ما زلت غرّاً

PDFطباعةإرسال إلى صديق

التراب، الهواء، الثقافة، الموئل الحاضن للأحلام والأماني، المعين المتدفق مع كل ضربة قلب ومع كل رجفة رمش، الماء، الوطن، والهواء يتفتت في الممرات ثم يندمج في الشرايين التاجية مع هرمونات التأني نحو النصر والتمكين للنفس نحو الأمل،

 نحو الأمنيات الفعالة، ثم بدأ يضن عليّ بالأماني كما ظننت، ويبخل علي بالعطيات كما حسبت، ولعلي قصدتُ منهل التاريخ لكي ينقذني من مطبات وحل كانت تستدرجني نحو الخيبة والنكران.
كنت غراً ساعتها، حب الشباب على الجبين وأوبار على جلد الفكين، بقيت أكنّ له الحب والتقدير، هو التراب والهواء، هو الوطن، ألامس ذكراه بفكري، بأناملي، بناظري، بكل أحاسيسي، لم أتعثر بشعوري هذا ولم تسعني الدنيا ففخري بالعربية يتنضد حول الشغاف وبين أروقة الصدور، لغة القرآن العظيم، لغة الحياة والحب، لغة الرحلة نحو الرفيق الأعلى، وكان الحظ من الانكليزية أكثر بقليل من أمطار الربع الخالي، وها هو المعهد البريطاني يفتح أبوابه ويستقبلني، شعوري بارد وقدماي ثقيلتان، والانطباعات تكثر وتكثر، عليّ أن أتعلمها أكثر وأكثر، الفرص أعظم في النجاح والدخول إلى عالم التقنية الحديثة.
الحرارة في تموز،  مياه الخليج العربي تتبخر والرطوبة كثيفة، وهاهو مكيف الهواء المركزي يتعطل فيتوقف الدرس إلماماً ثم يأتي الهواء البارد من جديد والمعلمة ذات

الوجه الملآن والشعر المصفر تشرح الفرق بين كلمة وطني (ناشيونال) وكلمة عالمي (انترناشيونال)، ثم أتت بمثال: مباراة كرة القدم بين الكويت والبحرين هي إنترناشيونال.
رفعت يدي متحسساً أن تنظر نحوي، رأتني منهمكاً فطلبتْ مني التكلم والابتسامة تعلو محياها الطافح بالحيوية. قلت: عفوا إنها وطنية (ناشيونال).
أضحت الإبتسامة أعرض وأوضح حينما قالت:
- لا أبدَّا.. إنها دولية، بين دولتين ألا ترى!
وأشارت إلى إصبعيها السبابة والوسطى، ثم أخذتْ تشرح الفرق بين الكلمتين عن طريق أمثلة أخرى وتابعت الكلام عن الجغرافيا وتقسيم الدول في العصر الحديث، وأنا أستوعب الأمر وأفهم من الكلام أكثر من نصفه بقليل.
سرحتُ في الحاضر أراجع الماضي وأرشف من بوتقة مستقبل كله آمال مشرقة، وقد انتهت من كلامها، فأردفتُ قائلاً بإصرار: إنها ناشيونال فالعرب أمة واحدة ووطن واحد ولا فرق بين الحدود فهي مصطنعة ووقتية لذا فهي ناشيونال.
لعلها فهمت المراد من كلامي المتكسر حين أومأتْ لي بكل سرور وهدوء وقالت بحركة تمثيلية: نعم ولكن الواقع الآن هكذا وهي في الكتاب هكذا.
قلت: الكتاب إنكليزي!
ثم فتحتُ صفحة أخرى من الكتاب منهمكاً ومعترضاً، خريطة واضحة ملونة ومزركشة، أشرتُ مرتين، واحدة إلى ما سمّوه (الخليج الفارسي) وأخرى إلى ما أطلقوا عليه (إسرائيل).