غبطة الممرات

PDFطباعةإرسال إلى صديق

اللون الأبيض أعمى نظري، هو في كل اتجاه وفي كل زاوية، بعضه ثابت وبعضه متحرك، أخذ يرمقني ويترصدني، منذ دخولي وهو يرسل سهامه نحوي، رأيي حتماً سيتغير حياله، ممرات وممرات ومصاعد وحركة دائبة، ها هي الغرفة المطلوبة،

 باب موصد يعلوه ضوء أحمر، لا أحب الأحمر أيضا وهو يمتزج مع صراخ اللون الأبيض في كل مكان، الخطر يقترب والعمر يداهم أوقاتي الماضية، جلست متماسكاً على المقعد، عظمة الحوض تلامس الخشب الأبيض، والعمود الفقري يتنضد على الجدار ويطبع نتوءات متعرجة محاطة بهالات بيضاء، في الداخل جرح ينز في الخفاء، لا أحد يراه أو يسمعه، الغرفة أمامي مقفلة والضوء الأحمر تزداد حدته لحظة بلحظة، وأنا أقرأ بين لحظة وأخرى: غرفة التنظير الشعاعي. حرارة البروتستات تعلو وتعلن الحرب على الجسد، أنين صامت في الأسفل يصل جزء منه إلى خلايا الدماغ، هو لا يتعطل عن الحركة بل عن التفكير والانطلاق، وهو لا يجرؤ أن ينتقل إلى مسامات الكون البعيدة كي لا أخاف فأقعد ولا أقوم، توازن حذر شفاف، وهناك ضحكات تنطلق من الغرفة المجاورة لغرفة الأشعة، ضحكات تعلو ثم تخبو مختلطة بالكلام والأكل، مشروع سعادة غامرة للقلوب، أحسست برذاذ من الطعام شلالاً من أفواه

تأكل وتتكلم وتضحك ثم تضحك، الباب مغلق تقريباً إلا من قيد إصبع، تنحبس فيه الضحكات ثم تنفجر نحو الممر الأبيض، تعلن الفرحة والسرور وتغمر الممرات البيضاء والمصاعد، والجرح في الداخل يتقد ويتسعر، يكشر عن أنيابه ثم يهاجم نهايات الأعصاب الحسية، يهتك ستر الخلايا التفكيرية ويحكي للدماغ حكايا لا تنتهي، ما هو الأسوأ! ما هو الآتي! ماذا سيجدون هنا في هذه الغرفة ذات الضوء الأحمر! ثم انتبهتُ إلى نفسي تتمتم: إنه قسم العظام، العظام البشرية، أعضاء الجسم البشري، الهيكل الذي يحملنا ويحمل العبء في الحركة والنزال مع الحياة. تململتُ ورفعت طرف مقعدي عن الخشب الأبيض، ونبض الألم يرتفع ويتزايد، انفتح باب غرفة الأشعة وخرجت منه ممرضة، اتجهتْ نحوي قائلة:
- أين الورقة.
مددت يدي نحوها بعبوس وسألتها:
- لماذا حولوني إلى هنا، أليس هذا قسم العظام؟
سحبت الورقة من يدي قائلة:
- نعم إنه جناح العظام وهذه غرفة الأشعة التابعة لهذا القسم، حولوك بسبب الازدحام في أشعة العيادات الخارجية.
.. ومازالت الضحكات تتعالى والكلام يختلط في صداها من كل حدب وصوب، إنها حفلة تنكرية أم تكون حفلة عرس، في المستشفى!! وجهت نظري نحو الغرفة المجاورة ثم نحوها علامة الاستنكار من الضحكات والجلبة، أومأتْ برأسها ورفعت حاجبيها الدقيقين مبتسمة ثم اختفتْ وأوصدت باب غرفة الأشعة خلفها، الضوء الأحمر يسطع، وقسم العظام يتمدد من الضحكات في الممرات، أسندت ظهري إلى الجدار أنتظر دوري، آلاف

 الومضات في خاطري تحثني على الفزع ونبضات تخرجني من الدنيا وأحلامها الوديعة، قالوا عليك التصوير بالأشعة الصوتية من الأسفل، البروتستات خداعة، انتبه، وأخافوني ثم وضعوني على جناح الرعب يطير بي ثم يهوي بي في مكان عميق ويحبسني في لجة مظلمة، أستيقظ من جديد وأعود إلى رشدي ثم تنطمس أفكاري إلى الهاوية مرة أخرى، طال انتظاري وتحجرت عظامي: لأتمشى قليلاً في الممر، ومازالت الضحكات تتعالى والقهقهات تتمازج مع الكلام، هم يأكلون ويمرحون، نظرت من فتحة الباب فلم أر إلا ضحكات وضحكات، خرجت الممرضة مرة أخرى فأشرت إليها وهي متجهة بعيداً عني فقالت: جاءتنا حالة مستعجلة أرجو الانتظار. ثم ذهبت وابتلعها الممر الأبيض، العقل في عمل والبال في حراك وتوتر، والضحكات تشغلني تارة وتزعجني تارة، مهموم مهموم، عجبي من النتيجة، ما هي! أريد أن أعرف، لماذا الانتظار، هي الدنيا هكذا انتظار في انتظار، ثم ماذا! ضحكات وضحكات، ثم خبت الضحكات وتحول الهرج والمرج إلى كلام ومحادثة، طرق مسمعي صرير مفاصل الباب، صوت حاد يتداخل مع أجواء اللون الأبيض في الممرات، خرج من الغرفة كرسي متحرك ثم خرج آخر ثم تبعهما آخر، نظرت إلى الداخل فإذا بطاولة عليها بقايا من طعام وشراب وكرسي متحرك فارغ  إلى جانب السرير وعلى السرير. شخص متمدد نصفه الأسفل مسجى بالبياض، هو في مقتبل العمر وهم كلهم كذلك، يتحركون بأيديهم، خرجوا وقد انتشرت الضحكات إلى الأجواء والممرات وتبدلت إلى ابتسامات مألوفة منتعشة، وأضحى المقعد الخشبي وسادة طرية، وها هي الجدران خضراء تزهو، توقف الجسد عندي عن الإيلام، وابتلع العقل كل الألوان، مزجها بعفوية وحللها بأريحية وها هو يرسلها قوساً للمطر.