لا أرغب في العيش وحيداً

PDFطباعةإرسال إلى صديق

لا أحب الهدوء فهو يخيفني وكأن شيئا يأتي من ثنايا الوقت الماضي أو تلافيف القادم ليداهم أعطافي ويحتل كياني فيجبرني على التعامل معه دون دراية مني ودون تحكم وسيطرة، ولا أحب الضوضاء والانشغال الدائم فأنا أحتاج إلى الهدوء كما أحتاج إلى دواء يمنع

 عني الاسترسال في الحياة بعنف دون وعي مني، ولكني لا أحب الهدوء فهو يخيفني، فما لك وأفكاري، نعم هي ملك لي وأنا حُرٌّ في تصرفاتي تجاهها، وهي كم أتمنَّى أنها ليست حرة في تصرفها تجاهي. وأيضا لا أحب النتوءات الصغيرة ولا أرغب في صيد لا يكتمل رداؤه، نكهة الرعب تسير في أحشائي، تدب فوق مراسي الأفكار في كل كياني، تفر إلى ساحات القمر المتعجرف في ليلة ظلماء، وتقفز فوق شرايين الشوق إلى المجهول، ليته لا يأتي، لن يأتي، وتندرج تحت قوائم الترهيب وتعاود صرختها في دروب السراديب المتعرجة، هي مشارب لا شراب فيها ولا طعام، كنت عشوائي التفكير وأعرف هذا ولكن بعضهم قال بل هو مرتب النتائج يصل إلى ما يرغب ويستحوذ على القطعة الأوفى، لم أعرف ماهيتي وقدراتي لأنني لست أنا من أكون على الدوام، فلا أرغب في العيش وحيداً، ولا أحب النتوءات الكبيرة، فهل نتأتُ من الزمن أم أن الزمن حل ثقيلاً فضغط عليَّ فجعلني أبرز كنتوء صخري قاس متعجرف أمام نفسي مرة وهلامي مترجرج متأهب مرة أخرى. لا،لا، أنا بسيط وطري وطيب القلب وعواطفي تخدعني من طلاوتها وحلاوتها، أما عن تبرمي الكثير وتململي المستفحل فليس لي فيهما حيلة وكنت كلما راعني أمر من البشر أو الزمن انكمشت على نفسي وأرغمتها على الصدود والانفعال بعجرفة خلتها وخالها غيري قساوة وتعجرف، أرحل إلى الكهوف وأتمدد على رطوبة الآمال الخادعة فتستحيل آمالاً معكوسة فهي مبرحة، يخرج ضغط له صفير من لجة الأرض فيرقى، ويأتي دخان من أعمدة تولد النجوم ويلتطم نجم ونجم ونجم. من الذي دربني على الانعزال والصدود، ومن ركب معي مركب الأحزان من الوجود، وهل يحزن الوجود، وهل هو ضريح لكل ما هو عليه وفيه، قالت لي مرة نفسي وهي تعلك تلك النكهة المبرحة:


- عليك بدواء العافية من صيدلية الأعشاب السحرية في حبات الانتحار
خفت وارتجت ثم ذللت توجسي ثم ضحكت منها وقلت:
- لا أرغب في العيش وحيداً ولا أرغب في الموت وحيداً فكيف ترغمينني على ساحات اليأس ومراتب الحنين إلىالعدم بعد أن كنت أنا وكيف تجرينني إلى مسافة خرقاء بسيطة من القنوط الكبير لم تيأس البتة، وكل يوم وليلة تحدثني عن مؤامرات الحياة والوجود فلا أصيخ السمع لها وتحدثني عن معالم الطريق الغاشمة والغائمة ثم عن درجات السلم المهترئة فأهرب وأهرب، وتعرج بحديثها عن الوجود المظلم وهو الذي لا أشعر به إلا وأنا مخدر من تأثير الحياة... ساءلتها ساعتها عما يدور بخاطري فما عرفت إلا قليلاً، وساءلتها عما يعمل في خاطرها فأجابت:
- أنت لست وحيداً فأنا معك آمرك بكل ما تعمل وترغب.
فتحت فمي وقطبت حاجبي قائلاً:
- تأمرينني بكل شيء أرغب به وأنت ما أرغب أن تعتدلي كي أعيش بين الناس في وئام وأعيش مع موجات الزمن في تناغم، هذه معادلة تنم عن أنانية من طرف واحد
لم تأبه لكلامي فقد وقع القول عليها موقعاً صلداً فرده لي ضعفين في الصوت والحدة فخذلني وما أعانني على الصبر أنها نفسي ولا أريد لها العدول عني بهذا الأسلوب وبهذا التوجس منها. خرجت إلى الناس وهم في غفلة عني وحسبتهم يحترمون وجودي فأنا لم أغادر الحياة إلى محطة غيرها بعد.. فهي محطتي الأولى والأخيرة إلى حين مُسَمَّى وأنا ساعتها لم أصدق ما أرى وما يقولون عن أنفسهم في المظاهر والتعالي الجاف والخرافات الزمانية والمكانية.. قلت لنفسي: لا عليك. وهي قد قالتها لي بالمثل على غير عادة وهي تزهو بوجودي على قيد الحياة مرة أخرى، هل رحلت عنها الأنانية للحظات أم أنها ستستأنف من بعد لحظات، سأغذيها كل يوم بجرعة من أمل حتى تستوي ثم تنضج وتزهر، وسأصليها حتى تختمر في الاستقامة عندي، أما أن تحدثني عن الانتحار فهذا مخيف وسخيف وما تلك النتوءات الزمنية إلا هلاميات لا تنطق بالحق ولا تعرف وجهة عندي، فطوبى لنفسي، عادت نفسي، لا تحدثني نفسي إلا بعد استئذان فلا تتكلم معي ولا أتكلم معها فهي أنا وأنا هي لا فرق، لا همس ولا نحيب ولا عراك... سأبقى.