من منا لا يعرف

PDFطباعةإرسال إلى صديق

من منا لا يعرف واقع الاحتلال وحقيقة الاغتصاب العلني، من منا لا يعي ما حدث وما يحدث على مرأى ومسمع من البشر والشجر والحجر، هذا العالم وإن ضن بالقول فهو شاهد على مظلمة التاريخ في فلسطين، ومن منا ينسى تلك المآسي أو يخفى عليه ذلك الظلم الصهيوني ومن ورائه الظلم العالمي المستكبر. تلك هي الصهيونية ومن والاها، لهذا فأحوالهم الأسرية والحياتية والإنسانية لا تعنينا في مرحلة مثل هذه المرحلة، وهل أمّنا باطمئنان أحوالنا وأمورنا الإنسانية حتى نتطلع ونذهب لنتعاطف مع من اعتدى علينا وظلمنا وسلبنا حقوقنا وما زال يعتدي ويهدد بعنجهية وتعالٍ... إنها تلك البرامج التي تبثها بعض القنوات الفضائية العربية عن الأرض المقدسة وعن عائلات اليهود وهم يسرحون ويتجولون على أن الأرض أرضهم وعلى أن الضرورات الديمغرافية ملحة لديهم يستدرون عطف البشر ومعهم أطفالهم فوق الهضاب الخضراء والروابي الرائعة في الأراضي المحتلة وفي المغتصبات مما يصب في خانة التطبيع البطيء وجعبة الاعتياد على بشرية العدو الظاهرة، لا مانع على الاطلاق من الانفتاح على الآخر ومعرفة أحوال الآخر ولكن أسلوب الطرح وتوقيته وإخراجه يجب أن يلغي صورة التعاطف الإنساني الخاطئ وينافي صورة أنهم أناس يحتاجون إلى مأوى في أرض غير أرضهم ويحتاجون أن يمارسوا حياتهم وطقوسهم بشكل طبيعي مثل كل البشر، هم في الواقع ضالون ومحتلون غاصبون معتدون ولا يجب أن ننزع هذه الصفات عنهم بأي شكل من الأشكال، نعم لقد اختلف الأسلوب وتغير المنهج وليس من الحكمة أن نعلن على الملأ عن معاني وأشكال الكراهية وأننا سنرميهم في البحر وسمنزق أجسادهم ونقتل أطفالهم، فلكل حقبة ظروف وأطر مثالية علينا أن نعيها ونركبها ونستفيد منها قدر المستطاع في وحدة الصف ووضوح المنهج وترتيب الأولويات أما أن نخنع ونذل ونتذلل من أجل الحصول على فتات زائل هزيل أو من أجل الخوف لأن القوة ليست بأيدينا فهذا هو الجبن وهذا هو الهوان، فإما نكون بإرادة نحو الآتي من الحياة أو لا نكون. والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام طرد اليهود من المدينة لما تجبروا وختلوا فقد ظلموا أنفسهم ولكن العزة كانت لله ولرسوله وللمؤمنين آنذاك.
وهاهم الصهاينة الآن تراهم يعتدون ويعتدون فأين الاعتبارات الإنسانية عندهم فيما فعلوا ويفعلون، لذا يجب أن نغض الطرف عن الاعتبارات الانسانية تجاههم بهذا المنوال من البرامج حينما يعتدون علينا ظلما وعدوانا، وكيف نضمن إن رضخنا أن يتعايشوا مع أصحاب الأرض الأصليين سلميا وهم الأقوى وهم المسيطرون على ذمام الأمور في الأقوات والاقتصاد والاستراتيجية والسلاح.
هناك برامج إذاعية وتلفزيونية كثيرة في هذا الشأن ومنها ما تبثه قنوات أمريكية عن الشعب الذي اختار العيش في أرض أجداده وهي الأرض المقدسة ويريد بطبيعته السمحة وأهدافه الدينية الإنسانية أن يعيش بأمان وسلام ويتمنى أن يتعايش مع من عليها.. فهذه عائلة أمريكية مثلا تأتي لقضاء بعض الوقت في دولة الكيان الصهيوني إسرائيل، تتبعها الكاميرا وتتتبعها منذ أن غادرت إلى أن عادت، من المطار إلى المطار، تتبعها الكاميرا في فيلم ترفيهي بل هو وثائقي النزعة عن الأرض المقدسة، تلاحق الكاميرا هذه العائلة في حلها وترحالها وأكلها وشربها وزياراتها مع التعليق على اللقاءات والأماكن والأعمال... لو كان الهدف سياحيا ترفيهيا أو دينيا من أجل شحذ الهمم العقائدية لما كان في الأمر غضاضة كبيرة، وإنما هو تكريس لفكرة الصهيونية وأرض المعاد فاليهود بذلك هم خير الأوصياء على هذه الأرض المقدسة وهم الذين يجب أن يستوطنوا هذه الأرض المقدسة ويحموها من عبث العابثين من المتطفلين من جنس العرب المسلمين أو غيرهم.. أما هذا فهو كذب وافتراء وقلب للحقائق الماثلة على الأرض وفي النفوس، فمن منا لا يعرف واقع الاحتلال وحقيقة الاغتصاب العلني، ومن منا لا يعي ما حدث وما يحدث على مرأى ومسمع من البشر والشجر والحجر، ومن منا لا يعرف حقيقة القتل والطرد والتهجير والترويع والحرب والتشريد والهدم والتنكيل بكل ما هو حي.

__________
ريان الشققي