اليقين الخفي

PDFطباعةإرسال إلى صديق

لا يفهمه أحد، أم أنه لا يفهم أحدا ممن حوله، مهندس في إحدى الشركات الاستشارية، ناجح في عمله، صبور على العقبات، تنتابه نوبات انعزال عميقة يسرح من خلالها في الفضاء الواسع، يتذكر زوجته وابنته الشابة اللتين تركهما ليعيش في بلد آخر

 ويعطي لنفسه الوقت الكافي للتفكير والشرود كل ليلة مع أفكاره الدنيوية المجردة. يزورهما مرة في السنة يتفقد الأحوال السطحية ثم يعود إلى البلد الذي يعمل فيه ليغطس من جديد في عزلته الليلية ودوامات أفكاره، يحب الدنيا ويستمتع بها على وتيرته الانبهارية ويفكر ثم يفكر ولا يفهم أسباب تعلقه بابنته وقلقه الشديد عليها من الحياة والوجود، تركها مع أمها منذ أن كانت طفلة وهو مازال على هذا المنوال من الغربة والعزلة، ليس كمثله أحد في نظرته إلى نفسه وإلى من حوله وإلى الحياة والممات ثم الاندثار، وكذلك الكون بأجرامه ومجراته من حوله، يقتني كتب الفضاء، استكشافاته وغوامضه، ويتابع كل نظرية أو حقيقة في هذا المجال، ثم يرسل عقله خلال المجرات خلف النجوم والأجرام ويبعث بأفكاره تصول وتجول في متاهات لا تلبث أن تصبح أشعة تغذي يقينه وتقويه بأن الوجود والعدم سواء، فقد خبا شعاع الشعور في الرأس وانطفأت جذوة الإحساس في النفس، يعتقد أن الكون كله بدأ من ذرة واحدة منذ ملايين بل بلايين السنين، أو يكاد يقنع نفسه أن الرقم مجهول ولا يعرفه أحد، ثم أخذت الذرة بالاتساع والتنوع تحت ظروف مبهمة وهي تدور حول نفسها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم وهي في طريقها إلى التمدد حتى ما لانهاية، يدور حول نفسه مراراً مرسها إلى الآفاق الوسيعة عله يتوسع ويكبر ثم يضمحل ويعود، يجلسه التفكير في مكانه ويجهده التنظير فيقرأ في كتب الفلسفة

اليونانية القديمة، والأساطير الغابرة، يستمتع بخرافات الآلهة المتعددة، يقرأ عنها ويبتسم حيناً ويعبس حيناً، يقينه أن الكون مقادير فيزيائية تتمثل في علم ما فوق الفيزياء من التحول المستمر وتفسر على أساس أن الهلاك قادم لكل شيء حسب القوانين المكتشفة في هذا العلم، هو هكذا في طريق الثبوت والإحلال، مجرات تختفي،  ومجرات تولد من جديد على حساب أخرى، الكبيرة تبتلع الصغيرة بفعل التجاذب والتداخل، أليست الفكرة مألوفة بين البشر على قشرة الأرض!  والمادة السوداء يتألف منها معظم الكون بل كله، أهذا هو الأمر!  لا أحد يعرف ماهيتها،  اكتشاف رهيب قد يغير نظرة الإنسان إلى الكون وعناصره، نجوم ملتهبة ونجوم عاطلة عن العمل بعد انتهاء حياتها، مادة دون إشعاع، لا تمتص موجات الضوء ولا ترسلها، مجهول يتفتق عن مجهول ولا نهاية للاكتشافات ولا نهاية لأطراف الانطلاق.
يفكر أحيانا أن الحياة حلم سوف ينتهي ويستيقظ الحالم فإذا به جسد ذهبت عنه الروح وتركه نبض الشرايين، وهل يعي الجسد حقيقة الوجود من دون روح! أو هل تتبدد الروح إلى لا شيء كأنها لم تكن ترتع في الحياة! ثم يرجع ويتهم نفسه بالسذاجة ويربط الأحلام ببعضها ليرى أن الحقيقة ما هي إلا ماهيته الحالية التي تتطور وتتطور وتتسع إلى أن يصيبها الفناء الأخير ولا رجعة بعده، ويعود لأي شيء فلاشيء هناك، يوقن أن الحياة بقوانينها ما هي إلا دماغ مغسول ومسير حسب ما يرى البشر على مر العصور، يكره البشر أحياناً لغبائهم المستمر، ويعجب من العادات الاجتماعية المفروضة على كل المجتمعات بأشكالها المختلفة، يؤمن أن الإنسان للإنسان في حدود إنسانيته الدنيوية من أجل أكبر قدر ممكن من الاستمرار والتقدم ولاشيء خلفها مما يكرسه البشر ويضربون به أعناق الحقيقة التي يحلم بها. لا يلبث أن يصحو في الصباح إلا وهو قانع أن وجوده لا خيار فيه، وعليه أن يجاري البشر في ما يعتقدون وفيما رسموه له ولأنفسهم من الطرق والأسباب، ثم يعود إلى منزله وهو مكان عبادته لذاته المستبدة يسرح فيها حيث يشاء دون أن يشعر برقيب أو طريق معين مفروض.. ما ألذ الذات حين تعرف نفسَها.. نفسُها التي تدري أن لا مناص من الحياة والفناء.. إلى أين؟! إلى ما لا نهاية.. إلى انعدام الجسد والروح وانضمام العناصر إلى حركة الكون الجبارة المتمددة، إليك يا أيها الفضاء ويا أيها الكون العتيد. لا يتذمر من أخذ الأسباب التي تعينه على قضاء حوائجه، ولا يقرض نفسه أمراً يحتاج إلى تفكير على الطريقة التي يسمعها كل يوم ويخوض فيها دون أن يملك لها أمراً من الصنع، ثم يتمرد في داخله على نفسه التي لا تستطيع إطاعته في النزوح عن أمر البشر أو لا تقدر على الخلاص كلياً مما تعلمه في صغره أثناء نشأته من غسيل دماغه الذي قام به أبواه وساعدهم المجتمع على محاولة ترسيخه فيه، حاجات الجسد.. حاجات الروح.. حاجات الوجود إلى مسيرة الانطفاء الأبدي. ينقم عليهما ويتهمهما بالتبعية لسذاجة البشر.. هذا فيما يظن ما وهبه السذاجة في أسلوبه ومجاراته لمعتقدات البشر من حوله..
هو في الثانية والخمسين من عمره، لا يأبه بالعمر أو السنين، يستبشر بالحياة ونعيمها ولا يبتئس لمنغصاتها، يفلسف الأشياء والأفكار فتخرج عنده بمعانٍ مختلفة عما ألفه البشر مما يسمع في الصحافة والأخبار، يحاول ترك الطبيعة تأخذ دورها فهي بالنسبة له أعلم منه بأمره، وهي أيضاً خبيرة في أن تنتقي له ما يجب أن يكون، إنها قوة جبارة استطاعت أن تغلب الجميع واستطاعت أن تغالب نفسها وتغلبها وتستمر من خلال التغيير والصبر على ما يخالجها من تغييرات دون المساس بماهيتها الصامدة التي ستؤول إلى الفناء بعد ملايين السنين حين تكبر وتتمدد إلى أن تفقد السيطرة ثم تبدأ من جديد.. أو لا تبدأ.. لا يهمه الأمر،

هو مقتنع بقانون السببية وأن لكل شيء سبب في هذا الوجود إلا الوجود نفسه فهو السبب والمسبب تربطه ببعضه علاقات فوق التصور والتفكير، يحاول الغوص فيها فيرتد خائباً فيستعين بآراء الفلاسفة في الكتب  ولا يصل إلى جواب يشفي غليله ويريحه، ثم يحاول من جديد ويذهب تفكيره في الفضاء وما خلفه ثم يعود إلى داخل نفسه ويقتنص منها براهين وأدلةً فيقنع أن الوجود جعل منه كائناً لا يجب أن يفقه كل شيء وإلا فاز عليه وطوعه ليسير خلفه.. ولماذا نطوعه.. نحن نمضي وهو يبقى إلى أمد بعيد!  يعجب بأفكاره إلى حد الثمالة ثم يصحو من أفكاره ويقلب كتب الفضاء أو يشاهد فيلما عن الفضاء من مكتبة الفيديو في منزله، يعود بعدها إلى التفكير مرسلاً نفسه بعيداً عن البشر وتشويشهم وشوائبهم. مات أبوه ولم يحزن على فراقه ثم تبعته أمه ولم يحزن على فراقها. لم يتحرك قلبه كما أخبره المجتمع أن يفعل فلماذا الضغط على نفسه واتباع الناموس البشري الآتي عن طريق غسل الدماغ. سيموت هو يوماً ما، فهل يحزن على نفسه، وما الفائدة من الحزن عليها إذا انتهت حيث أن النهاية آتية وما هي إلا قوانين الوجود التي إن لم يقنع بها انتهى إلى المرارة والأسى، وهو ليس مستعدا للغوص فيها طالما أن النهاية معروفة ولاشيء يأتي بعدها في رأيه.. لم يستطع أحد قبله درء الاندثار عن نفسه، ولن يستطيع هو فعل ذلك، سيتحلل الجسد كأي مادة عضوية كتب لها أن تتحلل وتمد الوجود بقوته وتساعده على المضي كما يريد. في إحدى المرات استاء من الوجود واتهمه بأنه يستغل البشر من أجل التوسع والاستمرار ولكنه بعد عدة جولات من التفكير والمناظرة كَتَمَ غيَظهُ منه وعاد إلى انعدام الإحساس نحوه لأنه قنع بضرورة دوره كعنصر مصنوع.. فهل يدخل جسده في أنابيب تسريع الجزيئات أكثر من سرعة الضوء لتتحول كتلته إلى قدرة تتلاشى دون أن يستفيد منها أحد؟!.
.. لكنه دون وعي منه دائم القلق على ابنته الشابة التي تدرس في الجامعة، يحبها دون حدود ولا يرغب أن يسمي ذلك حباً لأن المجتمع سماه كذلك، هو ذا العقل الباطن يتحكم بعواطفه في هذا الأمر ولا يطيق العزوف فيخضع، يعرف أن قلقه يتنافى مع قناعاته عن الوجود والفناء، ولكنه لا يعرف كيف يخفي قلقه أو يقتله داخل نفسه، تركها لأمها تسيرها حتى كبرت فتركها تصنع قراراتها بما يمليه عليها الوجود من وظائف ومسببات ولكن إحساسه نحوها لا ينطفئ إلا ليعود ثانية ويقطع عليه وحدته وتأمله في الوجود. لماذا هي ابنتي، وما معنى أن تكون ابنتي؟! أليست هي كغيرها من العناصر العضوية؟! جاءت من خلالي، فأنا الشريك الذي ساعد الوجود على صنعها كما صنعني هو، وهاهو الكون، مركوب الطبيعة أو الوجود يستخدمني مرة أخرى في سبيل أهدافه التوسعية، من أجل غذائه الناجع، من أجل انتصاره وزهوه، إنه جبار دون تفكير.. وكيف للإنسان أن يفكر ويتدبر إن أراد ذلك!.. تلك هي الإرادة.. المشيئة إن صح القول.. هل اتبعت قوانين الوجود الغريزية طوعاً أم كرهاً عن ضعف مني حين قررت أن أكون شريكاً في إنجاب ابنتي؟ من أنت أيها الوجود.. أحولي أم في داخلي؟.. نسيت نفسي وضعت في متاهاتها السحيقة!.. ثم خاف من نفسه التي حسبها تضعف أمام تيارات أفكاره وتنجلي عنها حقيقتها التي أرادها لها بإصرار ليلة تلو ليلة من التفكير والانعزال.


رغبت البنت في زيارة أبيها في عطلة نصف العام الدراسي، وافق شبه مجبر بعد إلحاحها. أتت وغيَّرتْ من صفوه في وجوده المادي الثابت وتأمله في فضائه المتحرك خلال وحدته الليلية. في أحد الأيام أخذها إلى السوق بسيارته، رأى أنه من الضرورة أن يفعل وكان متذمرا داخل نفسه لأنه يفعل ما يمليه عليه المجتمع أن يفعل. ولماذا يتذمر؟ إنها ابنته وجزء منه، يحبها دون دراية بمعنى الحب ومسبباته،اختلاجات لا يفقه معناها، واهتزازات لا يدرك فحواها، وليس له أحيانا إلا الطاعة لما تمليه عليه نفسه، خلع رداء التذمر ومضى، في الطريق وصل إلى مسمعه صوت المؤذن يقول الله أكبر فتجاهله كعادته. وحين صدمته سيارة صدمة عنيفة ماتت ابنته من غير كلمة وداع أو تعبير. رآها جسدا خاليا من الحياة في بداية الطريق إلى التحلل والاضمحلال. هل ستغذي الكون بعناصره الأولية؟! تأثر بشدة مفرطة وأراد أن يكتم أنفاس أفكاره ولا يتأثر..
.. تدبر ثم فكر وفكر حتى تغيرت الموازين عنده، لبسته الأفكار من كل حدب وصوب، وتسلسلت حياته بل حياة البشرية كلها أمام عينيه وبصيرته تحت حركة النجوم ولمعانها، والأجرام ومداراتها، والنيازك ولهيبها، والبعد الرابع في الكوة السوداء ومخاطرها حين تمتص المجرة الأخرى، ثم غطته سحب الوجود والدمار.. تلك السحب ليست بمادة وليس لها قوام، تخدرت من التفكير أحاسيسه، واندثرت روحه تحت رماد أطراف الحقيقة ثم انطلقت من جديد، وأصبحت وحدته الليلية مختلفة جداً بعد فقدان ابنته.. لقد اقتنع أن للكون مُدَبِّراً ذا قوة عظمى ليس للإنسان أن يعرف ماهيتها سوى أن يخضع ويتدبر ويتفكر ويتعبد. " ... يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار".