روغان قلم

PDFطباعةإرسال إلى صديق

هو الوادي، يكاد النور يعافه، وهي حولي، تلال مزهرة متحركة، سباتها ينتقل من هنا وهناك، شذاها يفوح ويتطاير، مددت يدي باتجاه قلبي، أخرجته وهممت به كما أفعل وقت كل انفعال وتجليات، فاجأني عندما تلكأ ثم تحجر، أفزعني عندما

 تنحى ثم نظر، أعجبني وقتما استدار ثم تمطى صامتاً، رفعت يدي عنه إلى شفتي وقلت: ما بك أيها القلم! أجابني متعللاً: راوغني حبري وسئمت من تنوير الليالي من أجل البشر.
عاتبته متسائلاً: أتهون عشرة العمر الطويلة بيني وبينك أيها القلم!
وقتها خذلني وأحبط قوتي عندما قال: من أنت؟!
أردفت بسرعة شهاب ثاقب قائلاً:  يا صديق العمر أنا فنان بارع مبدع في تقديراتي، ألتقط الصورة وأمعن في تفاصيلها، أمسك بالدقائق التي لا يلتفت إليها أحد، أصفها وأحييها، أجعلها محطة نظر، لدي هيام باللفتات الفنية وبحركات الجسد، حسبتك تشعر بالنشوة مثلي، ألا تذكر كم ساعدتني بالأفكار وسهرت معي الهزيع وقطفت من مناهل الإبداع بقربي، ألا تعلم!
وهذه التلال لا تزال تغني حولي، تتقارب وتتباعد، تعلو وتهبط، والسبات يتحرك معها ويتدحرج، ويدي لا تزال على شفتي، عندها قال القلم: لم يبق لديك ما يغري بالبقاء معك.
قلت: عندي ولع بلمعة البرق الخفية، وبدواعي النفس الواهنة والعتية، أحرك النتوءات الصغيرة والكبيرة بسحرك وأنت معي تعزف لحن النفس فوق الكراسات كل حين، وأغوص بفضلك إلى مكامن اللؤلؤ في أرواح الآدميين من حولي، وإلى مغارات الخطر في التفكير البشري، وأحيل الطبيعة إلى أبعاد رباعية تبتسم وتنطق، وتقول لي ما عندي شيء، عندي أنت وأنت أعزُّ ما أملك بين أصابعي وخلف ناظري فأنت قلم وفيك تتجسد خطرات القلم.
قال مستهزئاً: كيف لي أن أعيش في هذا الوادي معك وأنت وحيد دون تموين من الحبر والألوان.
تباطأتْ الخطى وابتعدت التلال هنيهة وطريق العودة موحشة مستمطرة. جمعتُ قواي وقلت: لا يهمك أمري، أعرف هذا، لا تفاصيل منمقة في حياتي ولا لفتات مرموقة ولا دقائق مزهرة كما التلال حولي، ليس لدي مؤونة سفر ولا وقاية من أخطار الحضر، والقادم لا يعرفه إلا من ملك أقدار الكون.
قال:  ما تفعل مع الحياة!
توسعت الحدقتان لدي حين أجبته: أحصد ذؤابات الندم كل ليلة بعد أن أضعك على رف الأحزان، أو بعد أن تأوي إلى خلاصك مني ومن تبعاتي الملحة، أعلم أنني أتعبك معي وأنا أمتص من الرحيق، أقدم الإبداع ولا أملكه في تخاريم حياتي، أنير درب غيري فيفتخر بي وبك ثم تراه يتقدم وينطلق، وأعود أنا كما تعرفني إلى طرف من ظلمة الليالي التي أنرتها للبشر، أغني الأغاني الحزينة وأنشد الأناشيد القديمة بعد عملية إبداع مثقلة، يئست من نفسي مراراً وسئمت الإبداع بين تلال يغشاها السبات المتماوج.
ومضى زمن، جفتْ عروق الحبر القاتم والقانئ،  وتربعتْ طبقة سديم سرمدي على الوادي، لا التلال استمرت في الازدهار ولا هي اقتربت من النفس الوثابة، ولا الابداع تفاقم في الشعاب والأجواء، ثم احمرّتْ أطراف المرجل وتمددت، ودوى انفجار سمعه أهل البلدة حول التلال، قالوا انهيار صخري وقالوا عبوة ناسفة وقالوا ... ثم أتاهم الخبر البيّن: إنها نفس بشرية وجسد آدمي.
توقفوا في منتصف الطريق وعادوا أدراجهم إلى سباتهم المتحرك.