز ونظراته المتتابعة وهو يهز رأسه فيعرضون عنه ويتابعون داخلين إلى المركز، يبتسم بعضهم تلك الابتسامة البلهاء الساذجة، أم تراها ابتسامة القناعة والحكمة، أم لعلها ابتسامة السخرية مع تلك الانحناءة البسيطة، تذكرني بالتأهب لللقيام بحركات الكونغ فو الرشيقة أو التايكواندو المتزنة الرزينة. استفزته تلك الابتسامات وزادته غيظاً وهو يقذف الرذاذ على ذقنه ويرسل متمتماً تلك الكلمات اللاسعة، كنت قريباً منه لكنه لم يعرني اهتماماً كأنني غير موجود في عالمه، شتمته عجوز صينية بعبوس ثم استدارت وأكملت طريقها إلى داخل المركز، ثم قال لفتاة صينية: اللعنة على سكك الحديد التي جلبتكم إلى بلادنا أيها الجنس الحقير، الموت لكم جميعاً، ما أكثركم وما أنتنكم. ابتسمت له الفتاة ثم استدارت نحو مخرج المركز بخطى متلاحقة سريعة وعلى وجهها علامات تعجب واشمئزاز، ثم دخل المركز ثلاثة من المستحاثـات الصينية يجرون بعضهم بعضاً، رجل وامرأتان، واحدة منهما تتكئ على عكاز.. ردهم الله إلى أرذل العمر مثله، تقدموا باتجاهه، الرجل أقرب إليه من المرأتين، قطب الرجل الصيني حاجبيه وهو ينظر إلى الإعلانات من خلال عدستي نظارته الثقيلة. تمتم العجوز:


- أولاد السفلة أنتم.
رماه الصيني بنظرة تساؤل ثم عاد إلى ما كان عليه. عاد وقال:
- تمشون على هذه الأرض وكأنها ملك لكم يا أولاد الـ…. عودوا إلى صينكم يا أكياس القمامة.. خذوا البط وارحلوا إلى الجحيم.. ما أكثركم يا أبناء الـ… كالفئران في الإنجاب والتكاثر.
ابتسمت له المرأة العجوز المتكئة على عكاز كأنها لم تفهم كلامه، مد يده تجاهها وأخذ يزبد ويتمتم: تضحك كالبلهاء الـ… خرقاء ابنة الـ… . 
رماه الرجل الصيني بنظرة أخرى وكاد يقول شيئاً، لعله يريد تأديبه أو سؤاله عما يريد، سحبته إحدى المرأتين ثم اتجهوا إلى داخل المركز. عاد العجوز إلى البصاق والتمتمة: كانوا عمالاً حقيرين يساعدون في بناء السكك الحديدية في هذا الغرب الجميل، أفسدوه أبناء العاهرة... أصبحوا أهل بلادنا، أصبحوا أسياداً هؤلاء الحثالة، يصدرون أكوام البشر إلى كل الدنيا، ما أكثرهم أولاد العاهرة نسل إبليس.. جنس خسيس....
ثم أخذ يمسح ذقنه بعد أن سال اللعاب على معطفه. قمت فجأة من مكاني، تركته وهرعت إلى الداخل لانتقاء طاقة من الزهور، فقد تذكرت أنني تركت زوجتي وابني في السيارة، كنا في طريقنا إلى المستشفى لزيارة عائلة صديقة لنبارك لهم المولود الجديد.
أثناء خروجي من المركز كان الرجل العجوز قد اختفى، دخلت إلى السيارة وعقلي يدور بما رأيت وسمعت، وعلى وجهي ابتسامة تدل على الاستغراب والدهشة من خلق الله، زوجتي تسألني عن التأخير وسببه،أو بالأحرى تؤنبني، هممت بإخبارها ونحن في طريقنا إلى الخروج من المواقف فإذا بجمهرة من الناس ملتفين حول إنسان مكور على الأرض، ألقيت بنظري جانباً فإذا بالرجل العجوز منكب على جانبه يرتجف ويرتعش ويئن من الألم، لقد أصابته سيارة فارهة لامعة أثناء رجوعها إلى الوراء، سائقها شاب صيني بثياب أنيقة وربطة عنق زاهية.