انعدام الوزن والذقون

PDFطباعةإرسال إلى صديق

لا وزن لي، لا كتلة تحملني، لا وزن للأخلاق، لا وزن للتاريخ، لا وزن للعلاقات، لا وزن للمروءة والشهامة والفراسة والقيافة، لا وزن للذبذبات وللرنين، الوزن وزن نفسي، والوزن في هذه اللحظة وزن لمحة بصر خاطفة درجت ببالي، لا تعير للأرض ودورانها اهتماما،

 ولا تسدي للتاريخ وأطرافه انتباها، لا تحظى بالعودة ولا تنال من التقدم، تنهال عليها الأسئلة، وتنهمر فوقها التعليقات، ولا تدري بأي أرض تدرج ولا بأي فضاء تمضي، لا تعلم من محتواها إلا ما يمليه عليها الواقع المشؤوم، ولا تركن إلى الدنيا بما فيها إلا بما تمنحه إياها قسراً ومضة خاطفة من ومضات الأحقاد وشرارات البغض ووابل من العقد النفسية، أو ما تنتابها من موجات التخطيط المجرم ولوي الحقائق والضباب الكثيف والظلم المسموم. آه يا سعيد يا صديقي الحميم ماذا أضيف ولا أراه يطرف عيناً أو يظهر سناً أو يحيي تجعيدا في جبهته، إنه المذيع التلفزيوني، هذا الحيادي الذي ينقط حياداً أبعد من المريخ، نعم هو حيادي وسيصرفون له مكافأة مالية على حياديته وحرفيته، يتكلم عن جثث مشوهة وأطفال يموتون تحت الأنقاض، وقصف وحشي لا هوادة فيه ولا إنسانية،إنه لا يتأثر البتة، قلب من حديد أهنئه عليه، وأغبطه على رباطة جأشه وربطة عنقه.
أجابه سعيد متحرقاً: معك حق فالأوْلى أن نتعلَّمَ الحيادية فيما لا يضر مصالحنا، هي العولمة دون التعمق بحالنا والتقليد دون المسببات والظروف.

أضاف أحمد:  لا وزن لي، لا وزن للأخلاق، لا وزن للتاريخ، ولا ما تؤديه البشرية من الولاء لنفسها، ولا ما تعانيه القوانين الوضعية، ولا ما تركه كونفيشوس ولا ما قاله أفلاطون أو اصطنعه بطليموس،ولا ما أيده الكتاب الأحمر ولا ما خطته السريانية ولا الهيروغليفية،ولا ماجاء في الكتاب الأخضر ولا في صفحات المسلات من تشريعات حمورابي.
التفت سعيد نحو النافذة ثم أغلق الستائر وهمّ بتشغيل التلفزيون، عندها أردف أحمد: لا وزن للعلاقات العامة والاتصالات ولا ما يدور بين البشر وبين الحدود وعبر الحدود وبين المقامات الرفيعة والقنوات الفضائية والهواتف المحمولة والذبذبات الثقيلة والخفيفة، والمصالح المتبادلة بعنجهية والشبكة العنكبوتية، ولا وزن للعلاقات الخاصة بين الأفراد على الطريق وندماء الحياة والمترعين بالشوق إلى المزيد من العيش والاستكثار من التنفيس لكل البشرية من البداية إلى النهاية، والدرب واحد مقصود أو غير مقصود فلا أحد يحيد من البشر، ولا أحد يخرج عن النهاية كيفما يريد وحسبما اتفق، ومن يريد قد لا يدرك ما يريد، حتى النفس الأخير، ومن خرج حيا كما عيسى عليه السلام، ومن خرج مطمئناً كما محمد صلى الله عليه وسلم فقد رحمه الله عزّتْ قدرته وجلّ جلاله، وإلا: " وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً" صدق الله العظيم.
أدار سعيد التلفزيون، لحظات ونشرة الأخبار في منتصف الأرض تبدأ: تحذير غير رسمي، يا أصحاب الذقون الطويلة قصروها، يا أصحاب الذقون العريضة هشموها، يا أصحاب الذقون المفلطحة دققوها، يا أصحاب الذقون المدببة ابردوها، يا أصحاب الذقون العادية اهجروها. هز سعيد رأسه وقال: قبل أن أنظر إلى المرآة مرة أخرى سأزيل ذقني، نعم سأزيلها.
قال أحمد باستغراب: ألم تحلق ذقنَك هذا الصباح؟
أردف سعيد: المذيع يتكلم عن الذقون وليس عن اللحى.
استجاب أحمد قائلا: سأزيلها أنا أيضا.


استنكر سعيد الأمر مضيفا: لا،  يجب أن نبقي واحدة، أما أنا فسأزيلها بالكامل وأبقي على الأسنان والأضراس وأيضا اللسان والأربطة المحيطة به، وليس لي بعدها من الأمر في الدنيا شيء فأنا مكبل الإرادة أساساً مربوط اليدين مكمم الفيه ومقدم على ... لاشيء، فكل عام وأنا بألف ألف خير، أمشي وفي يدي فانوس الرؤية كي يراني الناس وعلى رأسي ناقوس الخطر يدق ولا يتوقف، مع المشي أو خلال النوم أو التفكير أو عند مشاهدة الأيام تطوي للوراء، وذلك كي لا أنسى ما أنسى وأحمل فوق ظهري عبء أناس الأرض وهو ينزاح ذراعاً خلف ذراع نحو هاوية الأمل، لا شيء أحلى من الأمل في هاوية لا تبقي ولا تذر، ولا شيء أفضل من أمنيات تسبح في الأيام من دون ذقون حتى لا يضحك أحد عليها لا من البشر ولا من الأحياء الأخرى.
أردف أحمد: بدأت متشائماً دون وزن ولكنك سبقتني أيها الصديق، لا تنس أنه ما زال هناك فكر عظيم يتمطى في غياهب العقول ويتصارع في مغارات الوجدان.
احتد سعيد قائلاً: واقعي أنا في توقعاتي وتوجهاتي، حالم في حياتي وحزمي المتهالك على أرصفة الوجدان الذي تتكلم عنه. لماذا لا ندمج عقلينا، عقلي وعقلك لنصبح في حالة توازن غير مرعب، أنت بذقن كاملة وأنا من دون ذقن على الإطلاق.
أردف أحمد والابتسامة تعلو محياه: تعيرني ذقنك كل يوم ساعة كاملة عند سماع نشرة الأخبار.
ابتسم سعيد بعد احتداده وقال: هذا ما لم أحسب له حساباً، التوازن هو في أنك تأخذ القسط الكامل من الضحك علىالذقون أما أنا فأصبح في أحلامي سابحاً ضد التيار ومع التيار وإلى كافة الجوانب دون تأثير الضحك على الذقون عليّ، وهكذا عالمنا متوازن فعال لا يتخبط،الفكرة صائبة صدقني.


قال أحمد: والتطبيق!
أسرع سعيد بالإجابة: أتركه لك فأنت من يَتُمُّ الضحك على ذقنه ولست أنا، أنا لا أعرف من الأمر شيئاً حينئذ.
قال أحمد: اتفقنا، ولكن بشرط.
انتبه سعيد وقد فوجئ بالإجابة: ما هو؟!
قال أحمد: أنت تشتري لي دواء وجع الرأس وشراب تخفيض الكولسترول وحبات الضغط وجهاز تحليل السكري والأنسولين وترطب لسانك وأربطته بالدعاء لي على الدوام.