زحف الأمنيات

PDFطباعةإرسال إلى صديق

 الأعصاب مشدودة ومتوترة، والعيون جاحظة نحو الأمام في الطريق إلى بلدة تريماونت الصغيرة في ولاية آيداهو الأمريكية، السيارة تسير ببطء مخافة أن تجنح عن الطريق العام المتعرج، الأرض مكسوة على مد النظر باللون الأبيض ومعالم الطريق مختفية إلا من آثار

بعض العجلات التي تظهر تارة ثم تختفي، الوقت يقترب من الثانية بعد منتصف الليل والحرارة تنقص عن التسع درجات تحت الصفر، مازالت السماء ترسل ثلجها الناصع الطري بغزارة نحو الأرض فيغطي السهول والهضاب والطرقات، هاهو ضوء يأتي من الخلف يقترب ثم يمضي ماراً بالسيارة.. إنها الشاحنة كاسحة الثلوج التي تساعد على فتح الطريق، ترش الملح الصخري من أجل إذابة ما يتبقى من الثلج على الطريق.. دبت الروح في السيارة وتنفس ركابها الصعداء فازدادت سرعتها تلقائياً محاولة اللحاق بالشاحنة لكي توصل الركاب دون تأخير إلى مكان العمل في مصنع ميللر لتعليب الخضار والفواكه.
كانت سهام أسرع من غيرها في الدخول إلى الساحة الرئيسية للمصنع فسمعتها عند رئيسها في العمل غير مرضية وقد أرقها ذلك مخافة أن تطرد من هذا العمل المتواضع، هو سبيل معيشتها. مضى عليها أسبوع واحد في هذا العمل الليلي بعد أن كانت تعمل في المصنع نفسه أثناء النهار. عندما حصل صدام بينها وبين المسؤولة عنها كاد الطرد أن يصبح مصيرها حتى اكتفت المسؤولة عنها في إبعادها إلى النوبة الليلية في هذا الشتاء القارس البرودة الموغل ليله في الظلام. قالت في نفسها: آه.. يالها من امرأة ظالمة.. لقد أخبرني إحساسي منذ البداية أن تلك المرأة المتعجرفة المعقدة تكرهني مهما حاولت في إرضاءها وأمعنت في اكتساب ودها.. يا للوحشية، لقد رمت بي إلى الليل البطيء وإلى رئيس أكثر منها عجرفة ووحشية.


مضى معظم الليل ثم حلت بوادر الصباح والبرد يزداد في ذلك المستودع الضخم المصنوع من الحديد والصفائح المعدنية المتموجة، وإلى جانبه تجثو أبنية أخرى مماثلة مغطاة ببياض ناصع،  ما أجمله من بياض نقي يوحي بالسرور تحت الأضواء الصفراء المتفرقة لولا هذا البرد القارس والشعور الكئيب بالوحدة وعدم الحيلة أمام قيود الحياة وظلمة الليل. كانت سهام في معطفها الثقيل لابسة في يديها المتشققتين قفازين من الصوف اتقاء البرد، وبين الوقت والآخر تمسح رأس أنفها المدور الرطب وهي تحاول أن تحدق النظر بعينيها الكبيرتين في خط التفاح على السير الجليدي المتحرك وانتقاء التفاح المعطوب أو المصاب لترميه في سلة كبيرة بجانبها. أصبح الشرود من عاداتها حين رأت نفسها فيه ضرورة ملحة لكي تغيب عن الأجواء الثقيلة والبطيئة أثناء العمل. الوقت متسمر في مكانه كأنه يتحداها في ثباته وصموده، لا تعرف ماذا يجري في الخارج في هذه الدنيا الكبيرة وذاك الفضاء الفسيح، كل شيء يمشي إلى قدره، في الواقع لا شيء يحظى على الثبات المطلق في هذه الحياة، أشياء تمضي للأفضل وأخرى للأسوأ وغيرها لا تعرف لها وجهة تفضيل أو مذهب تفريق بين ما هي عليه وما هي صائرة إليه، وسهام في هذا المستودع يغالبها النعاس حيناً واليأس حيناً حتى تنتهي وتعود إلى المنزل بعد العاشرة صباحاً. لم تكن سعيدة بعملها النهاري الصعب حتى رمت بها الأيام إلى جوف الليل كالأشباح، وبعد أن كانت أمنيتها أن تمنحها الأيام النجاح أو تتزوج في الغربة وتحصل على أمنياتها في الاستقرار انتقلت إلى العمل الصعب من أجل استمرار حياتها، ثم إلى العمل الأصعب والمعاناة داخل الليل المثلج البعيد.
أخذت سهام تشكو لأختها من عملها ومعاناتها وانطفاء أحلامها في القدوم إلى أمريكا.. أختها هذه التي تدرس في الجامعة وتعمل في الوقت نفسه كمر

شدة في قسم الكمبيوتر مقابل نقود تكفيها لدفع أقساط الدراسة والسكن في غرفة صغيرة قديمة وبعض الوجبات الاقتصادية.. وقد انضمت إلى أختها سهام في العمل الصيف الماضي بعد إغلاق الجامعة أبوابها.. وسهام أكبر من أختها بسبع سنوات وأوفر حظا في الجمال والقوام، وقد تزوجت ورحلت عن بيت والدها وزوجته العنيدة عندما كانت في التاسعة عشرة من عمرها وأنجبت طفلة ثم آلت إلى الطلاق وأخذ الأب الطفلة لتعيش في كنفه عن طريق القانون والرشاوى، ثم عملت سكرتيرة لشركة تجارية صغيرة وكانت قد عادت بعد الطلاق إلى منزل أبيها مرة أخرى إلى أن ضاقت ذرعاً بالحياة من كره زوجة أبيها لها ومعاملة والدها القاسية لها.. تكاد ذكرى ابنتها تقتلها من الهم والحزن، تشتاق إليها شوقاً يكاد يقطع أنفاسها ويسلبها حياتها فلا تشعر بنفسها إلا وهي تبكي وتبكي حتى تتورم عيناها وتخور قواها.. أختها تواسيها وتهدئ من روعها، لم يكن الأب حنوناً أو رؤوفاً، أثقل عليها وأخمد شعور الأنوثة في حياتها، ضجرت من معاملته الفظة وكرهت أنانيته وسئمت تجاهله لاحتياجاتها الأساسية وخصوصا بعد طلاقها من زوجها.. لم تر فيه ما يعينها على الدنيا بحلوها ومرها، فلم يظهر بمظهر شرقي النهج والطباع ولم يتعامل معاملة غربي السريرة والعادات، وقد أعطى الأب أنانيته وقسوته دون قصد ومنح عجرفته دون علم لابنه الذي يقطن في سان فرانسيسكو فلم يتعرف على أخته الصغيرة عندما قدمت بهدف الدراسة إلى أمريكا، وكذلك فعل تجاه أخته الأخرى سهام عندما جاءت إلى أمريكا هاربة من معاملة أبيها وزوجته والقانون الذي شعرت أنه ظلمها في دفع ابنتها لمطلقها.


مضى على قدومها أكثر من سنة والأحلام والأماني تنقص وتتقلص يوماً بعد يوم. ولكن ماذا كانت تتوقع، وما الذي زرع في مخيلتها تلك الأحلام؟ أهو الملل من حياتها الماضية والقسوة التي كانت تتلقاها من الناس والقانون أم أنه الأفلام الأمريكية وأغاني (البوب) التي كانت مولعة بها إلى حد الهوس والجنون أم أنه الشعور بالتغيير مهما كانت نتائجه،  لعل السبب يكمن في محاولة إخماد سيرة الماضي في ثنايا المستقبل البديل.. بل من الممكن أن يكون رغبتها في الانضمام إلى أختها أو أخيها في الغربة عسى أن يمنحها أحدهما المساعدة ويواسيها في ما حصل لها وما حل بها. لم تكن المواساة حلمها ولم يخطر لها على بال أن تكون المواساة وحدها تغير الأحوال وتبعث على الشعور في الاستمرار والاستقرار.
في الليلة التالية توقفت السيارة للمرة الأولى بالقرب من أحد المنازل المهترئة في حي مجاور لمكان سكن سهام التي تشاطر فيه أختها، صعدت إلى السيارة امرأة شقراء متوسطة العمر في لباسها الشتوي الرث وجلست ملاصقة لسهام، كتمت سهام أنفاسها وهمّت بالهروب فهذه المرأة لم تصب على جسدها الماء أو تلمسه الصابون منذ مدة طويلة، انطلقت السيارة كما في كل يوم نحو تريماونت على الطريق العام الأبيض، بعض الغزلان تنزل تجاه البلدة للبحث عن طعام، وبعضها راقد للنوم على الثلوج تحت الأشجار من حول الطريق على التلال المجاورة، والصمت مخيم في السيارة وخارجها كما هو الحال كل ليلة بين الركاب، كسرت المرأة الجديدة جدار الصمت بصوتها العالي حين بدأت الكلام والأسئلة في كل الاتجاهات وكأنها تحاول اكتشاف الجو الغريب وتقنع نفسها بأنها تنتمي إلى الجو العام مع زملاء وزميلات العمل، رغم أن سهام لا تتقن الإنكليزية بطلاقة إلا أنها استشفت من كلام المرأة المعاناة الواضحة في حياتها ورأت في كلامها خيبة أمل كبيرة في هذه الحياة.. ولكن الوقت غير مناسب لهكذا حديث، فالوقت وقت سبات قبل العمل وكل الذين في السيارة يدارون الحياة ولا يريدون من أحدٍ أن يفتح لهم جروحها المستمرة والمختبئة تحت ستار السكون، ولكي لا تستيقظ الغزلان النائمة فتهرب بأحلامهم المكنونة إلى أعالي الجبال فلا يجدونها عند الصباح، ولما لم تشد المرأة انتباه الركاب الكامل نحوها لزمت السكوت بعد حين ومضت ربع ساعة من الطريق في صمت وتفكير وشرود.. كل في ألمه الخاص وعالمه وصراعه مع الأفكار. وهناك شعرت سهام بالغرابة.. الكثير من الغرابة.. فكل شيء يحصل لها وكل موقف تمر فيه ترى منه أنها لا تتوقعه لا بشعورها ولا بحدسها وتستنتج أنها لا تنتمي إلى تلك الأجواء ولا تلك الظروف ولا ذلك الصقيع الليلي المريب. قالت: آه.. حتى لو أتت الصدفة الصعبة ولاحت الأمنيات يوماً ما فإنها تزحف زحفاً كي تصل أو قد لاتصل..!


استيقظت سهام في عصر أحد الأيام وأخذت تحضر طعاماً، جاءت أختها وتناولتا الطعام ثم جلستا للحديث عن الحاضر والمستقبل وعن العائلة الممزقة والأنانية التي غاصت إلى أعماق النفوس.. ثم زحف الليل البارد وزحفت معه أفكار الذهاب إلى العمل الثقيل عند سهام، لقد ملت من الحياة وأحست أن الحياة ملت منها هي الأخرى حتى تصورت أن الحياة كائن يشعر ويدبر الأمور على هواه ومزاجه العشوائي دون أن يبالي بظروف أو رغبات البشر.. تناست أن مشيئة الله فوق كل شيء.  وبعد أن استتب الليل المثلج وأحكم قبضته على الكون حولها من دون ارتعاش ولا هوادة فوجئت الأختان بقدوم أخيهما، أتى من سان فرانسيسكو، دون تفكير مسبق أو تدبيرغمرتهما سعادة للقائه، جاء معه أحد أصدقائه، لم يكن الأخ فخوراً بأختيه فقد كان رأيه أن تظلا تحت رعاية الأب في الوطن حتى تنتقلا إلى حياة الزوجية، كان يشعر داخل نفسه بالحرج أمام أصدقائه وأختاه في بلد غريب دون مراقبة أحد، كان لا يريد لصديقه الذي أحضره معه أن يكون معه في هذه الزيارة لأختيه لولا أنه اصطحبه في الطريق إلى ولاية أخرى بهدف زيارة بعض الأصدقاء القدامى. لقد حضر في الماضي مرة واحدة لا غير وكانت الزيارة قصيرة حيث لم يعجبه وضع الأختين، عبر عن رأيه ولم يلق إجابة منهما، وهذه هي الزيارة الثانية…


انطلقت من سهام بعض الأغنيات، أعجبها صديق أخيها الذي لامس نقطة شعور وعاطفة حساسة في صدرها بنظرته الثاقبة الواثقة، وأعجب هو بها وبعينيها وقوامها الأنثوي الشرقي، تبادلا تلك النظرات المعبرة العميقة وأخفى هو في نفسه أمراً، تحيّن فرصة واستفرد بها ثم أدلى بإعجابه بها فبادلته بالمثل، بعد يومين رحل الأخ ومعه صديقه ولكن الصديق ترك وراءه ما ترك.. ترك قلبه دون شعور منه أو سابق تخطيط، لم تكن سهام في تفاصيل شكلها فتاة أحلامه كما رسمت له حياة الغربة النساء ولكنها استحوذت على كل قلبه قبل أن يمعن النظر بالأمر أو يضع للمنطق عنده أسساً وقواعِدَ.. لربما أحيت عنده الجذور التي حسبها ذبلت وتعفنت ودرسها زمان الاغتراب، بالمقابل لم تكن سهام تتوقع أن تغطس في دوامات التفكير والانجذاب تجاه رجل بهذه السرعة وهذه الطريقة، فجأة أصبحت الدنيا في نظرها تستحق أن تعاش واستقبلت ضربات قلبها وخفقانه بصدر منشرح وروح متأججة نحو المزيد، أضحى العمل الليلي الثقيل مراحاً للتفكير ومسرحاً متسعاً لتبادل الأفكار بين القلب والعقل والجوارح، مضى أسبوع وعاد الأخ ومعه صديقه لقضاء يومين في بلدة أختيه قبل الرجوع إلى سان فرانسيسكو، خفق القلبان من جديد ولم ير الصديق بداً من فتح الموضوع مع أخيها. تفاجأ الأخ وأعلن تحفظه من الأمر مخفياً ما يعرفه عن صديقه والمغامرات التي اشترك فيها معه في ملاحقة النساء والاستهتار. استاءت سهام منه وأخرجت ما عندها نحو أخيها من أنانيته وتعجرفه وعدم مد يد العون لها أو لأختها في بلاد الغربة، أخبرته بقلة احترامها له من تنكره لها وعدم اهتمامه بأمرها كأبيه الأناني. أذعن الأخ للأمر بصمت شاعراً بتقصيره، لم يدلُ برأيه عن إحساسه بقلة افتخاره بأختيه، سوى إلقاء اللوم على أبيه الذي ترك لابنتيه الحبل على الغارب، ترك الأمر لها وسحب تحفظه تجاه صديقه، كان يعرف أن صديقه رغم مغامراتهما المشتركة إلا أنه يحمل في طياته أسساً من الوفاء والإخلاص إذا ما دعي إليها بجدية، بذلك تمت موافقة مبدئية على الخطوبة من الطرفين.. سهام وصديق أخيها. كان ذلك الأمر الحلو السعيد هو ما خبأته الحياة لها تحت غطاء سميك ودرب غليظ.. وما أكثر وأعجب ما تخبئه الحياة لمرتاديها في كل مكان وزمان! 
شرعت سهام بالاستعداد النفسي للخروج من ذلك البلد والرحيل إلى سان فرانسيسكو حيث يقطن أخوها والأهم من ذلك حتى تتم الخطوبة وتكمل المشوار البهيج، وقد استمرت في عملها الليلي الذي أخذ شعورها نحوه منحى جديداً، وراحت تنتظر أختها لتنتهي من دورة الشتاء الدراسية لتصحبها معها نحو الجنوب إلى مقر إقامة الأخ وصديقه الحبيب المختار، لم تتغير ظروف المعيشة ولكن أملاً جديداً ترعرع ونما في القلب.. وما الحياة الحلوة إلا شعور جميل في القلب تحت مختلف أنواع الظروف، فكأنها تعيش اليوم على حافة الصعود إلى الحلم الجميل المثير، وكأنها في كل لحظة من اللحظات وفي كل حركة منها تشعر أن ذلك الرجل يراقبها أو تتمنى أن يراقبها عن كثب ثم يقترب ويقترب إلى أن يغيب.. ثم يعود.


لم يبق من الانتظار سوى ثلاثة عشر يوماً، كلما انقضى يوم ازداد عدد ضربات القلب واتسع الأمل وانتفض بعض الغبار عن الحياة والإحساس المكنون الجميل، وهذه هي سهام في الطريق إلى المصنع والغزلان ترقبها كل ليلة تحييها عند مرور السيارة عبر التلال وسهام تعدها أن تأخذها معها يوماً ما وهي تعد الأيام القليلة الباقية لها في الشقاء أثناء الليل والصقيع. وهذا هو النعاس يهبط على جفنيها الوالهين رغم جلبة الآلات والضجيج.. وتعطلت الآلة وتوقف السير عن السير فانتبهت، وحسب التعليمات نادت مراقب الآلات ليتفقد الآلة.. أصلحها وعادت سهام إلى العمل متثاقلة.. ثم توقفت الآلة من جديد فقد انحشر كوم من التفاح عند الفوهة.. استاءت سهام من الوضع ثم لم تشعر إلا ويدها تمتد داخل الفوهة لتحريك التفاح المحشور.. صدر صراخ رهيب سمعه كل من في المستودع طغى على صوت الآلات الأخرى.. ثم أغمي على سهام من الذعر وشدة الألم، ملئ من حولها رعباً وهرعوا نحوها، لحظات عصيبة مرت وأنفاس كثيرة تسمرت حتى تم إيقاف الآلة ثم أُخرجت يد سهام منها والدم ينطلق مما تبقى منها في تدفق مخيف، إنه منظر يبعث على القشعريرة ويرسل القلب في رحلة اهتزاز كثيف والأعصاب في خدر وجمود. حضر طبيب المصنع المناوب وتم إجراء الإسعافات الأولية لها إلى أن تم نقلها إلى قسم الطوارئ في المستشفى..
.. وبدل أن تسافر سهام مع الغزلان إلى محطة الأمل في سان فرانسيسكو حضر أخوها من هناك بمفرده ليواسي أخته التي فقدت يدها اليمنى حتى المرفق.