قراءة في (قيود الحرية)

PDFطباعةإرسال إلى صديق


الحفـاظ على الهويــة
 والدفـاع عن الشخصيــة!!


هذه المجموعة القصصية هي العمل الخامس الذي صدر للكاتب المهندس ريّان عبد الرزاق الشققي، بعد ثلاث روايات (أهواء ودموع، مَن الضحية؟-ضاعت الأحلام) ومجموعة (انتصر الحبّ) ..وكان من قبل قد أصدر خمس مجموعات شعرية هي (شوق ووطن، عبور، صدى نفس، مائدة الأمواج، نهض الحجر) ومع كل هذه الإصدارات التي لها حضورها في حدود القصة والشعر، وفي إطار العمل الإبداعي الروائي، وفي دائرة الحياة الأدبية العامرة بالمعنى المفتوح لها، لم يكن هناك احتفاء يلفت الأنظار، أو تأكيد على تقييم الرحلة الأدبية من قبل النقاد والباحثين والجمهور، على الرغم من أنّ الكاتب ريان عبد الرزاق الشققي يرتاد مواقع المثقفين بثقة.
وله موطىء قدم في البلد الذي يقيم فيه (المملكة العربية السعودية) وهو يحدّث تجربته الناهضة في النصوص الشعرية والقصصية، ويخطو في النشر خطوات حثيثة، في الصحف والمجلات،ويعدّ شريكاً فاعلاً في موقع مميّز على الانترنت، على اعتبار أنّ التواصل المعاصر مع لغة العصر تجريب جديد جداً، ووسيط قوي مؤثّرفي المتلّقي وهو جزء هام في النشر والحوار ومحاولة الربط بين كاتب النصّ وقارئه، والكاتب الحقيقي ينبغي ألاّ يسير على وتيرة واحدة، وإن كان يطمح الى تحقيق الحضور دفعاً للغياب الطويل، وتجسيداً لحالات مختلفة من التجربة الأدبية، ولرؤية أكثر حميمية في زمن المعلومات، بعيداً عن النمطية والترويّ في الخطاب المباشر الذي لا يضيف الى ما يثري التجربة والمنجز، أو يحقّق سحر النصوص وفتنة الكتابة!!
سبع وعشرون قصة في هذه المجموعة(قيود الحرية) وقد التأمت في تضافر وانسجام بدءاً من (غبطة الممرات) وانتهاءً بـ(ومضات قصصية، مروراً بروغان قلم، وما زلت غراً، وقيود الحرية، وكابوس الازدهار، والوصول وصعقة الواقع.
وعندما يتوقّف الفؤاد، وإدمان الذكريات، وزحف  الأمنيات وانعدم الوزن، والتقاعد، ولا أرغب في العيش وحيداً، واليقين الخفي، وماذا له في الصين؟ ورائحة المكان، ومراثي القمر..وأمل خائب وقصّة قصّة! وأمسية ثقيلة، ولحظة يأس، وأين أبي! وهي تحبنّي، وعاصفة شمسية! والوقوف على الجمر وفراغ في الطريق.
تتجلى في القصص المسرودة شخصيات كالأطياف لا ملامح لها ولا عناوين ولا سمات بارزة لكنها قادرة على زعزعة السكينة وتحريك الهامد، شخصيات تحمل  جرأتها على الواقع الراهن، وتستفيد من تنوّعها وثرائها في تعرية المظاهر والسلبيات.
في «غبطة الممرات» رصد للمشفى وتوّتر المريض من خلال مشاهدات منفّرة وضحكات لا مبالية في جوّ غرائبي لا ينسجم مع المرض والألم!
وفي «روغان قلم» نجوى ومكاشفة، مع صوت خفيّ يريد ان يكون مدوّياً، يوقظ بإبداعه مَن راح في السبات!.
وفي قصة «ما زلت غراً» هناك من يتعلّم اللغة الانكليزية ويتعرف الى أنّ (الناشيونيال وطن والانترناشيونيال عالمي) والمباراة التي على أرض الواقع بين الكويت والبحرين هي انترناشيونيال والمعلمة (الأجنبية) تشرح ذلك، لكن الطالب يصحح: إنها وطنية، وإن العرب أمة واحدة في وطن واحد، ولا فرق في ظلّ الحدود المصطنعة بين عربي وعربي، ولكن الكتاب انكليزي يلحّ على عبارة الخليج الفارسي بدلاً من الخليج العربي، ويكرر كلمة اسرائيل بدلاً من فلسطين،  والقصة موحية وجميلة تتدفق بنبض آسر، وتتحسس وجع الحاضر المنكسر!..
(انظر ص 12و13و14 من المجموعة)
وفي«قيود الحرية» نتعرّف الى سليم الذي يأكله الندم على «ريتا» التي ماتت في حادث سيارة تسبب به!..
وقد كانت لسليم زوجة أخذت ابنتيها وتطلقت وهو نادم أكثر، وقيود الحرية في أمريكا تمنح الزوجة حقوقاً، وتحرم الزوج منها بعد الطلاق، وهي تربية الأولاد والنفقة، فماذا يفعل؟
لقد تآكلت روحه واهترأت وسائل سيره في الطريق الصحيحة، وتهمشت  مساعيه وانحسرت تطلعاته، غدا ضحية الحرية، والمجتمع الأمريكي ليس حراً كما يزعمون، بل إن قيوده لا حصر لها،ويبقى الشرق شرقاً، والغرب غرباً، ولا يمكن أن يلتقيا!!
(ص23 من المجموعة).
وفي «كابوس الازدهار» وجهات نظر كثيرة، وقصة لا تسلم لقارئها القياد بسهولة!! وهي ملفوفة بالضباب الخفيف الشفيف، ومع تواتر المشاهد وتنوّع المقاصد يشعر القارىء انه بحاجة الى ان يعيد قراءة القصة ليصل الى مضمونها!!.
في قصة «أمل  خائب» هناك ماجد وصديقته الامريكية هايدي، وهو يستعرض حياته أثناء تحضير وجبة العشاء،يستعيد شريط أيامه مع الصديقة، ومع أهله ومع ناسه الذين تركهم في وطنه، ثم يصل الى خيبة أمله بما كان بين صديقه عرفان وهايدي، قبيل سفره، إذ أمضى ليلة وداع سعيدة!!
(صورة عن الحياة التي يحياها الطالب في أمريكا) .
وتأتي قصة القصة لتكشف عن بطل متميز يحبّ فتاة صغيرة، وقد تمردّت هذه الفتاة وتأبّت ان تعود الى سطور القصة وتمنعت ان تنصاع الى قلم الكاتب!!.
وفي «أمسية ثقيلة»  هناك طلبة جامعيون (رفيق المجدّ والمواظب على دراسته ومجيد المأفون الذي يرتكب حماقته فيضربه بالنار زاعماً أنه يلعب مع صديقه، ثم يتدخل صديق ثالث ليوضّح الموقف ويصلح ما أفسده مجيد)!!
في قصة «لحظة يأس»: مريض على سريره في المشفى، وقد عاد بذاكرته أنه لا ينجب الأولاد، بينما زوجته التي لم تزره حامل وستلد غلاماً اسمه عماد، يترك المريض المشفى ويذهب الى البحر لينتحر!!
أما «أين أبي» فالوالد الذي يرحل عن أسرته زمناً طويلاً، يعود نادماً، وقد تربّى الأولاد في حضن أمهم وصاروا رجالاً، يعود ليموت ويترك ثروته مكفّراً عما سلف..
وفي نصّ «هي تحبنّي» هناك ابن تحبّه أمه لكنه ينفر من محبّتها! وفي «عاصفة شمسية» شاب له علاقة مع طالبة جامعية، وتتطور العلاقة الى ان تصل الى درجة حادة، إذ أخذتها الدوافع والأحاسيس المكبوتة فَتُقْدمُ على قتله انتقاماً من جنس الرجال!
في «الوقوف على الجمر» قصة عراقية تبدأ من الفلوجة، وعائشة في بيتها الذي دمّره صاروخ، يحاول أحمد ان يفعل شيئاً، لكنّ عائشة تموت، وهو ليس أمامه إلاّ أن يحمل سلاحه ويمضي الى حيث (يدري).
أما «فراغ في الطريق» فهناك الابن الذي يسأل أباه ويعلّق على فيلم سينمائي مصري (الطريق الى إيلات)، وهي لا ترقى الى رحاب القصة، بل تسرف في خطابية الخاطرة الأدبية لتقول: إن أثر الاعلام الحالي أثر مشوّه وضعيف وفي أدنى مستوى المسؤولية، وهو ضد الناشئين يعزز الاستسلام والخنوع!!
وتنتهي المجموعة بومضات قصصية محلقة ومكثفة تقترب من القصص القصيرة جداً، وبايحاءاتها وفضاءاتها السريعة المختزلة تنفتح أمام القارىء بوابات من أمل، ودفقات من تألق وتأنق في اختصار الراهن، وشفافية البوح، وسموّ المعنى، وارتقاء الهدف.
ريان عبد الرزاق الشققي يهندس الكلمات أحياناً، يضع قارئه في أجواء مرصودة ، يفتح أمامه الأسئلة باتجاه التغيير، يرفض الجمود في الشكل، وفي زمن التأرجح يرمي شباكه في مواجهة ذائقة تغري وتحفز على ان تعيد قراءة هذه النصوص التي حوتها مجموعة «قيود الحرية» وربما يتحير القارىء أمام مفترق الدروب، هل يرجع الى البداية يشحذ تأمله ليتواصل مع هذه النصوص أم يتوقف عند شخوصها التي لا ملامح لها سوى الأسماء وهي نقطة مهمّة!!
يرسم الكاتب المهندس أجواء رومانسية ويمدأمام قارئه الأفياء، ويفرش لشخصياته كثيراً من الأفكار والصراعات الداخلية وهناك عودة ظافرة الى جادّة الصواب، عودة الى الحقيقة بعيداً عن التشوهات والانهزامية والاستسلام.
وربما يلجأ الى عبارات لا تنسجم مع السرد القصصي، ولا تأخذ بتلابيب البيان الأصيل، وهي عبارات تبدو على رهافتها غير موظفة مثل:
-يا له من إنسان محطم تافه لا يعني لنفسه قيد أنملة!
ص17
-تبدّل كل شيء، وانقلبت الموازين متجهة على الأفق بشكل نظري الى ضوء الحياة الحقيقية والموضوعات المهمة في سيرها على الطريق الانساني والواجبات ذات القيمة...ص17.
(مثل هذه العبارات لاتصل الى قارئها!)
-أخذ يهذي ويصرخ باسمها وهو يصرخ مادّاً عقله وأفكاره قبل يديه!ص208
-الوقت يسرع في العقول والأفكار تتلاحق كي تتمكن من الغاية! (أية غاية؟!) ص217
-معاني الرحلة تنسدل  خلفه كل دقيقة!!
ان ما يكتبه ريان عبد الرزاق الشققي يظلّ منبراً مشرعاً باتجاه الأخذ والرد، باتجاه اعادة الصياغة المناسبة للسرد القصصي، باتجاه الاستشراف على لغة لاتسلم قيادها بسهولة باتجاه التأكيد على ثراء التجربة، ومحاولة التمسك بالجذور، باتجاه الإدانة الملحة لتفاهات الحياة الغربية وماديتها، وطغيان غرائزها وأهوائها، وتلبّد عواطفها وانسانيتها، باتجاه المحبة للوطن، والانفتاح على كل التيارات في مواجهة رياح التغيير وأفق الاخطار، باتجاه الحفاظ على الهوية والدفاع عن الشخصية، باتجاه التواصل الجاذب الى جوهر الأشياء لا قشرتها الظاهرية، باتجاه الوعي وتأصيل الذاكرة، باتجاه ان تجد هذه النصوص صداها في المتلقي، فهل استطاع ان يصل الى ما يطمح، هل استطاع ان يمرر مقولاته بيسر وعذوبة؟؟ ذلك ما يجعل القارىء في حَيرة، وإعادة النظر في هذه المجموعة لهامبرراتها، وتبقى مشروعة في مواجهة ذائقية تثري النصوص، وتقدّم قراءة جديدة، مستأنية مخلصة، وواعدة، والكاتب يسعى الى ان يحتضن دائماً مكانته مع النخبة في إبداعه الحذر الذي يجمع بين الأصالة والحداثة المعاصرة.

_________

نزار نجار