واحدة لا تكفي

PDFطباعةإرسال إلى صديق

واحدة ثم ثانية ثم ثالثة ثم رابعة، لا شك في أن  التعددية في الطرح تضفي جمالا وحيوية على الأجواء وترسل إشارات مشعة على الدنيا، ولا شك بأن التقدم والتقنية لها ما يبررها من أجل تآزر الأفكار وازدهار  البشرية، ولكن هنا وفي تلك الليلة تواكبت الصور وتعددت الأوجه وتداخلت الأفكار، ضاق صدري واستحكمت عندي الحمية الشرقية، ثم العربية، ثم الإسلامية، وأراني أعيب على إحدى محطات إم بي سي بثها وأرسل لها دفقات من اللوم ودفعات من الاستياء، وأكاد أصنفها عدواّ لثقافتنا بعد ما ترددت الرسائل السلبية وتكاتفت الخيالات النابية، فقد استبد الغضب بتلافيف أفكاري مما جعلني أمسك القلم وأخط ما أخط وهذا ما يمليه عليّ الواجب تجاه الثقافة والوطن والناس أجمعين في من يهمني ويهم من نطق بالضاد.
 
أقول بداية: عتبي عليك شديد، عتبي إليك رهيب، وأنت تبثين وتبثين، والعقول تتفتح وتتمدد ثم تتقعر كطبق الاستقبال لتستقطب الصور والأفكار وما يأتي مع الذبذبات، إنه برنامج 24 ، وها هو جاك باور تلك الشخصية التي جعلها المخرج لا مثيل لها من الوطنية الفذة، هذا الرجل الخطير الرهيب المقدام البطل، يمثل حالة من الدفاع عن بلاده وقيمها مهما كان الثمن، وهؤلاء بزعم المخرج القتلة الإرهابيون عمر وأسعد وأحمد و و ...  يخططون وينفذون ولا يصلون، وحشية وهمجية ولا إنسانية، والمشكلة تكمن فينا أيضا، نحن أولئك الذين ينطقون بالعربية ويعتنقون الثقافة الشرقية الممثلة بالعرب أولا وبالمسلمين ثانيا، هذه الصورة النمطية التي صوروها للعربي الدنيء الوسخ الحقير المجرم الدموي العنيف المتواكل الكاره للدنيا وما فيها ومن عليها، والعربي يصرخ الله أكبر ثم يفجر نفسه وهو من يوصف بقتل كل من يقف في طريقة بحق ودون حق، ومن له في الأمر ومن ليس له في الأمر، المهم هو توصيل الطلب وتنفيذ الأمر مهما كلف من دماء ومهما كان الثمن من المتاع والأنفس البشرية، وحتى لو فرضنا أنه في الواقع ما يماثل ذلك، وحتى لو فرضنا وتخيلنا وعاملنا الأمر بهذه الحدية المفرطة إلا أننا يجب أن نكون على وعي تام بمسؤولياتنا تجاه مجتمعنا وثقافتنا السليمة بمبادئها وبلادنا وأهلينا، ولهذا أعتبر بث هذه البرامج باستمرار وما على شاكلتها على محطة الإم بي سي أو غيرها من المحطات المحسوبة علينا هو بمثابة خيانة للأمانة الملقاة على عاتقنا، فهذا استهتار بقيمنا ومذلة وانتقاص، وعلينا محاربة هذه الظاهرة بالكلمة الطيبة والتقريع وتنبيه الغافلين إن كانوا كذلك وأرجو أن يكونوا من الغافلين الذين يستيقظون على علم بالأمر وخطورته على ثقافتنا وعلى صدى ثقافتنا عالميا من هنا وهناك.

تلك صور تتوالى وخيالات تتهادى، والعنف أنجع وسيلة لإشعال القهر والكراهية في النفوس البشرية، لا أرى أسوأ من الدعاية المضللة تشعل نار الفتنة وتؤجج لهيب الانتقام، تعبث في النفوس لتملؤها غضاضة وغلاً وحنقا، وتتمكن الصور من الولوج إلى الأعماق، تتنضد وترسخ في العقل الباطن وتتفاعل فتخرج شعورا وسلوكا ومواقف ثم سياسات رعناء انتقامية أو مصلحية تجد من يدعمها ويؤيدها ويصفق لها، فهل من شك أن هناك من يقف وراء هذا، وقد يكون من لا يقف وراء هذا وإنما هي مصالح مادية تستفيد من الأحداث والحقبة فهي تداعيات إفرازات المرحلة مبنية على ما يرى الناس وما يشعرون.

علينا أن لا نستمتع بتصوير غيرنا لنا بالرعاع والهمج والوحشيين، إضافة إلى هذا فإن هذه البرامج تقوم على ترسيخ فكرة كراهية الآخر لأنه الآخر وليس لشيء آخر، هنا وفي لحظات كهذه تبدأ السلسلة بالتفكك وتنأى الحقيقة عن الصور وتبتعد الإنسانية خلف السديم الداكن، تلك هي صورة مؤثرة، فها هو الأب الشرقي المتورط بالإرهاب حسب المخرج يخطط ويحاول التخلص من ابنه لأنه كشف أمره حسب ظنه وها هو يريد التخلص من زوجته لأنها تريد حماية ابنها، وصورة أخرى لأحدهم يقتل جاره الذي حسب نفسه أنه صديقه لأنه جاء لزيارته في وقت غير مناسب وأخذ الإرهابي المزعوم يقول له أنت لا تستطيع أن تنطق اسمي بشكل صحيح  وتقول لي أهميت بدلا من أحمد وتدعي أنك صديقي. والعتب هنا على من يصنع الصور أولا والعتب الأكبر على بني جلدتنا، هؤلاء الذين يوصلون الصورة إلى عقر دارنا تحت مظلتنا بقصد ومع سبق الإصرار، فللمخرج أن يخرج وللمنتج أن ينتج وللممثلين أن يمثلوا ويبدعوا في رأيهم، وهم جميعا في الطرف الآخر من القضية، ونحن نسعى ونسعى للحاق بالركب السيء، فلا يجب علينا بل يجب أن لا نروج لهم بضاعتهم وهي التي تأتي بعضها مدروس وبعضها عشوائي ولكنها جميعاً بضاعة رخيصة تغرس المفاهيم السلبية في الأجيال وتدق مسامير قاتلة في النعش المتأرجح بين الثقافات، وفي عرض هذه الأفلام نساعدهم على حتفنا ونقدم لهم خدمات جليلة مادية ونفسية وإيديولوجية، فمن منا لا ينكر الإرهاب ومن منا لا يتنكر للترهيب والوحشية والهمجية ولكن عندما يصبح الأمر متعلقا بثقافة شعوب بأسرها فهذا أمر آخر ولا يجب السكوت عنه ناهيك عن عرضه على القنوات المحسوبة علينا والتي تمجد بثقافتنا في مواضع أخرى من البث والعطاء.

لا أسمح لأحد بدعوى أن هذا فن سينمائي وأن الفن هو الفن والفن للفن، فالفن هو للرقي والتقدم والتلاحم والسمو في المعاني والأخلاق والإنسانية والثقافة، وليس للتشهير والإذلال وزرع الفرقة والفتنة والانتقام، وأحد أهداف الفن هو تمحيص الواقع ودراسته ثم تصوير الواقع وقولبته للاستفادة والعبرة ولكن ليس للتشفي وزرع الحقد وإفشاء الغل، فمن الوحشية إلى العنف واللاإنسانية، ومن النمطية السيئة في التعامل مع المشاهد والحوار والشخصيات والأفعال إلى تأصيل الكراهية والتضاد.

من نحن ومن هم؟ سؤال لا يطيق أحد له جوابا، فهم نحن ونحن هم في الإنسانية، فالكوكب واحد والدنيا لا تكبر بل تصغر والبسيطة مهما تباعدت فهي في بوتقة مصهورة من الإنسانية والحضارات المتشعبة والمتتابعة التي تملك من أوجه الشبه محاور لا يستهان بها،  فالدريئة هي التلاحم والهدف هو التعاون على هذه الحياة وضمان ازدهارها وتقدمها، لا على هدمها وإنشاء وهاد ترتع فيها التفرقة وتسرح فيها السلبيات، فمثل هذه الأفلام لا تؤدي إلا إلى مزيد من الكراهية والخراب بين الثقافات، ولا أقول هم ونحن، ولا أقصد حكومات أو هيئات أو أشخاص، إنما هي أيدولوجيات وأفكار تتصارع في الأرض وتتسامى للأعلى في الأجواء لتهبط وتكوّن أجيالا جديدة من المفاهيم التي تنغرس في عقول الأجيال وتنزرع في كيانها ، وبالتالي تبديلها يحتاج إلى جهود جبارة ومنسقة بل إلى معجزات.

____________
ريان الشـققي