صعقة الموانع

PDFطباعةإرسال إلى صديق

أيكون الوضوح سبيلاً من سبل السعادة، والاتفاق طريقاً للمرور إلى فضاءات متحفزة منفرجة؟ أيكون الوصول إلى حافة الجرف يقيناً لا يمنعه مانع إلا قسط يسير مما سبق أن تم الاتفاق عليه بين الطرفين من نوايا ذات خلفية سليمة، وهي التي قد يحولها

 تفاعل الزمن المحيط مع العقل الباطن والسلوك إلى خرائب تعصف بها الريح الغربية والشمالية، وتأتي الصواعق مع الطوفان بالتناوب والتعاقب، أيشكل خضم الأحداث في النفس من تراكمات في الطاعة العمياء للأهواء وتساهيل على درب النزعات البشرية الفطرية؟‍! لقد رباها باهتمام ورعاها بتمعن وهدوء، تركها تقتنص من هنا وهناك بزاوية منفرجة فاقت التسعين بالانطلاق ثم تراكبت مع الزوايا المتزاحمة وانفرجت رويداً رويداً، ويحوم صحن الفضاء متباعداً عن الجرم الواسع مقترباً بالمدار الإهليلجي من النجم الملتهب، وهجه بدأ يتبادر ليل نهار، لقد اتفقا شفهيا على المسلمات، وسلّمتْ بهذا القلوب والجوارح، وتعاهدا ضمنياً على الأساسيات، فتأسست على ذلك البصائر والنظرات، والأم منفردة في مدار آخر تقوّم وتسدد وتقارب، ثم تندب وتمانع، موانعها لم تأتِ أُكُلُها ولم تثن زوجها وابنتها عن المدار الوهاج، وهو من ترك ابنته بزوايا منفرجة وتركها تحوم في مدار إهليلجي رسمه دون قصد ذي نهاية.


المدار لا ينتظر، والأوراق على الجرم تخضر بعد هطول المطر، والبراعم تتفتح بعد مرور السحاب، وهنا تتأصل حبات الرمان في منظر فتان جميل، شعرها يتطاير فوق المنكبين يدعو الدنيا للنظر والأنام للاعتراف بالجمال، كل حين شعر بلون ولون، أظافر مستعارة، قوام ينطلق فوق صهوات النسيم فتلمع خاصرة بين البنطال والقميص، وهي في سن قد يتقدم لها خاطب مميز في نظر أبيها، والأم تفرك يداً بيد وتسير في ردهة المنزل جيئة وذهاباً، تقول بصوت مسموع ولا أحد حولها:
- لا أريد لابنتي الوحيدة شاباً لا يعرف ذاته ولا يذكر ربه.
 القنوات الفضائية، المجلات، الشبكة العنكبوتية، الصداقات المفتوحة، والأب يسمح ويسمح بالحلو والحامض، بالصالح وما سواه، ظنه يقين أنه يوجه من بعيد بالإيماء والاتفاق، والأم تقول: - ما هذا البلاء الذي حل بنا.
أخبرت الأم أختها مراراً في أحاديث مسائية وصباحية، ثم استفردت بأخيها قائلة:
- لقد نفذ صبري يا أخي، البنت وأبوها، الأمر يسوء يوماً بعد يوم لا أعرف أين أذهب وإلى من ألتجئ، دعوت الله ودعوت الرحمن وأملي أنه يستجيب، وها أنا أرجوك أن تتكلم مع زوجي عله يستفيق من هذه الترهات وهذه الغفلة فالبنت في نضوج وتمام، يكفي إلى هذا الحد وإلا تضيع وتضيعنا معها، أنت صديقه الحميم قبل زواجنا، هو مازال يحبك ويستمع إليك. 

أشعة الضوء ترحل مع صيف فاقع، وبراثن المساء تتهادى مع السديم الخريفي، الأب يجلس في الصالة يعبث دون مبالاة بجهاز التحكم يقلب مابين أغنية وومضات وما بين دعاية تجارية، ثم لقطات من برنامج طوفان أتى على الطبيعة والأنام والحيوان، وهو ينتظر موعدا مع برنامج سياسي عن وضع البلد والتحديات في التحولات السياسية والتنمية الاقتصادية. الأم مشدودة الأعصاب تتوقع زيارة أخيها هذا المساء، رحب به الأب ثم أردف قائلاً:
- جئت في الوقت المناسب، برنامج طوفان سومطرة على وشك الانتهاء، طوفان عجيب ومدمر، دقائق ويبدأ برنامج الحوار ...
قال الأخ: من هم ضيوف البرنامج اليوم يا ترى؟ ثم أردف قائلاً:
- هي فرصة طيبة أتحدث معك عن راوية.
اتجه الأب بنظره نحو خال ابنته وأجاب: - بشأن ماذا، مالها راوية؟!
- حريتها التي منحتها إياها وأختي بصراحة بدأت تتذمر وهي قلقة حيال ابنتها من هذا الأمر وخائفة عليها كثيراً وتريد أن يكتب لها الله زوجاً صالحاً، ولن يأتيها هذا الصالح مادامت على هذه الهيئة وتلك التصرفات، وبصراحة كلنا يهمنا أمرها، والقضية عندك وحدك فأنت الأب والموجه وأنت لا تسمح لغيرك أن يديرها ويشكلها مع العالم من قريب وبعيد، وقد فقدت أختي السيطرة على ابنتها، هي تحتمي بك دائماً وتستمد مواقفها من دعمك الكبير.
اتكأ الأب على طرف الأريكة ثم قال:
- سلوكها سليم وهذا هو المهم في الأمر، اتفقنا أنا وهي على الموضوع وراوية واعية جداً لا أخاف عليها، السريرة سليمة والخطوط العريضة واضحة، أختك تبالغ قليلا ومخاوفها لا مبرر لها.
- النار تجذب الحشرات فتحوم حولها إلى أن تقع فيها غير عالمة بمصيرها، ومصير ابنتك الستر والزواج إن شاء الله، لقد كبرت ونضجت وأرجو أن تفهم قصدي.
عقّب الأب دونما إبطاء:
- العاقل الذي يريد الزواج ينظر إلى السلوك والمعدن، والهيئة كما الظروف اليوم، وعساها أن تخفف من التبرج عندما تكبر وتنضج أكثر ويصبح لديها مسؤوليات عائلية، دعوها الآن فهي في حقل تجارب العصر الحديث وأنا واثق من نواياها وسلوكها، الموضوع محسوم عندي.
- رأيي مغاير قليلاً، فأمها متوترة وقلقة وفي الواقع معها حق.
الخريف يطرق على الأبواب المنفرجة، الأم في المطبخ تبتعد عن التدخل في تلك اللحظات وتلتقط الحديث وما وراءه، تضرب كفاً بكف وتقول: متى يفيق متى يفيق!! هداه الله.
استطرد الأخ قائلاً: - ليس عندك غير راوية في الدنيا وأرجو أن تنظر في هذا الأمر.
بدأ المذيع يقدم برنامج الحوار والأب يقول: - لا عليك أنا وهي متفاهمان وثقتي بها كبيرة وسأتكلم معها في الوقت المناسب.
دخلت راوية والبرنامج يتوقد سخونة منذ البداية، حوار يلعلع من التلفاز في أرجاء الصالة، سماتها الأنثوية جلية، حركتها رشيقة، ريحانة تتفتق عن مفاتن وروائح عطرة، ألقت التحية على خالها ورسمت على خده قبلة وشفتاها تتمتم:
- اشتقت لك يا خالو لم أرك منذ أسبوعين.
- وأنا اشتقت لك يا عفريتة، الله يهديك غاطسة في الصداقات وغائبة دوماً.
ثم اتجهتْ نحو أبيها:
- أنا ذاهبة إلى سهرة صغيرة عند إحدى الصديقات وسأعود حتماً قبل منتصف الليل، لا تقلق، أين ماما؟
أشار باتجاه المطبخ قائلاً: - تحضّر القهوة أو العشاء لا أدري، لا تتأخري.
قالت والكلمات تلاحق بعضها: - لن أتأخر، يدك على المحفظة أولاً.
قال الأب: - أعطيتك مصروف الأسبوع منذ يومين!...
النقاش في برنامج الحوار يحتد ويتصاعد منه لهيب الكلمات والمواقف، وألسنة المدار الاهليلجي الجامح تلسع ممرات الجرم السيار، الأمر في الأجواء مخيب للآمال ومحبط وثقيل، ازداد الثقل ونزل على الأضلاع لتنفرج الزاوية أكثر وأكثر، أجابت البنت أباها بهمسات مسموعة، وحدقتين واسعتين:
- الموانع غالية هذه الأيام يا بابا.