الوصول..!

PDFطباعةإرسال إلى صديق

السماء غائمة والجو مكفهر غاضب، والطائرة تتعرض لاهتزازات عنيفة أثناء هبوطها التدريجي نحو مطار نيويورك. الصمت يخيم على الأجواء ويخرق الآذان، والوجل ينفذ إلى الأحشاء ويقتل الأحلام. الركاب يضمرون الخوف وهم يراقبون بحذر تحركات

 طاقم الطائرة ويشعرون بالتأرجح الذي تسببه تلك العاصفة. وجوه شاحبة من الإرهاق والخوف ووجوه مستنفرة تكاد تنطق ولا تنطق وأخرى عليها سكون مريب غير مقروء ولا مترجم إلى انفعالات، ولكن الحياة لا تتسمر في مكانها كما ظن بعضهم في تلك اللحظات المتواترة المتوترة. وبين الحين والآخر تخترق الأسماع تحذيرات القبطان:
- على جميع الركاب البقاء في مقاعدهم وربط الأحزمة ووضع المقاعد في موضعها الرأسي..
ويخيم صمت متحامل ثم يأتي الصوت من جديد:
- نمرُّ الآن في عاصفة ومناطق دوامات وجيوب هوائية ذات ضغط منخفض، نتمنى لكم هبوطاً مريحاً..
كان منير عبد الحافظ يمسك قلبه بيده جزعاً كلما ارتجت الطائرة مستجيبة للعاصفة ولكن أمله الداخلي أعظم من أن تفتته عاصفة عابرة أو يثنيه طارئ كلياً عن لذة التفكير بالوصول.. فالحياة بالنسبة له مليئة بالعواصف من كل نوع وصنف. إنه يحاول الإمساك بأحلامه الوردية ألا تهرب منه في لحظات من الخوف العابر: نعم إنه عابر إن شاء الله وستأتي الحياة من جديد كما أتت بعد الجهد والعناء من قبل. يا إلهي إنها هزة عنيفة.. فقدت الطائرة التوازن وغطست في انخفاض جوي مئات الأمتار ثم تلتها أخرى والصيحات وأصوات الشهيق من كل جانب تملأ الأسماع، ومنير عبد الحافظ شاعر أنه بين الحياة والممات.. هل يودع أحلامه في الطريق قبل الوصول: لا لن أتركها البتة ولكن الحيطة أفضل فأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله .  لحظات وعاد الصمت،  شعر ببعض الأمان حيث استقرت الطائرة قليلاً وهي تطير بين جبال الغيوم الداكنة المتسابقة وتشق أجواء العاصفة الفائرة في قلب المنخفض الجوي.


نظر إلى تلك المرأة العجوز المتحجبة على يمينه وقال: كيف حالك يا عمة؟
استدارت نحوه بوجه قديم على الزمن، غائر الوجنتين يحمل لمحات الشحوب من آثار السفر، ثم قالت:
- الحمد لله يا بني.
صمت قليلا ثم أردف:
- أنا على يقين أن القبطان يحسن التصرف ويتعامل مع هذه العاصفة بحكمة.
انتبهت إليه المرأة مرة أخرى وكانت قد عادت تتمتم بأدعية غير مسموعة، هزت برأسها ثم أجابته:
- أرجو ذلك.. لا لشيء إلا لأرى ولدي الوحيد وأزوجه وأطمئن عليه في غربته..
ثم أردف محاولاً تناسي العاصفة وتأثيرها:
- من أين أنت يا عمة؟
- من الشام.
- أول مرة تأتين إلى أمريكا؟
- نعم.. إني قادمة لزيارة ولدي الذي غاب عني ثمانية أعوام.. يريد الزواج من إحدى الفتيات التي اختارها قلبه في الغربة وهي من أصل شامي وطلب مني الحضور ليسعد بي ولأبارك له الزواج، قلت له أن يقوم بزيارتنا بعد الزواج ومعه زوجته فأبى ولذلك قررت المجيء مع أنني كبرت في السن وليس بوسعي تحمل الأسفار كل هذه المسافات بين العواصف والأمطار.
ثم استدركت وسألته:
- منذ متى أتيت من مصر لتعيش في أمريكا؟


- لا يا عمة.. هذه أول مرة وأنوي العيش مع أخي في أمريكا.. لم أره منذ تسع سنوات.
- لماذا تترك بلادك؟ ودائماً ـ لطالما أسأل ابني هذا السؤال، كل الشباب يأملون بالذهاب والهجرة إلى الغرب، يا أسفي..
- لي مع الحياة قصة طويلة وعريضة.. لقد ضنت علي كثيراً وسدت السبل أمامي ولكنني لم أتوقف عن المسير وهاأنا قادم إلى حظ جديد.
- أنت مازلت شاباً وتملك قدرات عظيمة.. وفقك الله يا بني وأعطاك كل ما تريد من الخير. هل أنت متزوج؟
- لم يأت النصيب بعد!
اهتزت الطائرة بعنف فحدثت جلبة وصدرت أصوات جمع مضطرب على متنها ثم جاء صوت المضيفة من كل مكان: الرجاء الإبقاء على ربط الأحزمة والاستعداد للهبوط سنصل إلى مطار "كينيدي" في نيويورك خلال خمس عشرة دقيقة. استدارت المرأة نحو منير عبد الحافظ وقد أعياها السفر والشعور بالغثيان وقالت بصوت منخفض الوتيرة:  قل إن شاء الله يا بني. قال: إن شاء الله. بدا خائفاً وانتابته رعشات نامية رغم أحلامه الزاهية فقال في نفسه: يا رَب اجعلها تنتهي على خير فهذه الرحلة هي كَيَوْمِ الميلاد بالنسبة لي.. لِكَمْ شقيت وتعبت حتى أصل إلى هذه الخطوة الكبيرة.. كم أتمنى الوصول، ثم يخلق الله ما لا تعلمون. وفي تلك اللحظات المبعثرة بين الأمل والرجاء وبين الخوف الجاثم على الطائرة ومن فيها جالت في أفكاره ذكريات التحضير لهذه الرحلة الكبيرة التي كانت في يوم ما حلماً بعيد المنال وطيفاً عابراً ليس له من الواقع إلا التفكير الكثيف أثناء الليل والسعي والركض أثناء النهار.. ثم الانتظار..


هي الأحلام والأمنيات هكذا قد تبدأ ولا يعرف الإنسان من أين ومتى أتت. كل ما يذكره أن حلمه بدأ بالظهور قبيل دخوله إلى كلية الآداب قسم تاريخ وهذا ما كان قد قسم له فقنع إلى حين ومازالت أفكار الهجرة إلى أمريكا تغزوه وتضغط عليه ولا تفارقه، باتت وسواساً يعيش له كل يوم ويؤرقه كل ليلة. وفي تلك الأثناء سافر أخوه الأكبر إلى أمريكا سائحاً ثم استقر هناك وسمع ما سمع عن عذابه الكثير في عمله الخطير حيث عمل سائقاً لسيارة أجرة في قلب مدينة شيكاغو ثم عاملاً في محطة للوقود في إحدى الضواحي إلى أن أصبح يملك جزءاً من محطة أخرى اشتراها بالتقسيط كشريك مع أحد الأصدقاء. وهذه هي السنة التاسعة لم يرَ أخاه فيها فقد فرقت الحياة بينهما وأبقت على الشعور بالحلم السعيد والحب من بعيد. وانتهى منير عبد الحافظ من الدراسة الجامعية وجلس ينتظر قدره فلا عمل ينتظره على الأبواب ولا تتوهج في الأفق بارقة هجرة باتجاه الغرب. كم من مرة حاول الحصول على تأشيرة للدخول إلى أمريكا ولكن إقدام البشر المفزع على السفارة وطوابير الناس منعته من ذلك أو كانت سبباً في رفض طلبه.. كيف هذا وأنا لا أنوي إلا العيش الكريم بنية سليمة.... تذكر أيامه بعد التخرج عندما كان يجلس وغيره من الشباب في وقت الأصيل من أيام الصيف وغيرها أمام محلات  أصدقائهم التجارية في مصر الجديدة يتبادلون أطراف الحديث بلا أهداف تمتطى أو فائدة ترتجى، وكان منير عبد الحافظ مثله مثل هؤلاء العاطلين عن العمل لا يجدون فرصاً تمنح لهم من أجل العيش السليم والرقي في سلم الحياة كما أرادوها أو على الأقل كما أرادها منير عبد الحافظ.. بقي عالة على والديه اللذين لم يملكا الكثير ليعطياه منه، إلا المأوى وبعض الطعام مما يأكلان. دعا لهما بالرحمة والغفران وهو في الطائرة يهوي معها نحو نيويورك مستهل أرض أحلامه المحتدمة وآفاقه المتنامية...
يا لَلهْول.. اهتزت الطائرة مرة أخرى بشكل فجائي،  ثم عادت منسابة في الهبوط، تبدل لون وجهه فجأة ثم استقام وانكشف؛ عاد إلى سلسلة أفكاره وكأنه يغبط نفسه على ما هو فيه من تحقيق الأحلام وسعة الحياة الرحيمة بعد الانتظار والعذاب....


أين كنا.. نعم.. ثم توالت الذكريات.. قبح الله تلك الأيام والليالي التي قضاها أمام محل صاحبه مع الشباب العاطل وهم يتكلمون عن قلة الفرص وأحلام الهجرة إلى أمريكا أو كندا، ويتهمون الناس والمجتمع من حولهم بالعجرفة والأنانية وحب الذات، ويهتكون ستر العدالة الاجتماعية.. وأي عدالة هذه القائمة!.. إنها مهزلة التاريخ ومكربة الأيام القادمة. كان أعلام المجتمع ينادون بتحديد النسل، وبعض أجهزة الحكومة والمؤسسات الاجتماعية تنادي بأن تلتزم المرأة العاملة منزلها وتعكف على تربية الأولاد تربية صحيحة وتترك المجال للشباب العاطل عن العمل بأن يجد عملا.. كان هماً عظيماً بأن يجد الشاب العمل والمأوى. نعم.. تذكرت عندما وجد أحد الأصدقاء عملاً في مصنع المعكرونة وهو خريج آداب قسم جغرافيا حسدناه ولكننا قدمنا له التهاني وطلبنا منه أن يعيل أحدَنا.. وطبعا رفض وقال (ولاتزر وازرة وزر أخرى).
.. ثم انصب جل اهتمامه وتفكيره على خيوط البرق الصامت المنبعث من الغيوم التراكمية الدكناء وعلى تأرجحات الطائرة التي بدأت عجلاتها بالنزول استعداداً للهبوط ولكنه لم ينس تلك السنة التي أمضاها في السعودية يعمل كمندوب مبيعات في شركة بيع وتركيب الأدوات الإلكترونية والصحون التي تلتقط المحطات التلفزيونية الفضائية. لم ينس الأيام القلائل التي سبقت سفره إلى السعودية وأصدقاؤه من حو له يقدمون له التهاني ويغبطونه أو يحسدونه على هذه الفرصة الذهبية. لم تكن الفرصة بالنسبة له كما رآها أصدقاؤه فلم يكن بوسعه تأمين القوت المناسب كما كان يحلم ويتمنى.. وفي الحقيقة لم تكن السعودية في نفسه إلا محطة للانتقال إلى أمريكا إن أمكن، أرض أحلامه الذهبية

وأمنياته الدفاقة.. بعد أن ضاقت به الأحوال في مصر لسنوات ولم يقدر أن يحصل على تأشيرة من السفارة الأمريكية في القاهرة ولا حتى من القنصلية الأمريكية من الاسكندرية بعد تغيير اسمه وجواز سفره. كان يذهب إلى السفارة والساحة مكتظة بالشباب ينتظرون الأجوبة على طلباتهم التي تأتي على الغالب بالرفض.. منهم من يتقدم بطلب للسياحة فلا يفلح ومنهم يتقدم بطلب للتجارة ويجهد فلا يأتي أُكُلُ جهده ومنهم يتقدم بطلب لتعلم اللغة في معهد فيرجع بخُفَّيْ حنين، وهكذا كل يوم تعاد الكَرَّة، تطول الصفوف ثم تتلاشى. لذلك قرر منير عبد الحافظ أن يذهب إلى السعودية ليس للاستقرار ولكن للتقدم بطلب إلى السفارة الأمريكية هناك. لم يكن فرحه بالفرصة من أجل العمل كما كانت فرحته في فتح أمل جديد في الهجرة إلى أمريكا. نعم لقد حالفه الحظ وحصل على تأشيرة الدخول إلى بوابات أحلامه وترخيص الولوج إلى مقصورات أمنياته بعد سنة من الانتظار في السعودية. كانت لحظات بهيجة لم يشهد لها مثيلا في حياته.. ها هي أمنيته تتحقق، تلك الأمنية التي غالبت أفكاره وأرق طيفها خياله .. انفتحت له الستائر كاشفة الحجاب عن جنانه وتفاعلت جوارحه لتنعش كيانه الذي جعل من أمريكا محط أنظاره وآماله.. وهذه هي الطائرة تتدحرج فوق القارة الأمريكية على أحد مهابط مطار "كينيدي" وكأن الأرض التي لامست العجلات تلامس سويداء قلبه والألحان الجميلة تنبعث من النفس على أنغام زقزقة العصافير في ذلك الجو المكفهر الممطر.
قالت له المرأة العجوز التي ظهر عليها تعب السفر: الحمد لله على السلامة يابني. فأجابها وهو مبتسم بفرح: الحمد لله على السلامة. خرجا من النفق وقد طلبت منه العون فصحبها إلى الجوازات ثم إلى مكان استلام الأمتعة. كان مبهوراً لوصوله إلى بداية الأحلام الوردية.. نعم لقد وصلت إليك يا أمريكا.. أتعبتني يا صاحبة الحظ السعيد…


وبعد الخروج من الجمارك أراد وداع تلك المرأة والانتقال إلى مكان آخر من المطار من أجل انتظار موعد الطائرة التي ستقله إلى شيكاغو بعد ثلاث ساعات ولكن المرأة طلبت منه الانتظار معها حتى تلتقي بابنها الذي وعد باستقبالها قادماً من نيوجرس. جزعت المرأة وجزع هو معها فلم يكن عديم الإحساس ليتركها وحيدة. مرت ساعتان وقد ساعدها في الاتصال هاتفيا بابنها ولكن في كل مرة تجيبه آلة تسجيل بصوت ابنها فيترك له رسالة. جلست المرأة صامتة إلا من بعض الدعاء وبقي منير عبد الحافظ يمشي جيئة وذهاباً ناظراً حو له متمنياً قدوم ذلك الغريب ليلتقي بأمه وينقذه من هذه الورطة.. لا إنها ليست ورطة فالمرأة تحتاج إلى مساعدتي وليس لها أحد في هذا المكان الغريب إلا أنا، اللهم أعني.. ثم نظر إلى المرأة وهي تتكئ على يد الكرسي بسرعة إلى أن جاءت واقفة وهي تقول: إنه هو، الحمد لله يا رب. جاء الفرج لمنير عبد الحافظ فسلم على الشاب وشكره الشاب ثم دعت له المرأة بكثير من الدعاء. هرع إلى المبنى الآخر بعد أن سأل أحد الموظفين في الصالة عن مكانه. استقل الطائرة مرة أخرى في الطريق إلى شيكاغو وهو يتمشى مختالاً في حقول أحلامه ويعزف ألحان النصر على زمانه ويحاول أن يتذكر صورة أخيه الذي لم يره منذ تسع سنوات إلا في الصور القليلة التي كان يرسلها إليه، فيفرح ويسعد ويمسك أعصابه التي تكاد أن تنفلت منه من الاعتزاز العظيم.


نزل في مطار أوهير في  شيكاغو،  الفرح يلبسه،  والغبطة تتغمده.. أرهقه السفر الطويل، مشى يتحامل على نفسه إلى الصالة مستبشراً بذكرى أخيه، وفي الصالة الخارجية لم يعثر عليه، المكان مزدحم،  وأخوه فقد كثيراً من شعر رأسه، عله يراه. انتظر ثم بحث من جديد. لم تقع عينه على أحد يشبهه لأخيه. لم يقنط ولم ييأس فكل هذا الفرح بالوصول والاعتزاز لا يذهب هدراً من لحظات خيبة طارئة. ولما طال انتظاره اتصل بمنزل أخيه لا جواب ثم اتصل بمحطة الوقود لا جواب.. نعم لابد أن يكون هناك مبرر لتأخيره أو عدم قدومه حتى الآن. بدأ الارتياب من الأمر يخالجه ثم انتابه فجأة خوف لا مثيل له أقعده عن التفكير في الحاضر والمستقبل وذهب بفرحه شوطاً بعيداً وعميقاً في أرجاء الفضاء الواسع بعيدا عن جلبة القادمين والمسافرين. في تلك اللحظات اقترب منه رجل وسأله بالعربية عن اسمه فأجابه وكان متعجباً من الأمر، فلم يضمر تعجبه وسأل الرجل مستفسراً منه. أجابه الرجل الذي بدا عابساً وفي لهجته جدية وعمق: بحثت عنك وسألت مكتب الاستعلامات أن ينادي اسمك في السماعة وكان ذلك ولكنك لم تحضر فجعلت أسأل كل من أرى فيه ملامح عربية عن اسمه حتى وجدتك. كان منير عبد الحافظ ينظر إليه ولم يفهم من الأمر ما جعله مرتاحاً من طريقة الرجل وملامحه، حتى أكمل الرجل كلامه قائلا: أنا من طرف أخيك. انفرجت أسارير منير عبد الحافظ وانحلت العقدة الكأداء ومد يده ليصافح الرجل بحرارة..
… إلا أن الصدمة كانت أعنف من أن يحتملها بعد أن أخبره الرجل عن حادث مصرع أخيه في حريق أصاب المحطة أول أمس.