إدمان الذكريات

PDFطباعةإرسال إلى صديق

هواية أدمنت عليها، ألفتها منذ نعومة أظفاري، لا أتركها البتة، هي هواية جمع الذكريات، أرتبها بالأولويات وأستقطفها كما أشتهي، ومداها يتلاطم في خيالي لا يفتأ يداعب أوقاتي، كلما جاء جديد ذهب على أجنحة الهواء خلف العمر وأضحى ذكريات،

 يُعَشِّشُ في تلافيف الخاطرات، وها أنا أقرر قراراً هاماً كي أنضد ملفاتي النابضة بالحياة في عقلي الباطن، أضعها في أشرطة وأخاديد ذات سعة عالية، وأراني من جديد سابحاً في بحر من الحب ولمعات من العشق بين أزهار العمر الآتي، والرغبة تلح عليّ وعلى عقلي لأضيف ملفاً آخر بذكرى موَّارة وتلابيب عميقة من الالتفاف مع رطوبة الهواء العليل، قلت لها ونسائم الأمسية تتماوج مع لقيمات العشاء:
- أريدك ذكرى جميلة.
قالت والابتسامة من ثغرها تتناغم مع عرض المساء وطوله:
- كلامك عذب ورقيق، لكن لم أفهم!
مددت يدي رويداً رويداً نحوها وشفتاي في حراك رهيف:
- أعشقك وتعشقينني، ثم أمضي طائراً فتصبحين من بعد الحب ألماً وعذاباً في حجرات قلبي، ثم تنضجين في جذوع خيالي وتتحولين يوماً بعد يوم إلى ذكرى جميلة ترفرف فوق أغصاني وقد تصبحين أجمل الذكريات لدي على الاطلاق تورق وتزهر في حلقات الماضي، أضمك إلى مقتنياتي من الذكريات أطالعها كلما برزت النجوم في السماء،  ولك مني وعد صادق بأن تكون لك الحصة الأوفى من أوقاتي في الذكريات، أرى فيك الجموح في العواطف وأنت ميالة إلى عشق مؤجج ولذيذ.


أخذت جذوة الابتسامة من ثغرها طريقها نحو الذبول والانطفاء، استدارت بوجهها جانبا للحظات، تباعدت النجوم واستتر وميضها، سرى في الحبل الشوكي لدي تيار من التوجس، عادت تحدجني بنظرة جدية ثاقبة، قالت:
- أتهذي أنت أم أنك تتلاعب بالكلمات وبنبضات القلوب وصداها !
استجمعت تفكيري ومزجته بنثرات من العاطفة المبطنة وقلت دونما إبطاء:
- إني أعني ما أقول والحياة عندي لا لهو فيها ولا عتاب دون سبب، لنبدأ.
رأيتها ترنو إلى لا شيء، تنظر للفراغ الحائم حولنا في وهج المساء، لعلها تنادي كل قواها المادية والمعنوية للانتقام، أو أنها ترحل بروحها وتبكي لهول ما سمعتْ، ثم أخذتني الفجأة حين قالت بإصرار:
- هيا لنبدأ أيها المجنون!
يا إلهي! لقد قبلتْ التحدي، ما هذا الهراء، كيف تصدقني! حسبتها ترفع يدها الناعمة نحو الجوزاء وتهبط بها تصفعني على مقلتي لتحيل وهج الأمسية ظلاماً، لكنها وبعد أوقات وأوقات أضحت تداعب هذه الذكرى معي هواية كبرى وموهبة فطرية ذات فلذات أكباد أعانقها مع كل شروق شمس وأسامرها مع كل بزوغ نجم.