التقاعد

PDFطباعةإرسال إلى صديق

الطريق الملتوية موحشة، والهدوء المريب على تلك التلال كأنه يهبط بالوحي من السماء، والأشجار الكثيفة على جانبي الطريق المتعرجة تزحف ببطء نحو بعضها البعض على غير عادة تكاد تعصره عصراً.. لماذا وهو في غبطة كبيرة بعد هذا الحفل

 الكبير والهدايا التي حصل عليها من أصدقائه في العمل.. أي عمل! إنه لن يذهب إليه في الغد فهو من هذه الأمسية في عداد المتقاعدين،لا رغبة في الرجوع بعد الوصول إلى درجة الأمل المنشود في تحقيق الحلم اللذيذ.. مد يده إلى تلك الهدايا يتحسس وجودها على المقعد الخلفي للسيارة.. شعر بها كمصادر تمده بالحيوية والانتعاش، وشعر بنفسه المنتشية من جديد.. أخذ نفساً عميقاً وهو يميل مع أحد المنعطفات الحادة صاعداً التلة باتجاه المنزل، تباعدت الأشجار فأومأ لها شاكراً إياها لفسح الطريق، ولسبب ما لم يأمن لها كل الأمان من أن تطبق عليه في ردهات هذا المساء.. لقد خذلته من قبل، لكنه أطلق بسمة فالمساء جميل ومتوج بالغاية الكبرى التي حمل معناها لأكثر من سبعةٍ وثلاثين عاما.. لِكَمْ كره عمله وكم تحملت زوجته شكواه وأعانته على المضي في مشوار الحياة تحت عبء عمل لم يحبه قط.. وهل للإنسان إلا أن يتأقلم مع ظروف معاشه إن غابت الخيارات أو ابتعدت طرق البدائل عن الهمة والتفكير! ...


نعم المساء جميل متوج بالغاية الكبرى والظفر بالتقاعد، فلِمَ الخوف ومن ماذا؟ إنها الطريقُ نفسُها التي يسلكها كل يوم عائدا إلى منز له الذي بناه منذ عشر سنوات وكانت معه آنذاك زوجته العزيزة وابنه البار المطيع.. زوجته التي رحلت عنه إلى بارئها منذ سنتين وتفاجأ كل المفاجأة وهو الذي كان مترعاً بالأمل ينظر إليها أن تشاركه أيام التقاعد الجميلة بعد أن احتملت شكواه من الدنيا والعمل سنينَ طويلة.. نعم يحق لها أن تفرح وقد يتوقف الرجل عن شكواه من العمل المزعج بعد الوصول إلى التقاعد، وهل يتوقف عن الشكوى بعد هذا الإدمان؟ لو كانت على قيد الحياة لفكرت أنه سيجد شيئاً آخر يشكو لها ويشتكي منه.. هكذا قالت له مرة عندما ملت منه وهو يتذمر من العمل وعبئه.. ولكنه في هذه اللحظات على الطريق بين الأشجار وخيالاتها تمنى من صميم قلبه وجوارحه أن تكون زوجته معه ليريها أنه لن يتذمر بعد اليوم.. آه على الأيام تخذل الإنسان عندما لا يتوقع، وتلك الأشجار التي لا يثق بها أن تطبق عليه مرة أخرى.. إنها إرادة الخالق وهذه الأيام من صنع الخالق، رحمك الله يا زوجتي العزيزة لِكَمْ رغبت أن تكوني معي في هذا الحفل الكبير والزملاء يحتفون بي ويهنئونني على التقاعد الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر.... وابنه المطيع الذي ذهب إلى خارج البلاد من أجل الدراسة ولم يعد بتاتاً، جرته الحياة هناك فتبعها طائعاً ولم يعقب أو ينظر خلفه،حتى عندما بلغه الأب بوفاة والدته لم يحضر .. كتب مرة لأبيه في إحدى الرسائل- وكان شحيحاً بها- أنه تزوج من أهل البلاد التي هو فيها وأن له بنت سماها باسم أمه.. ابتسم  الأب ساعتها وعاب على الحياة تناقضاتها ومنطقها الأعوج من خلال تفكير أبنائها وسلوكهم الفردي والجماعي المتلاطم.. تمنى أن يعود ابنه إلى صوابه ويثلج صدر أبيه برجوعه من غربته إلى البلاد أو على الأقل بزيارة خاطفة.. ولكنه لم يكلف نفسه العناء ويرسل صورة ابنته إلى جدها، ففي هذه الليلة لم يبق لهذا الجد في الدنيا على الطريق المتعرج غير ذكرى زوجته وابنه الجاحد في مكان ما، وهذا التقاعد الجميل بين يديه حقيقة بينة…
 

في تلك الليلة وعلى مقربة من المنزل تلاشى حلم عودة الولد بعد هذا الغياب الطويل وقد مسح ذلك الحلم حقيقة التقاعد التي دقت الباب ودخلت إلى المنزل معه حين وطئت قدمه العتبة يحمل الهدايا وشهادة التقدير على خدمته في سلك الأشغال العامة....
يالها من ليلة عجيبة.. إنَّه ما كان يحلم به على مدى سبعةٍ وثلاثين عاماً.. السماء في الخارج أخذت تميل إلى الاحمرار والجو أصبح لا يبشر بالأفراح والمسرات ولكن مع ذلك فإن شعور الفرد خاص به ولا يتعلق بالضرورة في أهداب مناظر السماء والجو وأحواله.. إنه شعور داخلي لا علاقة للدنيا ولا للأحياء به على الإطلاق.. إنها أمسية التقاعد الفسيح والعمر القادم السعيد.. انتهى إلى غرفة الجلوس فجلس يلتقط أنفاسه من تعب مفاجئ وإسراع في ضربات القلب بعد أن أشعل جميع الأنوار من حوله، ارتاح ثم لاحت على وجهه علامات ابتسامة وهو يراجع أحداث تلك الحفلة الكبيرة : الطعام الشهي والهدايا والحفاوة من أصدقائه بمناسبة تقاعده.. بل بمناسبة خلاصه من التذمر والقلق النفسي والتوتر من العمل الذي لم يحبه يوماً.. وهاهي الرياح تدق أبواب التلال المجاورة من الشمال، ترامى إلى مسمعه سقوط لوح من الخشب على الأرض، ذهب الهدوء إلى سبيله خلف سهول الجنوب، أتاه صوت حفيف الأشجار من الخارج، الأشجار نفسها التي فسحت له الطريق قبل قليل، إنها ترسل رسالةً، لكنه في مأمن الآن وهو بين جدران منزله القوي، تجاهلها ثم غطس في بحر الذكريات القديمة وبدت له حياة العمل للحظات أبعد شيء عنه في الوجود بل تكاد تكون غير محفورة في ذاكرته إلا من بعض المواقف المثيرة التي لم تتركه يغفل عنها كثيراً. كان في السابعة والأربعين على ما يذكر عندما قطن في تلك الشقة في قلب المدينة مع زوجته وابنه.. وقتها وبعد مشاكل شديدة الحد عاتية استطاع أن يعيد الأمور إلى مجاريها مع زوجته وقد عاد إلى رشده وقاوم إغراء تلك الموظفة الجميلة التي كانت مسؤولة عن الأرشيف في الإدارة، كان في عنفوان رجولته كما اعتقد وشعر عندما أسره السحر النابع من عينيها النجلاوين واجتاحت فتنتها كيانه وألهبت فيه العواطف وحركت عنده مكامن الانجراف نحو الغريزة الإنسانية في الحفاظ على البشرية على وجه الأرض... خطبها وحدد معها موعد العرس واتفق على كل الأمور والمتعلقات، إلا أن زوجته انتبهت في المرحلة الأخيرة فأبطلت تلك الاتفاقات وقدت حبل الخطوبة بدهائها وحنكتها، وهو فضل أخيراً البقاء إلى جانب زوجته وابنه بعد زوبعة عاطفية طائشة تركت أغصان الحب والمودة عارية دون خضرة أو حفيف فترة من الزمن حتى أتته تلك النوبة القلبية العارضة التي أعادت تماسك الأسرة من جديد....  لقد حضرت تلك الذكرى، ذكرى تلك المرأة هذه الليلة، ولم تكن لتغيب عنه.. وما زاد الأمر جدية وحضوراً مجيء هذه المرأة إلى حفلة التقاعد هذه الأمسية، وما إن صافحته بشدة وحرارة تفجر عنده ينبوع الشباب الكامن في نفسه نحو الحياة في أيام التقاعد القادمة.. فبعد أن غابت سنين طويلة لم يرها فيها إلا مرتين أو ثلاث مرات على الطريقة الرسمية عندما كانت تأتي إلى الإدارة التي عمل فيها في بعض الأعمال، هاهي تريه نفسها فجأة من دون دعوة أو مقدمات وقد زاد على وجهها ثلاث عشرة سنة من التجاعيد الخفيفة حول عينيها، وكانت قد تركت الإدارة إلى إدارة غيرها بعد تلك الهزة العاطفية العنيفة التي عرتها أمام الحياة واقتلعت منها جذورها وأربكت أمورها في الأيام الماضية.. أثناء حفلة التقاعد قالت إنها لم تتزوج، فعجب للأمر وخاطب نفسه: لقد كانت جميلة وبراقة ومازالت كذلك، فلماذا لم تتزوج؟ أغلب الموظفين في تلك الأيام باتوا يحلمون بالذهاب معها إلى مغناها وتكلموا عن جمالها وغنجها وتمنوا سماع كلماتها العذبة وصوتها الحنون.. أما أنا فكنت أسير سحر عينيها الكبيرتين.. آه من عينيها، رغم ملامح التجاعيد حولهما مازالتا تربكانني إلى حد العي والاحمرار وكأنني مراهق.. تخجلني وتدهشني فينتابني رغم رجولتي خفر الغواني..


أخذت الرياح في تلك الليلة بالتناغم مع الأشجار بعد أن هدأت حدتها وتحولت إلى نسيم بارد. نهض إلى النوم متثاقلاً وقد تصيدته ذكرياته مع زوجته من جديد فسأل ربه الرحمة لها ومضى إلى الفراش مستقبلاً أيامه القادمة في ظلال التقاعد الوارفة، وذكرى زوجته الراحلة في طرف وأمل لقاء جديد بتلك المرأة ذات العينين النجلاوين في الطرف الآخر من خياله يداعبه ويحثه أن يعرض عليها الزواج حتى يمتعها معه في حياة التقاعد الوضاءة..
… لكنه مضى تلك الليلة فلم يستيقظ في الصباح ولا بعده.