كابوس الازدهار

PDFطباعةإرسال إلى صديق

كانت خالية من الحياة، جرداء لا تسمن ولا تغني من جوع، جوفاء لا تؤتي أكلها. مرت عليها السنون ولا أحد يبالي، وقد توالت عليها أيام في الماضي اخضرت فيها النفوس ثم زالت وجاء غيرها ثم زالت واندثرت. يمر عليها الأقوام فلا يأبهون بها

 وفي الحقيقة يخافون منها ويصفونها بالمفازة المرعبة والدهماء القاتلة، ثم راجت الإشاعات حولها عبر السنين ولم يعد أي إنسان يطؤها ولا حتى عابري السبيل.
في أحد الأيام جاء غريب من الماضي ومر بها فأعجبته، عجب لانعدام البشر فيها، نصب خيمته واستقر هناك، بعد عدة أيام أصابته الوحشة فخرج يبحث عن البشر عله يجد من يعينه أو يؤنس وحدته في أطرافها، ومضى يمشي ويمشي في كل الاتجاهات حتى أعياه التعب فاستراح ملياً، ثم صعد إلى تلك الهضبة الجرداء الكبيرة ثم تلتها تلال صغيرة، عبرها ونزل إلى الطرف الآخر منها. رأى بعض الشجيرات المتفرقة هنا وهناك، أغصانها هزيلة، وأوراقها كالحة، ثم مضى في بحثه عن  آثار البشر. رآه صيادون متجولون فرحبوا به، ثم استضافوه في ديارهم. سألوه عن دياره فقال إنه غريب سائح في المعمورة لا ينتمي إلى ديار واحدة. أكرموه وضيفوه مما عندهم من خبز وزرع قليل ثم قدموا له طائرا مشويا اصطادوه من أجل قوتهم ذلك اليوم. كانوا سعداء بما قسم لهم من العيش، يفخرون بمبادئهم العليا وعقائدهم المستتبة على مر الزمان، وهم على حسن جوار مع من حولهم يعركون الأيام غير مبالين بالمستقبل وما يأتي به.


جاء رجل عجوز للسلام على الغريب وكانت عنده فراسة ثاقبة، سأل الغريب عن أصله فأخبره الغريب أنه لا يعرف أصله. لم يكن العجوز مرتاحا من أجوبة الغريب، وأخبر القوم أن هذا الغريب ينحدر من سلالة سماها لهم وأن للقوم فضل على آبائه. قال العجوز:
- نحن صنعنا منهم ما صنعنا فلا يغرنكم إن بتر أيديكم بمكره، أو سرق بنات قلوبكم نحوه بحيلته، أو سمم عقولكم بأفكاره.
أنكر الغريب هذا الأمر وأظهر تجاهله وعلى وجهه المغبر ابتسامة لم يحسبها من حوله إلا صادقة. لم يأخذ القوم بكلام العجوز، سفهوه وزجروه وأعرضوا عنه.
فوجئ الجميع ودهشوا عندما علموا أن الغريب مقيم في خيمة على شاطئ بحيرة عذبة جميلة خلف تلك التلال القاحلة. هكذا قال هو، وظل يؤكد ويؤكد. تناقلت الناس الأخبار عن غريب أبله يزعم بوجود بحيرة خلف تلك التلال في الأرض الجرداء المخيفة والمفازة المرعبة.  بعد أن أصابتهم البلبلة أياماً عدة لم يجد القوم من سبيل إلا ترحيل الغريب بعيداً بعد أن أكرموه وضيفوه. وتناقلوا  الحديث: (إنه أبله معتوه وعلينا أن ندرك ذلك في المرة القادمة ونتحقق من ضيوفنا عن أصلهم وإمكاناتهم العقلية). عجب الغريب لأمرهم بعد جدال واستقل راحلته قاصداً دياره الجديدة. تبعه بعض القوم باتجاه التلال حتى إذا وصل إلى مشارف التلال شعروا بالخوف فتركوه وعادوا أدراجهم إلى ديارهم مخبرين الناس أن الغريب قصد التلال غير خائف ولا متوجس. قال بعضهم إنه يزعم أنه ذاهب إلى هناك وهو يريد إضلالهم وستراه يصعد التلال ثم يعود من جديد ليذهب إلى أقوام آخرين ويستغل كرمهم. وقال آخرون ماذا تتوقعون من غريب أبله يعتقد أن الموت والحياة سيان عند الإنسان، لا تؤرقه خطرة الهلاك ولا تفرحه فكرة النجاة، مالنا وله.


مرت أيام وسرى الخبر من جديد أن الأبله فعلاً ذهب إلى المفازة ولم يعد فلم يسمع أحد عنه من الأقوام الأخرى المجاورة ولم تأت حتى إشاعة واحدة تقول بأن أحداً رآه في مكان ما. ثم قال بعضهم أن الموت كان مصيره، وقال آخرون أكلته الوحوش، وقال غيرهم أهلكته حرارة الشمس المحرقة.

 

كان في قوم من الجوار شخص مغامر قال الناس عنه أنه مجنون من تهوره واقتحامه المصاعب دون سبب. أعد العدة خيفةً وقصد التلال بمفرده. ما إن وصل إليها حتى دب الخوف فيه وارتعدت فرائصه من المجهول ومما سمع من الحكايات والإشاعات عن الأرض المخيفة. كاد أن يعود لولا أنه شعر أن سمعته بين الناس ستهبط إن علم أحد بالأمر. فحزم أمره وطغى على خوفه واضعاً الموت نصب عينيه، وبعد يومين بدأ بالانحدار نحو المفازة المخيفة وهو يصدح بالأناشيد والأغاني وقلبه ينقبض وينفلت من غير انتظام دون وعي منه.


في اليوم التالي لاحت له من بعيد انعكاسات الشمس المحرقة عند الظهيرة وظن أنه السراب. تعب فحط الرحال ليستريح، وبين لحظة وأخرى يرسل بنظره حوله متمعناً فينتابه الشعور بالخوف من المجهول أو من الوحوش الكاسرة التي طالما تناقلت الناس أخبارها وفتكها بالبشر، ومرة أخرى أوشك أن يستدير ويعود من حيث أتى لولا فضوله المتأجج حول شائعة وجود بحيرة عذبة.  لاح المساء في أنحاء الجو المصقول، وهدأ الكون من كل جانب، ثم بزغت النجوم البراقة، بدت بعيدة لا تصل إليها أصوات الاستغاثة فازدادت الوحشة وأتى الخوف كقطع الليل الجاثم على هذا المكان. انتفض من مكان مجلسه على رؤية ضوء باتجاه المغيب، راعه المنظر وهاجمته الأفكار المتتالية ولم يعد يطيق الانتظار، إلا أنه فضل المبيت في مكانه والبقاء ساكناً حذر الوحوش،  وأخذ يراقب ذلك الضوء حتى اختفى ولم يبق له أثر. مضت الليلة بين الخوف والانفعال الفضولي، ولم يفتأ يضع احتمالات ما يخبئه له هذا الضوء، فتنبسط أساريره لحظة وتنقبض أطرافه لحظات إلى أن أرسل الفجر بوادر خيوطه بصمت فقفز من مكانه مستعداً واستلم طريقه باتجاه الغرب. عجب للسراب يأتيه قبل وقت الضحى من جهة المغيب. ما إن انتصف النهار حتى تفاجأ من ذلك التجمع المائي الكبير أمام الجبل الغربي الضخم، وعلى الشاطئ خيمة وفي البحيرة قارب خشبي رديء الصنع. (لعله الغريب الأبله). تقدم بحذر فخرج له رجل، توجس خيفة ثم ألقى عليه التحية فحياه بالمثل وعلى وجهه علامات التعجب من قدوم ذلك الإنسان إلى هذا المكان. سأله:
- هل أنت الغريب الأبله؟
ضحك ملء فمه وقال:
- أنا الغريب الأبله وعساك ترى كم أنا أبله لأني تفوهت بالحقيقة ووصفت للبشر هذا المنظر البديع.


ثم نظر إلى البحيرة. أخذه معه للصيد في قاربه ثم عاد به وأطعمه وسقاه. قال الغريب: البحيرة تتنفس بين وقت وآخر. لم يفهم الرجل الكلام فأعاد عليه الغريب ففهم ولكنه لم يفقه معناه.
 لما عاد الرجل الجريء من رحلته إلى قومه كانت الشائعات على أوجها حوله. منهم من قال: ذهب إلى المفازة ومنهم من قال: انتحر لأن شجاعته خانته هذه المرة. أخبر القوم بأمر البحيرة العذبة فرموه بالكذب والتخيل كما رمي الغريب من قبل. زجره بعضهم لتجرؤه في الكذب على الناس، واستاء الناس منه أكثر عندما قال إنَّ تلك البحيرة تتنفس دون شرح أو إسهاب، ثم شرح لهم وعلى وجهه إمارات الاستغراب المفرط والدهشة العظيمة فلم يثلج صدورهم أو يطفئ غليل فضولهم . خرجت الشائعات إلى الأقوام الآخرين ثم وصلت إلى هؤلاء القوم الذين استضافوا الغريب الأبله فقالوا هذا أمر عجاب وإن صح فهو يراد. ثم عزموا على إرسال فرقة بحث وتحري إلى المفازة المخيفة لاستطلاع الأمر. ودع المسافرون ذويهم وداع الذاهب دون أمل بالعودة ثم قصدوا التلال بعد أن أعدوا العدة للرحلة الشاقة، والخوف يمتثل أمام أعينهم في كل زفير وكل خطوة. غابوا أياماً ثم عادوا بالحقيقة الثاقبة بعد أن فقدوا رجلاً مات من شدة خوفه أثناء النزول من التلال الجرداء نحو المفازة المرعبة. عرف القوم الحقيقة بعد أن شقت طريقها إليهم شقاً. ذاع الخبر في الأقوام المجاورة حتى وصل إلى من ليس لهم علم بالشائعات القديمة. احتار العامة والخاصة وامتزجت الأمور إلى أن خرج الموضوع عن أصل الحكاية بما جاءت به فرقة الاستطلاع. وبقيت قصة تنفس البحيرة لغزاً بالغ الصعوبة لم يفهمه أحد، وأرعب الناس وحيَّر عقولهم.


مرت الأيام والناس يذهبون لزيارة البحيرة أفواجاً وفرادى ولا يعودون. تأتي الأخبار عنهم بأنهم بعد أن ذاقوا النعيم عند البحيرة لا يرغبون بالعودة إلى ما كانوا عليه من شظف العيش. حتى أولئك الذين كانوا من الميسورين آثروا البقاء عند البحيرة من أجل المزيد. بنوا المنازل بعد أن شعروا بالاستقرار ونعموا بالخيرات. أعطتهم البحيرة السمك الكثير ومنحتهم الماء لزراعة الأرض بما لذ وطاب. إلا أن الخوف مسَّهم كلما تنفست البحيرة. لا تتنفس عندما يتوقعها الناس أن تتنفس. إنه صوت عظيم يأتي في بعض الأيام مع الفجر من كل مكان ويملأ الأجواء فيستيقظ الناس ويهرعون خارج منازلهم مصابين بالدهشة. بعضهم يسأل الغريب عن الأمر باعتباره أقدم شخص على شاطئ هذه البحيرة، فيخبرهم أنه واحد منهم لا يفقه شيئاً مما يحصل. فَسَّرها البعض إنها ظاهرة طبيعية لوجود البحيرة المفاجئ في الأرض الجرداء، وفسرها بعضهم الآخر بقوى سرية تبغي أن تقول شيئا ولا تستطيع التعبير بلغة البشر، أما آخرون فمع مرور الوقت استحوذت الظاهرة على أفكارهم ولُبِّهم وراحوا يخشون بطشها  المكنون فعكفوا على عبادتها من غير طقوس واضحة المعالم، كل فرد على طريقته الخاصة.


أنشئت المرافق والطرقات في مدن عدة منتشرة بمحاذاة شواطئ البحيرة العذبة، وتحسنت أحوال الناس الذين أتوا من أقوام مختلفة ومناطق متباينة. أصبح للغريب الأبله مكانة خاصة بين الناس ولم يعد أحد يناديه بالغريب الأبله وإنما بالصادق وبالسيد. كان يغيب عن البلدة الرئيسية أياماً متواصلة ثم يعود ولا أحد يعرف أين ذهب ولا من أين جاء. في الواقع لا أحد يبالي طالما أن الحياة في نعيم والجميع يعمل ويأكل وينظر للمستقبل المليء بأفكار إمكانية إمتاع الشهوات وتحقيق الآمال وإشباع الغرائز. اختلطت العقائد المختلفة ونسي كثير من الجيل الجديد مبادئ الذين أتوا قبلهم ومازالت البحيرة تتنفس بين الحين والآخر معلنة وجودها وهيمنتها على العقول.
وكبر الغريب الصادق شأناً وازداد سناً ومازال يزاول مهنة الغياب والعودة وينعم بالثراء الفاحش. كان الناس يبعثون ولاءهم له ويؤدون فروض الطاعة له فهو الأصل في هذا النعيم ولولاه لما كسب الناس أقواتهم الفائضة ولما جادت عليهم الحياة بما جادت. لم يتزوج، بل بقي في منزله الكبير المطل على الشاطئ وحيداً يعقد السهرات ويأتي لزيارته كبار الشخصيات. لم يكن له شأن مباشر في حياكة القوانين والنظم الجديدة، ولكنه كان يتنبَّأُ بأوقات تنفس البحيرة فمرة يخطئ ومرات كثيرة يصيب. 
نعم.. لقد فسدت الأرض وكثر المضللون بعدما حكمها الجيل الجديد الذي تناسى قوانين ومبادئ أهله الذين أتوا من أقوام مختلفة ممن كانوا يقيمون خلف التلال في هيبة البأس والعظمة والشموخ بالرغم من قلة الموارد وضيق الأحوال المعيشية مقارنة بحال اليوم. من القوم من يعبد البحيرة وتنفسها ومنهم من يخشاها حيناً ثم يضع الخشية وراء ظهره ليمضي في الكسب والحياة كما تهوى نفسه، وقسم منهم يرى أنها نعمة عظيمة لتسخير أغراضه واستغلال الآخرين. تضاءلت قضية الحياة والممات عند البشر هناك وانشغلوا بما أشغلتهم به البحيرة ومواردها.. والبحيرة مازالت تتنفس..


كان من بين الناس الذين قطنوا في الشواطئ رجل يدعى بابن العجوز. إنه حقاً ابن ذلك العجوز صاحب الفراسة الثاقبة الذي أتى وسلم على الغريب الأبله وحذر القوم منه. وأين هم هؤلاء القوم الآن.. لقد تشرذموا وتفرقوا بين المدن على شواطئ البحيرة وأعمت المادة ورغد العيش أبصارهم عن الحقيقة والمبادئ التي عاشت عند آبائهم. كان ابن العجوز متزناً عاقلاً ذا فطنة لا يخفى عليه من الأمور إلا القليل وتفاصيل قصة الغريب والبحيرة. كان همه الوحيد اكتشاف الحقيقة. تلك الحقيقة التي لا يؤيده أحد من الناس عليها. كان يقول إن وراء الغريب سر وينادي عبدة البحيرة أن يكفوا ويذعنوا لحقيقة الأمور وأن يأخذوا حذرهم من الغريب. لم يلق مجيباً لآرائه فالجميع مغمورون في الحياة إلى آذانهم مطرقون عن كل ما يلهيهم عن أشغالهم الدنيوية والكسب. ومن هو ابن العجوز، إن هو إلا رجل بسيط يكسب قوته من قاربه الصغير. لم يكن ابن العجوز يشكل خطراً مباشراً على البشر ومصالحهم طالما لا أحد يأبه به وبأفكاره البالية التي لا تقدم ولا تؤخر في سريان المصالح الجديدة. لم تكن فطنة ابن العجوز وحدها هي التي ساقته إلى هذه الأفكار وإنما أخذ الكثير من الأخبار عن أبيه المتوفى، فكان استمراراً لأبيه في الحذر والمعرفة.  توفي أبوه ما بين فترة معرفة أن البحيرة موجودة والغريب يقطن عندها وما بين فترة رحيل أفواج من القوم إلى شواطئها. لم يكتب له أن يرى البحيرة وأسرارها ونعيمها ولكنه عندما سمع أن البحيرة الجديدة تتنفس وهو على فراش الموت ألقى نظرهُ الضعيف نحو ابنه الوحيد وقال له وفي صوته غصة وأسى:  دعوها تتنفس يابني فسيبقى الغريب غريباً وسيصبح القوم غرباء.


وهكذا تأسست حضارة ظهرت قوية وثابتة بمواردها المادية بما أتاها من الخير الكثير والعمل الدؤوب، ولكنها ضعيفة ومشتتة بعلاقاتها الواهنة وتمسكها الضئيل بالمبادئ الإنسانية النبيلة والشموخ النفسي والإباء. كل شيء أصبح مباحاً وقد لاقت التقديرات المادية بين البشر رواجاً كبيراً على عكس الأخلاق والمبادئ. لم يعد للأخلاق مكان في نقاش الناس اليومي ولا للمبادئ السامية أصل في التعامل إلا ما حدده القانون الهزيل في الظاهر. تطورت عند العامة طقوس عبادة غريبة لظاهرة تنفس البحيرة. ومع التقدم أصبح كل إنسان يطمع في أملاك غيره ولا يعجبه ما قُسِّمَ له من النعيم.  أصبح الحسد منتشراً ولا راد أو رادع له. صار اللص من يدعى بالشاطر والفطين وأضحى القانون في جهة وتفكير الناس للرقي والمستقبل في جهة معاكسة. أخذت روح التعاون بالتلاشي ووجدت المصلحة الفردية مرتعاً خصيباً للنمو في القلوب. تناحرت المدن المتجاورة على حقوق الصيد في البحيرة واقتسام الأراضي للزراعة واستخدام الغريب في نفوذها وتعاملها مع الغرباء. كان الغريب يمد هؤلاء ويمد هؤلاء متوخيا الحذر في أن تطغى مدينة على أخرى، ولكنه أيقن بعد فترة أن غياب الأخلاق والمبادئ لا يقف في وجهه شيء فهو كالطوفان أو أشد. كثر غيابه عن البحيرة وحضارتها وأصبح التساؤل يزداد عند ابن العجوز الذي فقد نظره وبدا عليه الهرم والفقر. لم يتوقف عن وعظه لمن حو له بشأن المبادئ المنحسرة والأخلاق المهدورة،  ولم يزل على كلامه القديم نفسه بشأن الغريب وأسراره الخبيثة، ولكن الإجابة المثمرة عند البشر بقيت في غياب مستمر. ومازالت البحيرة تتنفس.


الحرب على وشك الاشتعال. لقد انقسمت المنطقة إلى مراكز قوى تتصارع من أجل الحصول على أكبر ثروة ممكنة، وازدادت حدة التوتر وانطلقت الهتافات الرنانة والشعارات الطنانة من كل مكان، كل طرف يندد بالآخر ويتوعده. لامناص من العودة ولا أمل يرتجى من إصلاح البشر. هرب الغريب من المنطقة ولم يعد، ولكنه أبقى بعض أعوانه السريين الذين أخذوا بشحن القلوب بالبغضاء والكراهية بين المدن. ثم جاءت الأسلحة من كل صنف ونوع. قال بعضهم: الغريب يعطي السلاح لكل الأطراف وهو سبب النزاع ورأس الفتنة. وقال غيرهم: هرب الغريب لأنه لم يحتمل الصدمة العنيفة بإعلان الحرب في الأرض الجديدة التي اكتشفها، إنه يعرف كيف يتدبر أمره. والبحيرة توقفت عن التنفس. نعم توقفت هكذا دون سابق إنذار،  خاف الناس أكثر وأكثر حين حسبوا أن وراء هذا الصمت عاصفة عملاقة سوف تتمثل في تنفس البحيرة العظيم وانقلاب الحياة إلى مفازة مرعبة. وابن العجوز على فراش الموت يقول: الويل له بل الويل لكم ثم الويل لكم، دعوها تتنفس، لماذا لا تتنفس؟  أصبحتم أنتم الغرباء. ثم قال الأخيرة بعد أول انفجار هز أرجاء المكان منذراً بالخراب: "وفي السماء رزقكم وما توعدون."