استباحة العقول

PDFطباعةإرسال إلى صديق

الجنرال مايرز رئيس الأركان أخبر أعضاء الكونغرس بأن الجيش اتخذ خطوات وهي جاهزة وقيد التنفيذ لتصحيح الأخطاء التي أدت إلى إساءة استعمال الصلاحيات في السجون العراقية بما في ذلك تبديل أعضاء وحدة الشرطة العسكرية الذين التقطوا الصور ، وهذه تذكرني بموقف الجنرال كيميت في العراق عندما سئل عن أحداث الفلوجة وقال: الأمر بسيط غيروا القناة ، وكأن لسان حاله يقول يجب أن تشاهدوا ما نريد أن نريكم وما نريد لكم أن تروا وتسمعوا وبطريقتنا ومن إخراجنا وإلا تسممت أفكاركم من قبل أعداء الحرية والدجالين والملفقين الذين يريدون أن يضللوا البشر .
لقد انقلبت الحرية إلى عنجهية وتحولت الأفكار السامية للإنسان إلى تكبر وعلوية ، وها نحن نرى البلد الذي كان يعد بالأمس بلد الحرية الأول وبلد الفرص الإنسانية الأول - مع بعض التحفظ على هذه التعبيرات - نراه اليوم بلداً تضاءلت فيه فرص الأمل في حمل هذا العلم الإنساني ، وهو يهدد أمن مناطق من العالم بدعوى الأمن الداخلي للمواطن والأمن للكيان العبري المجرم وبدعوى التخطيط العسكري والاستراتيجي بالضربات الاستباقية وأخيرا بدعوى تحرير الشعوب من جلاديها، وما أوصل هذه الأفكار وهذه العقلية إلى رأس الجبل وحد الهاوية إلا تراكمات ذهنية وتداعيات عملية في بطن الثقافة على مر سنين طويلة من التقدم المادي التقني بشقيه التصنيعي والعسكري، بالإضافة إلى مقولة أنتم الأفضل وأنتم من سيحيي الديمقراطية ويخترق العالم أجمع من أجل الحرية وأنتم من سيقدم الأنموذج الأفضل والأقوى لدعاة الحرية والديمقراطية في الأرض.
لقد استباحوا العقول وجردوها من المفاهيم الأساسية عن طبيعة الحياة وأهدافها وكنهها ، فالإفراط في القول عن الإنسانية وازاه وأعقبه كفر بالإنسانية عملاً وتطبيقاً، فعندما يرى العالم أجمع الحقيقة يأتي الفيتو الأمريكي أو الامتناع عن التصويت سهماً ساماً حارقاً يخترق الصدور فتدمى، وعندما تزحف الجيوش لاستباحة الحدود والأوطان والبشر والجماد يتبعها محاولات غسيل للأدمغة وغزو للعقول الغراء تتكشف الحقائق لكن دون جدوى. 
استباحوا العقول بالتوجيه الآني والمستمر نحو هاوية زيف الحرية والديمقراطية، فالكذب العلني لا يتوقف والتلفيق الرهيب لا يندحر وأصوات الحقيقة الهامسة هنا وهناك لا تجد موئلاً يعرج بها إلى السطوح ولا تستنهض الهمم ولا ترويها وهاهي البشرية على وشك الإفلاس من التوجيه الواضح نحو الحق وعلى الملأ وفي مثل هذا العصر من التقدم البشري على المستوى الدنيوي وعلى المستوى التقني والعلمي والوعي الشامل نسبياً بحقائق الأرض وماحولها.
استباحوا العقول عندما أمرونا بالسجود إلى صنم القوة المادية فسجدنا ممزقين ونحن نتكلم ونهذي ونقول ونشجب ونستنكر ثم نفخر بأننا حصلنا على تأييد مجلس الأمن (الظلم) بالأكثرية، فعاد الإباء إلى النفوس ففرحنا وجلسنا حتى مات الحجر والشجر والبشر.
استباحوا العقول عندما زعموا أن جنودهم مدربون على كل شيء ومعه الأخلاق العالية المهنية، ومن يعرف يعرف ومن لا يعرف يعرف أن خلاف هذا يكون، فمتى تقول لعديم الأخلاق أنك في منأى عن المحاكمة واذهب لتفعل ما يحلو لك ماذا تتوقع منه، ونعرج هنا على القوانين الوضعية لا في الحالة العسكرية وإنما في الحالة المدنية وهي الأقل أهمية فما بالك بالعسكرية والأفراد معهم السلاح والقوة ، فالقانون هو القانون ، والناس لا يخافون من القانون لأنه قانون مكتوب في قراطيس أو مخزن في أقراص مدمجة وإنما يخافون من تبعات خرق القانون إن طالهم أو أمسك بهم ، وهذه حقيقة مبنية على أصل تكوين الإنسان وغرائزه وتركيبته، فمهما عملت من غسيل للدماغ نحو الطيب من السلوك ومهما ربيت الناس على الفضيلة ومهما أغلقت دروب الباطل والمجون لا بد أن نعترف بوجود الجنوح واستفحاله ولو بعد حين، فماذا تتوقع من الفرد حين تتقوقع مصالحه في عقله تناديه صباح مساء وتنغص عليه حياته وغيره يعب من المادة عباً ويشرب من المصالح الدنيوية والغرائز شرباً ، ومرة قال لي زميل انكليزي في العمل أنظر إليّ فأن مقتنع بما أنا فيه لأنه لا يد لي فيه وأسير كما أرى أمامي لا أسرق ولا أنظر لمتعة غيري ولا أتوق لامرأة لا تريدني واحفظ نفسي بعيدا عن المشاكل وعلى كل منا أن يعطي ذلك لأولاده فيصلح الجميع ولا حاجة لدين أو خوف من إله كما تدعون، فضحكت من قوله لمدة يومين كاملين ومازلت أضحك كلما تذكرته وفي الواقع كان هو مؤدباً فكيف نضمن أولاده ومن حوله من المجتمع، وهناك عنصر بشري غوغائي يصل إلى حد الحيوانية إن لم يزينه عقل وأعني بالعقل هو ذاك الذي يدفع الإنسان للفضيلة من الداخل لا من عوامل خارجية بحتة تزول مؤثراتها بغيابها. وهناك للاصلاح والصلاح قوة أعظم وأكبر من التي نراها متمثلة في الشرطة والمحاكم والسجون ورقابة المجتمع وغيرها من العوامل الوضعية والخارجية.
استباحوا العقول وقد قالوا أنهم وجدوا قذيفة فيها أثر من غاز الأعصاب في مكان ما في العراق، تناقلت الخبر وكالات الأنباء وتعالت الصيحات من كل حدب وصوب وبدا أن النصر الإعلامي قادم لبوش وجوقته وهذه - ياللفرحة - هي تداعيات القصة الطويلة تنصب في صالحه، وبدأت البشرى تظهره على أنه صادق ومعه حق وانقلبت موازين بعض الناس ممن كانوا على الحياد صوب سياسته، فذهبت دماء الأبرياء هدراً في سبيل تصريحات فارغة وتداعيات كاذبة ولصوصية علنية، وجزء من العتاب يقع على إعلامنا المرئي عموماً عندما ينقل ويتناقل الأخبار بصدق وعفوية (!) وينسى حقوق شعبه عليه من ناحية الحقيقة والتوجيه، وعندما نجد أن الأمر يناقش في بعض البرامج الجدلية والتي بدأ الناس يملون منها لأنها لا تقدم ولا تؤخر بل على العكس أحياناً حينما تأتي بمن يخالف منطق الشارع ونبضه الحقيقي بشأن الاستفزاز شوطاً وبشأن جلب أكبر عدد من الجمهور شوطاً آخر، فهاهي الآراء تستهدف الذرائع وكأننا أعطينا ذريعة للمستعر بالهجوم عند وجود أثر لغاز الأعصاب، فالأمر أكبر وأعقد من هذا بكثير لأن الذريعة التي يزعمون وإن كانت واقعاً لاتبرر العمل العسكري ولا غيره ومنطق القوة والتعالي هو ما يسود وحسب، فترى أننا نضحك على أنفسنا حين نناقش الذرائع ونعد العدة للدفاع بالنقاش وهذا من الهوان والضعف والاتكال.
استباحوا العقول عندما أصبح شارون المجرم مع كيانه الظالم الجائر العنصري رجل سلام وأصبحت خططه هي التي تمضي إلى التنفيذ دون رقيب أو رادع أو استنكار، وأصبح رامسفيلد أفضل وزير للدفاع الأمريكي على الأطلاق. حقاً لقد استباحوا العقول ، فهل ذلك يطول!