قيود الحرية

PDFطباعةإرسال إلى صديق

لم يشعر أنه معلق في الهواء  بين ذرات الصقيع،  أحس أنه يهوي والفراغ من حوله يطبق عليه ويقيده عن عمل أي شيء إرادي، ثم في لمح البصر اصطدمت مقدمة السيارة في سفح تل وتبعتها مؤخرتها، وما إن حطت المؤخرة على الثلج

 حتى رجعت المقدمة متجهة نحو السماء وانقلبت السيارة ثم اتكأت على جذع شجرة كبيرة فاهتزت وسقطت قطع الثلج العالقة على الأغصان والأوراق.  (سليم) يتقلب داخل السيارة، مازالت روحه معه أو حوله، تكاد تنفلت منه إلى الأبد.. هذه أول مرة يحس أن له روح تهتز حول جسده بقوام محسوس لا غبار عليه، أما ريتا فتتدحرج وتتقلب مثله داخل السيارة تقلّب الحبوب في المحمصة..  خرجت من الحياة من جراء الصدمة الأولى وبقيت تتلوى مع حركات السيارة العنيفة، برد جسدها فجأة، وتوقف القلب عن التقلص والشعور ولم يلتفت إليه أحد.
أفاق سليم من غيبوبته وهو في داخل السيارة المحطمة ملتصق بسقفها المتعرج، أخذ يئن من شدة الألم،  تلمس حوله فلمست يده فخذ ريتا، ناداها بصوت الجريح الكليم فلم تستجب لندائه، مع آلامه وشعوره بالذعر المسيطر عليه جمع شهيقه وناداها مرة أخرى، ثم هزها بضعف ووهن فلم تستجب. لبسه ثوب الخوف والدهشة المريرة، 

همّ بالحراك، يا إلهي إنه غير قادر على الحركة، منعته الآلام الحادة. مد يده يتحسس رقبة ريتا، لا نبض ولا حرارة، تجمد أكثر وأكثر وتمنى ألا تموت، ثم جر نفسه وخرج من السيارة زاحفاً فوق الثلوج يتلمس طريقه في حلكة تلك الليلة السوداء والصقيع الجامد، داهمه الألم من جديد فاستلقى متقوقعاً على جانبه فوق  الثلج الذي يغطي التراب والأحجار وهو يتلوى ويئن من الآلام وهول المفاجأة .. رائحة البنزين المنفلت من خزان الوقود تتصاعد إلى أعصاب الشم في جوف أنفه..  أيقن تماما أنه سها عن القيادة فجنحت السيارة عن الطريق الجبلي وهو الآن جريح ذلك الحادث الأليم.. وريتا ماتت.. ماتت.. هذا غير معقول ‍‍! يالها من صدمة عنيفة مباغتة!
ريتا .. عرفها منذ وقت قصير، لم تكن الفرصة سانحة لأن يفاتحها بالزواج.. وهل كان يريد الزواج منها أو من غيرها.. إنه جاحد بالزواج، مذبذب العواطف تجاه النساء.. إنه يلعب ويتسلى، لا بل إنه ينتقم لنفسه من الحياة فهو لا يحبها كثيراً، يكرها أحياناً إلى درجة النفور منها ثم الوقوع في شهواته وأهوائه الطائشة دون حسبان للعواقب، ياله من إنسان محطم تافه لا يعني لنفسه قيد أنملة، لم يعد مراهقاً دون مسؤوليات كي يتيح لنفسه الفرص في العبث والتسلية المستهترة،  لم يكن في ظاهره نية العبث بريتا وتركها هائمة به ثم الرحيل عنها إلى غيرها، إلا أن نيته الباطنة تقول ذلك دون هوادة أو توان. فعل بغيرها ذلك فما الذي يمنعه فعل الشيء نفسه معها.. إنها ليست مخصوصة بشيء عنده، نعم هي أحلى ما رأى،  وأجمل ما عاشر،  وما الجمال عنده هذه الأيام إلا نزوة عابرة يغرف منه ما يشاء لإشباع الغريزة ثم المضي إلى غيره... لكنه تعثر الآن عثرة لا مثيل لها بالوهن والحيوانية وعظم الإثم..  تبدل كل شيء مع هذا الحادث، وانقلبت الموازين متجهة على الأقل بشكل  نظري إلى ضوء الحياة الحقيقية والموضوعات المهمة في سيرها على الطريق الإنساني والواجبات ذات القيمة..  وقد تتنضد من هذه الهزة العواطف والأحاسيس والمنطق والمسؤوليات القديمة فوق بعضها ثم تترتب على منوال جديد.


تم تشييع جثمان ريتا بعد يومين، حضر أبواها ونقلا جثتها إلى بلدتهما، وسليم راقد في المستشفى يحاول جاهدا استعادة عافيته، يتحرك كل حين من سريره إلى الحمام ببطء شديد مُتَّكِئٌ إلى كرسي من الألمنيوم. أقلقه الحادث في جسده وفي صميم تفكيره، فهل يبدل نظرته تجاه الحياة! وعقله مملوء بآلاف الخواطر يتخللها ويتبعها الندم على أعماله التي أدت به إلى أن تسبب في موت فتاة.. كانت جذابة وجميلة، مليئة بالحياة والنضارة،  جسد متألق يحمل روحاً عالية تسمو على مطالب الحياة أحياناً وترمح في مسارحها مع نسمات الجبال وعبير الهضاب المتموجة بألوان الطبيعة الرطبة.. وهي الآن تحت أديم الأرض في عداد الموتى،  ماتت في قلب بطانة الليل الأسود على الجبال البيضاء الباردة، ماتت تحت نسماتها التي كانت تسرح معها قبل أيام،  لا أثر لها في الحياة بعد اليوم إلا ما تركت داخل سليم من شعور بالأسى وجرح عميق قد لا يندمل. وسليم ما زال يكلم نفسه ويحاكيها، لم يصدق نفسه أنه كان السبب المباشر في القضاء على حياة فتاة لها من القيمة للحياة لا تعادلها قيمة.. حضرت الشرطة لاستجوابه في المستشفى عن أسباب الحادث والظروف المحيطة به. سألوه عن اسمه وعنوانه ومهنته ومكان عمله ووضعه العائلي وعلاقته بريتا ثم عن ظروف سفرها معه ثم أين كانا ولِمَ السفر بعد منتصف الليل خلال الطريق الجبلي المثلج، وعن حالته من الثمالة أثناء قيادة السيارة وقت الحادث.   لم يكن هناك في القضية دليل أمام الشرطة يوحي بجريمة كوجوده ثملاً وقت الحادث.. في الحقيقة لم يكن ثملاً إلى حد طأطأة الرأس إلى الحضيض ولكن دمه احتوى على نسبة من الكحول تسببت في سهو وعدم تقدير، مما أفقده قوة السيطرة على القيادة في طريق جبلي متعرج بعد منتصف الليل. إنه التعب أولاً ثم الكحول ثانياً.. لا بل لعله الكحول أولاً ثم التعب ثانياً، فلولا تأثير الكحول على التركيز لما سها وشرد، وليست هذه أول مرة يقود سيارته في الليل تحت تأثير التعب. لم تكشف التحاليل أثر الكحول في دمه بعد أن نقل إلى المستشفى ذلك الصباح فقد مرت ساعتان على إنهاء آخر كأس في المطعم الراقص قبل وقوع الحادث ثم مرت ساعتان قبل نقله إلى غرفة الطوارئ في المستشفى بعد الحادث.


لازمه الشعور بالندم والذنب، لم يتصور أنه فعل ذلك بحق غيره من البشر،  تساءل مع نفسه: (إنه الكحول اللعين.. قبحه الله من إثم عظيم.. لا بل إنها أنت أيتها النفس الخبيثة التي جبلت على ملاحقة النساء والفوز على عقدة النقص في حياتي الاجتماعية مع عائلتي.. هاأنا أعترف إنَّها عقدة نقص، ومعرفة المشكلة هو نصف الحل.. كم أكره أنصاف الحلول.. هذا ما أدى بي إلى هذه الهاوية المشؤومة.. لماذا لا تُكفِّي يا نفسي عن الأذى في هذه العلاقات العاطفية المزيفة وطرق التمويه الساقطة.. في كل مرة أندم على ما أفعله.. أما الآن فإن الندم سيلاحقني لينغص عليَّ حياتي.. لابد من حل ينهي تلك المشكلات النفسية الخبيثة،  لابد من حل يقطع دابر أسباب هذه الهواجس ومسبباتها.. علي الانتباه إلى رسالتي المقدسة في هذه الحياة والعناية بواجبي نحو ما منحني ووهبني الله على هذه الأرض.)
فترة النقاهة في المستشفى تمتد وتطول، ومرة تلو أخرى أربكه الندم وصرخ من أعماقه صرخة اهتزت لها الجبال البيضاء المتموجة ورددت صداها الشعاب العميقة في جوف الليل من حول مكان الحادث، لاحقه طيف ريتا، حركة رشيقة، ثم جثة هامدة باردة، غيمات تمضي وتتبدد ثم تختفي،  نسمات من صقيع كوكب زحل، هواجس كالكابوس الأخرق في ليلة مثلجة يدق عنقه ويستخلص آخر قطرة من عصارة روحه الهائجة،  تحيط بالنفس كتوابع زحل لا تهدأ ولا تتوانى عن الدوران، هذا الكابوس الذي عكر عليه رؤية الحياة، قلب معاييرها بما فيها من حلوها ومرها،  جيدها وقبيحها.. وهل لإنسان جل همه الفوز بعلاقة عابرة مع فتاة أن يعرف المر والحرمان أو يدرك قبح عمله!.. هل يفكر في الحياة كما يجب من الأساس حتى يشعر بوخز الضمير على ما فاته أو ما فعله دون قوامة في الاعتبارات والأخلاق التي رعتها الإنسانية على مر الحقب والعصور!..  وها هو شارد وقد استفاقت في أعماقه جوانب كانت ضئيلة الإحساس مخدرة.. نعم،  أفاق من خدر طويل الأمد بعد عزيمة وإصرار في أن يثبت لنفسه رجولته وهيمنته على الجنس الآخر لسد الحاجات النفسية الجامحة، تلك التي تفاقمت منذ سبع سنوات بعد أن طلقته زوجته السابقة، ودست أنفه في التراب، ثم سلبته ابنتيه الحبيبتين سمراء وعلياء.. هاتان ما منحه الله من المسؤولية.


 أخذ تفكيره منحى آخر وهو في المستشفى يحلل نفسيته ويدرس أعماقها أثناء اليقظة ويحلم بما لا يدري أثناء النوم، وهو يفكر بما وصل إليه من التهور ونكران الشعور،  وذلك ا لاستهتار مما تسبب في قتل فتاة صادقته مدة شهرين من الزمان المترامي الأطراف. تجلى له هذا المنحى في وضع اللوم على زوجته السابقة في كل ما حصل له من التشتت والتفكك. شعر في تلك السنين السبع وهو يصول ويجول في عالم النساء أنه ينتقم من نفسه بإشغالها بما يضفي عليها عدم الشعور بالشوق لابنتيه وعدم مقدرته النيل من زوجته السابقة. هي التي أوقدت نار الفراق بينه وبين ابنتيه، وهي التي جنحت للعراك معه فلم تعد تتقبله أو تبدي له حباً ورغبةً. أتراها تزوجته فقط من أجل إعانتها على تربية البنت الأولى سمراء .. حملت بها قبل أن يتزوجا عندما كانا طالبين في الجامعة، كان ذلك أحد الأسباب الرئيسية في عقد القران والزواج. أتراها كانت تملك الحيلة اللازمة لخداعه وسحبه إلى عش الزوجية في ذلك الوقت العصيب من حياتها وحياته!  لماذا حملت مرة أخرى وأنجبت علياء إذا لم تكن تحبه في ذلك الوقت! هذه هي ليست المرة الأولى التي يتساءل بها سليم مع نفسه عن هذه الأمور، لم يصل إلى جواب يشفي غليله ويطفئ أوار نفسه. هو الآن يدفع ستمائة دولار مصروف إلى زوجته وهذا ما أمرت به محكمة الولاية بالإضافة إلى حقه في أخذ البنتين عنده مرتين في الشهر بما لا يتجاوز يومين في كل مرة،  ولا يمكنه الخروج بهما من منطقة حددتها المحكمة، وقد اتفق مع زوجته السابقة على جدول مواعيد أخذ البنتين لزيارته. كانت علياء في الثالثة وسمراء في الخامسة عندما رفعت زوجته قضية الطلاق بعد خلافات زوجية دامت أكثر من سنة. بعد أخذ الحكم بالطلاق أخذت الأم حق تربية الطفلتين وحصل هو على حق الحيازة عليهما مرتين في الشهر وأمرته المحكمة بالنفقة يعطيها للأم في أول كل شهر.
كاد أن ينتفض من سريره عندما عادت بعض الخواطر تؤرقه وتشعل فيه نار الحمية وتؤنبه على قلة حيلته أمام الظروف وهو يحس بأنه فاقد السيطرة على دفة القارب الذي تركب فيه ابنتاه.. إنه يجنح  ويهتز ويغوص إلى أعماق البحر بأمر المحكمة هذا. تذكر وضعه الحرج عندما أبقى القاضي حق النفقة عليه ومنعه من حق زيارته لابنتيه أو الحصول عليهما مدة سنة كاملة، حصل ذلك بعد أن تقدمت زوجته السابقة بطلب حماية من المحكمة يحميها من تهديداته لها. لم يقصد التهديد، اضطر إلى ذلك بعد أن وجدها تزرع في البنتين مبادئ عقيدة دينها وتبعدهما عن دينه. في بداية الطريق اتفق معها على أن التربية الدينية من شأنه ولن يرضى لهما غير دين الإسلام عقيدة.. ولكن الأم لم تفي بعهدها الذي عاهدته عليه وراحت تأخذ الأمور على طبيعتها في حياتها، طار صوابه عندما سمع البنتين تتحدثان معه عن عقيدة مختلفة وأسس معوجة بالنسبة له. نظر إلى نفسه ساعتها مقارناً، لام نفسه على إتباع هواها والانصياع لمرادها والعزوف عن الصواب وعدم السير على هدى عقيدته بالتصديق والعمل،  أو على الأقل الإحجام عن التغرير بالنساء والتوقف عن الاستهلاك المفرط للكحول. ثم تكلم مع زوجته السابقة عن أمر العقيدة عند البنتين فاستجابت له بالكلام.  وبعد مدة عادت للاستهتار بالوعود والأسلوب المرسوم فلم يكن منه إلا أن هددها مرة ومرات حتى ذهبت إلى المحكمة وهي تحمل شريط تسجيل بصوته وهو يهددها. وبعد سنة أعادت المحكمة النظر في القضية ومنحته حقوقه الأصلية بالحصول على البنتين مرتين كل شهر. صار يكرس جهده مع ابنتيه في كل لقاء وزيارة على أمور العقيدة والمذهب، هذا المذهب الذي يحمل أفكاره النظرية، بعضها ثابت عنده وبعضها غائم لا يعرف عنه إلا القشور، ومعظم أفعاله لا تعكس الالتزام أو تنم عن الانتماء الحقيقي. ابنتاه لا تعرفان أسلوبه في الحياة ولا أعماله وسلوكه اليومي حق المعرفة فجل أوقاتهما مع أمهما أو في المدرسة، ولكنهما كانتا تستمعان إليه عن كثب وتفتح في العقول، لاقى صعوبة بالغة في إعادتهما إلى الاقتناع

بعقيدته والاستماع إليه بشغف. لم يكن هادئ النفس خلي البال من أمرهما مع الأسس الصحيحة، ولكنه كان يواسي نفسه بأنه ليس بيده حيلة غير ذلك فهما تأتيانه مرتين في الشهر وليس بوسعه المحافظة على مبادئهما كما يريد ويرغب. حاول مرة العودة إلى زوجته السابقة من أجلهما ولكنه قوبل بالرفض التام والمواجهة السمجة..  كرهها بعد ذلك وكرهها قبل ذلك ولكن محاولته بالعودة هذه كانت آخر ورقة يرميها للعيش مع ابنتيه والحفاظ عليهما من سيطرة الأم  وهيمنة المجتمع المليء بالقيود المتحللة المفككة  التي لا ترضى عنها سريرته. تآكلت روحه واهترأت وسائل سيره ومشيه.. تهشمت مساعيه وانحسرت تطلعاته.. تحكمت فيه القيود من حو له في كل مكان من هذا المجتمع، تلك هي قيود الحرية. وما جنوحه الأخير مع ريتا إلا نتاج ضعف أنفته مرة أخرى واستجابة خاطئة لأمر زوجته السابقة وتحديها له بأخذ أحد الرجال صديقاً لها يزورها في بيتها على مرأى ومسمع من ابنتيه اليانعتين،  سمراء في الثانية عشرة من عمرها وعلياء في العاشرة من عمرها....
... وهو اليوم بالذات بحاجة إلى أن يتصل بزوجته السابقة في تلك المدينة المجاورة ليعلمها أنه لن يأتي لاصطحاب ابنتيه الحبيبتين بعد غد إلى مدينة الألعاب لأنه راقد في المستشفى جَرَّاء حادث سيارة فظيع وأنه يتماثل للشفاء وسيحضر في الأسبوع القادم أو بعده..
.. ومن خلال وقت الفراغ الطويل والتفكير المستديم وهو راقد في المستشفى والبعد عن النزوات الطائشة وتخاذل الشعور عنده في حب الانتقام الشخصي من زوجته السابقة أضحى يحيك بداخله أمراً، وقد عزم في قرارة نفسه عزم أكيداً دون رجعة على استقالته من العمل وأخذ حقوقه كاملة ثم تهيئة أموره وظروفه في سرية تامة ليصطحب البنتين معه من خلال خطة مدبرة في رحلة طويلة إلى إحدى عواصم ما سموه الشرق الأوسط.