يا جماعة إنسانياً

PDFطباعةإرسال إلى صديق

الأطفال عطشى، والأطفال جائعون، والأطفال يموتون من قصف وتدمير ووحشية رعناء لا تبقي ولا تذر، إنه العدو، نعم إنه العدو ومن والاه، إنه العدو ومن سكت عنه وفي يده أن يفعل ما يفعل، إنه العدو ومن تحالف معه ومن دعمه وسنده وهلل له، لقد استمرأ القتل وبعث بغضبته الشنيعة نحو الحرث والنسل دون هوادة ودون مخافة البشر أو رب البشر.
في غزة يبكي الأطفال
في غزة تغرق أحلام الأطفال
في غزة يغرف طفل ماء البحر ويشرب
في غزة يُطمس فكْر البشر ويغرق
يتوجع شاطئها
يتسامى في الروح أنين هادئ
والفقر وهاد ورماد
والفقر يناظر للأعلى ...
كي يهبط في مسرح طفل يتلوّى
فيعاتب خط الفقر ويغرق
قالوا :  فليغرق.

صامدون صامدون، تيهي يا غزة فالنقص فيك كمال، قومي يا غزة فالجوع فيك نضال، بوركت وبورك من اتخذ الصمود مهيعاً، وعمر النفوس بالكرامة والإباء، ورفع الروح بالكبرياء، غزة الصامدة، وفلسطين الأبية، أطفالك اليوم سهام في أعناق كل متجبر جبار على هذه البسيطة لا يعرف للرحمة منزلاً ولا للسكينة طريقاً.

طيف ينساب على أطفال الدنيا
موجات تبهرها نكهة أحلام وردية
أمنية الأطفال تعانق وهج النجم وتطرب
وسهام القمر الفضي حقول وهزار
وشعاع الشمس سنابل قمح تتراءى
لا تـتعـبْ
هي حبة قمحٍ ذهبيهْ ، هي حبة قمح أزلية
هي حبة قمح لا تغرق
وحكاية طفل يؤوي في الليل أمانيَ لا تخبو
لا تنطفئ ولا تغرقْ
...  عهداً  ، لن تغرقْ .

لا نساوم، لا نساوم، وليكتب التاريخ وقفة عزة ولفتة إباء، وكيف نساوم والمسؤولية جسيمة، والحلول في الأفق تنذر بالشؤم في هذا الوسيط أو ذاك، كلهم منحازون للقوة الغاشمة الظالمة، كلهم مصالح لا تنتهي والأمن أمن هذا الكيان الغاصب، والأمن أمن هذه الدولة الدخيلة المصطنعة مهما كان الثمن، وكيف نساوم على الكرامة وكيف نساوم على الأرض المباركة، وكيف نساوم على ما لا نملك المساومة عليه، القضية ملك للأجيال وهي ملك لمن قام عليها بالحق وبالتنوير وبالحقائق التاريخية والواقعية، والله لا يسأل عن النتائج ولكن يسأل عن النوايا وعن الأعمال، والكرامة لا تنتهي إلا إذا انتهت الحياة على وجه الأرض.
قالوا يـئسـت فقلت لا لم أياسِ
لا زلت أؤمن بالطريق التربوي
من  قال إن زماننا  قـد فاتـنا
فلينحسر خلف الصفوف وينزوي
لا مساومة أبداً، لا مساومة إن كان في المساومة خنوع وتنازل عن كرامة، ماذا نقول للأجيال إن أضعنا الأمانة أو خنعنا او خضعنا لجيوب الذل والمهانة، ماذا نقول للتاريخ إن تنازلنا عن الحقوق في الأرض والعرض والكرامة في لحظات ضعف وشهوات دنيوية مؤقتة، فليعن الإنسان ثباته وليتخذ موقفاً مشرفاً يرتاح في كنفه ما دامت الروح بين الضلوع.
لوني هو لون الحق يماوج بين الأخضر والأحمرْ
يتهادى فوق طيوف اللون الأبيضْ
لوني هو لون الزيتونِ ، ولون العشب وطفلٌ يزحف نحو المنجلْ
لوني هو لون الإنسان يقاتلْ
يصعدُ ، ينزلُ يبعد شوطاً ثم يجاورْ
لوني هو لون الدرّة في مخبئها
تنأى،  تنظر نحو الغدر الهامس في قلب الكونِ
من الإنسان إلى الإنسانْ
ثعبان يطرد ثعبانْ
والأرض تدورُ تلفُّ وتعلن أنباء الإعصارْ

وما هذه الديمقراطية الرعناء التي تقوم على احتلال الأرض والتنكيل بالإنسان وطرد الشعب قسرا، إنها كذبة كبرى وخديعة عظمى، لا تنطلي إلا على أصحاب المصالح دون المبادئ الرصينة، فلا يغرنك تقلبهم في الأرض وفي الأمصار، إنما البقاء والنصرة للحق والحقوق الثابتة مهما طال الزمن وتوالت الحقب، تلك الحقوق التي ضمنها رب الخلق أولاً والشرائع البشرية ثانياً، فديمقراطيتهم تخصهم وحدهم فهي التي تترعرع في حب السرقة وروح الاحتيال والتعطش للقتل، أما نحن فحقوقنا ثابتة لا تزعزعها الأيام ولا البشر المعتدين والمدّعين، ولا تتلاشى بأقوال الناس ولا هيئة الأمم ولا الفيتو ولا المؤتمرات ولا الأبحاث.
شجبت بقاع الأرض مجزرة العدا
كيما  تزول   مقاصل  السفاح
من يكتفي بالشجب كيف صعوده
من يكتفي باللوم  دون  جناح!
ها نحن نطلب من سواك حماية
والمجمع  الدولي  والأشباح
ها قد هرعنا نجمع الأصوات من
(منظومة)  لا تعتني   بصياحي
أما وقد أضحت الأمة ذات ردات فعل خاوية، إلا القليل ممن اتخذ المقاومة نهجاً وسبيلاً وعرف أن المقاومة هي الطريق الصحيح لردع الاحتلال البغيض ومخططاته العدوانية... لا لن نستكين ولن نهدأ... لن نغرق أو نركع، لن ننوء عن الحق أو نحيد عن الثوابت، صامدون صامدون، لا نساوم، لا نساوم في هذا المحيط الزاخر بتيارات الظلم والتخاذل والتواطؤ.
قولي ...  تحت جناح الليل المظلم قبضة نارْ
تحت الشمس وفوق أديم الأرض ذهولْ
صنم الأحلام غبارْ
أشباحٌ تنشط فوق الزبد وتنأى
ونوارسُ شاطئنا يحبسها موجٌ فيه غواشْ
وصديق يصنعُ ناياً من مطاط
هذا اللحن الأخرسُ .. ذابَ وخارْ
يا للعارِ .. ويا للعارْ .
كيف ينجو قاتل الأطفال من التنديد، كيف يخرج متباهياً بعد أن طمس البراءة من الوجود، كيف يأمن من وطأة العقاب، بل كيف يعيش على هذه البسيطة من يجرؤ على نزع الحياة من البراعم المضيئة، وخلع البسمات من صدور الاطفال وإطفاء الشعاع من النور القادم.
دعني أحلمْ
دعني أركب موج الدنيا
دعني أرحل فوق الشطآن كنورسْ
دعني في تحليقي أنأى
حلمي يتهادى
وأعود إليكم محمولاً برداء الأطفالْ.
لهذا نسأل الفضائيات، كل الفضائيات التي تنطق بلغتنا والتي تعرف معنى الإنسانية أن تتعاضد مع القضية الكبرى وتتضامن مع بعضها لتكون على مستوى المسؤولية الإنسانية، وهنا نحيّي تلك التي تأخذ من القضية أمراً مسؤولاً، ونسال تلك التي تتجاهل الأمر وتترك المجال على مصراعيه للتسلية والترهات سبيلاً في هذه الظروف أن تعود إلى رشدها قليلاً وأن تشارك الأمة قضاياها المصيرية، ومن أقل القليل وضع شعار لفلسطين على الشاشات طوال مدة البث، أو جعل البرامج تنبئ بالقضية وتوحي بعظم الكارثة وبالصمود والاعتزاز بالأرض والكرامة. إن لم نسال الفضائيات التعاطف من أجل الدين والثقافة ووحدة المصير  فنسألهم باسم الإنسانية على الأقل، التعاطف مع أهل غزة، دعوا عنكم الإيدولوجيات والأهداف والاعتدال المزعوم والحيادية المخزية وما إلى ذلك من مقولات، إنما هي الإنسانية على المحك، هذه المجزرة ليست الأولى فقد سرقوا وسفكوا وقتلوا وشردوا من قبل، ولكن الآن افتضح الأمر من نواحي مختلفة وزوايا عريضة وأنياب يقطر منها السم الهاري وينتشر منها الشر المستطير على العالم كله والإنسانية جمعاء.
يا جرح (غزة) في  القلوب مواجعٌ       
ومن   الرياح    نوائـب    وبلاءُ

صهيون صار على البسيطة جائر      
وعلى   العوالم    عقـدة   كأداء

صهر  الحديد   بصعقة  من  حقده     
فخبتْ  لهـول وقـوعها  الزهراء

لا إنس  يـنـبـس والشفاه  كليلة  
تأتي  الرعود وتختـفي  الأضواء

وعصابة  الظلم  البغيض غطاؤها  
رعبٌ    ووهدة   مجرم  وشـقاءُ
ويجاهر الساسة ويتسابقون في الإعلان عن الدعم اللامتناهي للدفاع عن أمن هذا السرطان النجس، هذه العقيدة الثابتة والمقولة الراسخة القائلة بأمن إسرائيل، يتغنى بها الساسة العالميون ويتبجح بها أرباب الحل والعقد في العالم وتتلوها الأمم المتحضرة(!!) صباح مساء، وماذا عن أمن البشرية وأمن العالم القادم وهذه الجرثومة الخبيثة والسوسة النتنة تعيث فيه فساداً وأتباعها وأذنابها من الكبار والصغار .
باعوك يا وطن الكرامة
باعوك تراباً وحجارةْ
ورموك بقايا سيجارةْ
تركوك رماداً  .. وبذارْ
هذا هو العالم المتحضر اليوم، خيبة أمل بعد أخرى وحفرة بعد أختها ولا نهاية للمخازي، والمحصلة أن الإنسان هو الإنسان، يدّعي التحلي بالأخلاق والترفع إلى سنام الحضارة ليحصل على ما يخطط له ويريد، والأنانية تلبسه والحقد يتغمده والمصالح تشربه وتهضمه. وهذا هو الشتاء القارس، لقد عرّى كل من قال أنه مسالم، وعرّى كل من ادعى الكرامة وهي منه براء، وانسلخت الجلود وتهاوت الأقنعة وهربت الادعاءات الباطلة التي لم تعد تغني عنهم شيئاً من الناس والتاريخ، وتكشّـفت المخابئ الموبوءة لهؤلاء الذين كانت عندهم ظنون حسنة طيبة وأن الوقت حان لكي يعرفوا ظلم الظالمين.
ستون عاما والمزاعم تصطلي
هي تنجلي في كل عام
ستون عاما والعوالم ترتجي ميت الحمام
ستون عاما و(السلام) بلا سلام
ستون عاما يا إلهي بيننا ..
كل (العظام) تدحرجوا ، وتماوجوا خلف العظامْ
خرجوا وعادوا يرتمون إلى الحطام
ستون عاما والمدارك تنحني .. أو تختفي تحت الركام
شر البلية أضحك الإنسان يرنو للبلا .. منْ عصر (حام).
ولا يبالغ من وصف الصهاينة بالأنجاس ولا يغالي من ادّعى أنهم أصحاب مكر سيء وخديعة نكراء، الفعال لا تكذب ولا تتجمل ولو بعد حين، والتاريخ لا ينطق عن الهوى والتاريخ لا يساوم احداً، والحاضر يفضح النوايا والأعمال تكشف ما يمكن أن يكون مستوراً وإن كانوا لا ينتهون عن المنكر والخديعة ولا يستترون عن كل فعل فاضح فعلوه ويفعلوه.

___________
ريان الشـقـقي