نظرة في الوجه

PDFطباعةإرسال إلى صديق

لا أقلل من أهمية الأحداث في الخليج ولكني أرى بأن الاحتلال في العراق أضحى مثل الاحتلال في فلسطين، فقد انحدرت الأضواء عنها بتسارع وأصبحت أخبار السيارات المفخخة والتفجيرات والاشتباكات في أنحاء العراق تأتي في الصفحة الثانية ولا تثير الاهتمام كثيرا إذا كان عدد الضحايا أقل من عشرة أو خمسة عشر. الجميع يتمنى الاستقرار في العراق وغير العراق من الوطن الكبير ولكن ماهو الثمن، وكل يوم نرى النوايا الاستعمارية والدولية الموافقة على الحرب والمعاكسة لقرار الحرب تتكالب على المصالح وهذه الأفعال تتصارع نحو سلب الحريات الحقيقية وأكل الحقوق بإعطاء جزء يسير من الاستحقاقات، ولا ندري إن كانت الأهداف الاستعمارية في طريق تحقيق أهدافها غير المعلنة والطويلة المدى أم لا، فمن السابق لأوانه التكهن بما ستؤول إليه الأمور في العراق والمنطقة ، حيث مازالت مراكز القوى تتصارع رغم بوادر الاستقرار الكاذب هنا وهناك مما نسمع من التصريحات والإدعاءات، فعلى سبيل المثال المؤسسات في العراق ماتزال في ريب من أمرها لإعادة البناء، وهذا البناء يشمل بناء المجتمع وبناء مؤسسات الدولة ومقومات إقتصادية تمضي لتحقيق مصلحة الشعب بما يعطيه السيادة وامتلاك والتحكم بمقدرات البلاد. ومن تصريحات بعض المسؤولين عن إعادة الإعمار في قوات الاحتلال الأدميرال ناش وهو المسؤول عن ملف إعادة إعمار العراق فقد صرح بأنهم يحتاجون إلى أربع سنوات لإعادة إعمار البنية التحتية والأساسية في أنحاء العراق ، وأضاف: "ورغم الأعمال والإنجازات الكبيرة التي حققناها حتى الآن مازال أمامنا عمل كثير ويجب عليكم أن تنظروا إلى ماكان عليه العراق من قبل لكي تدركوا الفرق الآن". وعلينا بدورنا أن نعي بأنهم هم الذين سعوا وعملوا على إضعاف وتدمير العراق من جراء الحصار الطويل الجائر إلى الحرب التي أزهقت الأرواح وهتكت الأعراض وأزالت المؤسسات ومزقت الثقافة والحضارة.

لو استقر الوضع في العراق واستتب الأمر من جديد ومن ثم اضطهدت الحكومة العراقية الجديدة الشعب العراقي بعد حين، ولكنها أولا أبقت طرق النفط سالكة ممهدة بما يتوافق مع المصالح الأمريكية وثانيا لم تعد تعنى بتهديد الكيان الصهيوني فهل ستترك الحكومة الأمريكية ومن وازاها وأيدها هذا الأمر وتنجلي كل السحب والتعقيدات الدولية بشأن العراق، أم أن القواعد الأمريكية المحصنة في المنطقة خارج المدن العراقية ستنهض من جديد مستنكرة اضطهاد الشعب العراقي وتعمل على تغيير الحكومة؟! وهنا سأترك الجواب معلقاً بأهداب الواقع وأمضي دون تعقيب آخر على هذا السؤال كي لا يتهمني الآخرون بالسذاجة والسطحية.

إذا تتبعنا الأسباب المباشرة والمعلنة للحرب على العراق لوجدنا المفارقات والتلاعب بالمصطلحات والألفاظ ، لقد أصبح الاحتلال تحريرا ، وقوات الاحتلال قوات تحالف ، وقتل الأبرياء ملاحقة للإرهابيين وأعداء التحرر، وأصبحت تحاك القرارات الأممية بما يخدم مصلحة الاحتلال والمصالح الغربية والشرقية، عدا عن الكذب والتخفي وراء ادعاءات رنانة باطلة ثبت بطلانها قبل محاولة التحقق منها وقبل أن تأتي أكلها، يقولون عكس مايفعلون ويفعلون عكس مايقولون والمياه تأخذ مجاريها بما تستهوي أنفسهم وهم يتحسسون أمورهم بين أنقاض الشعوب وعلى أشلاء الأبرياء، ونعود لنسأل هل هذا صراع حضارات أم أنه صراع المصالح بكافة أبعاده ، فالبعد الاقتصادي هو الأقرب إلى الصراع بما فيه المصالح الغربية والصهيونية وخدمة السياسات والشعوب المستعمرة والمؤيدة للظلم، ثم البعد الاستراتيجي ذو الصلة الوثيقة بالبعد الاقتصادي وهذا البعد الاستراتيجي الذي لم يكن ليهدأ يوما ما في هذه المنطقة وهذه هي الأطماع لا تنتهي ويبدو أنها لن تنتهي طالما وجدت حضارة عربية إسلامية أو بقايا منها على هذه الأرض، ثم البعد السياسي وما يؤدي من تبعات له وتأثيرات هذه التبعات على الاستقرار في المنطة وعلى الاستقرار الدولي، ولكن إن كان هناك طرف يرجح الصراع الحضاري فإن البعد الحضاري ليس ببعيد أيضا عن المنطقة، وهذا البعد يتمثل في التاريخ وما أفرزه من تكتلات وشعوب والماضي وما أدى إليه من تشكيلات حضارية لها علاقة بالأديان والعقائد وتوزيع الثروات على الأرض.

ومهما كانت طبيعة الصراع فهو لن يختفي بين ليلة وضحاها وعلى الأرجح فإنه لن يختفي أبدا وقد يخبو ويركن إلى السكون وقتا ولكنه يشتعل من جديد، وهذا من اختلاف الايديولوجيات التي لن تلتقي على أرض واحدة وتلك هي طبيعة الانسان وتحركات الشعوب والسياسات الجائرة التي لم تنقطع عن الأرض منذ وجد الإنسان عليها. وإذا كانت الإدارة الأمريكية تختلق وتؤلف الأكاذيب لخلق واقع جديد في المنطقة وإفرازات تتخذها ذرائع لتحقيق مآربها فإن الشعوب لا تغفر والوقت الطويل دائما في صالح الشعوب الحية، وهاهو بوش يكذب ثم يكذب حتى يكاد يصدق نفسه، ثم يدعم الكيان الاسرائيلي بكل ما أوتي من قوة ، فكيف يدعم العدو بشكل أعمى ثم يتوقع من أعداء العدو أن يرحبوا به قلبا وقالبا ويأخذوه في أحضانهم كمخلّص من الديكتاتورية، وهل من المعقول أن تقتنع القيادات والشعوب بأن السياسة الأمريكية إصلاحية  بحتة وتريد الخير والحرية للمنطقة فقط لأن بوش يحب الحرية للإنسانية حتى وإن تعارض ذلك مع مصالح العالم الجديد حسب عرفه وعرف إدارته وعرف أبيه من قبله. ولكن مهما دأبت أغلب وسائل الإعلام على تلميع هذه الإدارة من قبل إعلان الحرب إلى الآن فلن يفيدها إلا بما يعرفه الشعب الأمريكي من الحقائق عاجلا أم آجلا، وهذه هي إحدى شبكات الإذاعة في الولايات المتحدة تقدم بما يسمى (آزغود فايل) فقد أخذ يدافع عن جورج دبليو بوش بعنف ضد تصريحات لجنة الحادي عشر من سبتمبر والتي قالت أنه لا علاقة بين صدام والقاعدة، وقد قال آزغود متسائلا: من قال أن الحرب غير مبررة فهناك علاقة بين القاعدة وبين نظام صدام حسين بشكل ما عن طريق اتصالات معروفة لأجهزة الاستخبارات، وهذه الحرب مبررة لأنه أولا كان هناك حرب غير منتهية بالإشارة إلى حرب الخليج الثانية ، وثانيا هناك شيء واحد وهو أن القاعدة والعراق يكرهون أمريكا وهذا ما يجمعهما، وثالثا هناك قرارات من مجلس الأمن لم يطبقها العراق وسجله حافل بالمخالفات وكان علينا الذهاب للتأكيد على تطبيقها، بالإضافة إلى أن الخطر الذي كان يمثله صدام حسين على الشعب الأمريكي وأمنه كان كبيرا  بما لا يدع مجالا للشك على أنه يجب أن يتم إزالته.

ولكن بالمقابل وعلى الوجه الآخر من القضية أرى ذلك الأمريكي الذي يمثل شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي النازح تحت تأثير الإعلام يقول ويكتب وجهة نظره على صفحات من الفراغ وكراسات من الطحين الجاف قبل هبوب عاصفة من الهراء فهاهو يحث الخطى مسرعا ليدون ماعنده من أفكار عسى أن يثبتها قبل أن تندثر الأمور والقضايا خلف تلال الرمال في الصحراء وبين أعجاز النخل الخاوية في الواحات الجافة، وهاهو يقول: " لماذا نحن المستهدفون وليس غيرنا ولماذا هذا الاستهداف أصلاً، أريد النظر في وجه بوش نظرة عميقة في هذا الوجه البارد والعينين المراوغتين وذلك لمقاضاته وسؤاله، أهو حق أن الإرهابيين يستهدفوننا لأنهم يكرهون حريتنا ولا يطيقيون أسلوب معيشتنا، أم أنه بوش هو الويل الذي جاء به شعبنا لأحضانه فلوث سمعته وأحمى البشر على هذه الأرض ضده، وإني أذكر عندما كنت صغيرا وكنا نسافر مع أبي وأمي خارج أمريكا كانت تقول لي أمي إذا فقدناك أو فقدتنا قل لهم أنك أمريكي والجميع يساعدك، أما الآن وأنا خارج أمريكا فإنني أخبر أولادي أن يخفوا هويتهم قدر المستطاع كي لا ننكشف ونكون مستهدفين، كأنني أرى أننا بدأنا مرحلة فقدان الثقة بأنفسنا أمام العالم وهذا هو بوش وحكومته لايتوقفون عن حملاتهم المسعورة الواحدة تلو الأخرى في تغذية العداء للأمريكيين أمثالي، وهذه هي التحذيرات تنهال علينا من سفاراتنا يوما بعد يوم بأن نعود إلى أمريكا أو نتوخى الحذر أينما كنا وكأننا وباء ووبال على البلاد التي نحل فيها، ولم يبق لوزارة الخارجية عمل إلا تحرير ونشر التحذيرات والخطط لإجلائنا من أماكن متعددة من العالم في حال الأزمات وما أكثرها وما أبشعها".