من ضعفنا

PDFطباعةإرسال إلى صديق

إنما الناس عقائد مهما تكن سماوية أو وضعية شبه رصينة أو خزعبلات مركبة عبر الزمن أو أفكار متناقضة تتعامل مع النفس البدائية بعيدا عن التطور الإنساني. وفي الإسلام يجب أخذ اعتبارات الدنيا والآخرة والربط بينهما وخلق التوازن الدقيق الذي جاء به الإسلام والذي هو ليس حكرا على إنسان أو عرق أو جهة. تلك الاعتبارات هي التي ترضي أطراف المعادلة في الحديث عن اصطلاح الديمقراطية كمبدأ وليس كطريقة أحادية خاصة لا محيص عنها كما جاءت وتفشت في الغرب بعد معاناة وحروب وضحايا. حكم الشعب وحكم القانون المستمد لقوته وسطوته من الشعب أمران في غاية الحساسية عند المسلم، وهذان الأمران قد يتعارضان مع حكم النصوص العقائدية الثابتة عند الأغلبية وبعض النصوص المتحولة حسب الزمان والمكان، ولكن لا خيار في فهم الديمقراطية بشكلها العمومي على أنه واجب لا بد من تطبيقه والاحتكام إليه، ومهما كانت المسميات من شورى أو برلمان حر أو حكم مؤسسات أو تعددية الطروحات فهي تصب في بوتقة واحدة عامة وهي إشراك الشعب في حكم نفسه في غير الخروج عن إطار النصوص الإلهية الثابتة في العقيدة والأخلاق.
من ضعفنا هل ما زلنا لا نفهم فهما دقيقا الفرق بين الدين والسياسة وكيف لهما أن يجتمعا لأنهما في الحقيقة ليس فيهما اختلاف وإنما السياسة هي جزء من أجزاء الدين التشعبية والشاملة، وإن تم الفصل بين الدين والدولة في الغرب أو الشرق لا يزال الدين هو من المولدات المهمة للأحداث والإتجاهات والتحركات، ونحن ما زلنا نقارن في المجالس ونقول هل يصلح الإسلام للديمقراطية وندافع عن أسس الإسلام كل بطريقته وحسب خلفيته بأن أسس الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، وجاء المنظرون والمحللون ليتكلم بعضهم عن صلاحية التشريع في الأحكام أما فقه الزمان والمكان فيختلف، وفي النهاية يجب أن نذعن لضعفنا ولقابليتنا للكسر والعطب، أما الشريعة والدين من ورائها فلا يُقهران ولا يُغلبان وإنما يُغلب الناس والإيديولوجيات الدنيوية التي رسموها واتخذوها بما يطابق واقعهم المر أو التعيس.
من ضعفنا نحاول الدفاع عن الهوية الإسلامية ونخاف عليها من الاتهامات والإرهاب ونحاول بشتى الوسائل إرجاعها إلى موقعها الحقيقي، وهذا هو من واجبنا ووظيفتنا حتما ولكن ما يهمنا هو وضع النقاط على الحروف فيما نستطيع فعله أيضا بعيدا عن ردات الفعل التلقائية والعشوائية والتي تنم عن عاطفة زائدة متخلخلة وتهور لا يخدم المستقبل ولا الأجيال، فما هكذا تعمر الارض بدين الله عز وجل وما هكذا تنتقل الأمانة من جيل إلى جيل، وهكذا نرى المتداول من المقولات، جاءت كلمة التسامح وعبارة الشريعة السمحة واصطلاحات الديانة المسالمة ودين الحب والوئام والسلام وعقيدة الأبرار المسالمين وروحانية التعاطف والتواضع، كلها هجمت متضافرة يدا بيد من كل حدب وصوب تتداعى غدقاً إلى جميع الوسائل الإعلامية وإلى قرارات النفوس تغذي دربا يمكن أن يظهر سلساً ولكن قد لا تحمد مسالكه على جميع الجهات، وندري أن التسامح عادةً يبلغ أوجّه عند القادر عليه وليس العاجز عنه وغير هذا لا يدعى تسامحا وإنما العنو والتقهقر وعدم القدرة، أما الفكرة بحد ذاتها والنابعة من أصل عظيم في المنهج الإسلامي فهي جديرة بالثقة بل يجب تفعيلها لخدمة ما يتقدم ويجدّ لا ما أتى فحسب. أرجو أن لا نكون من المغالين والمبالغين ونؤدي في نهاية المطاف إلى الترهل ونؤول إلى فضاء مسترخ مستريح من كل ثمين، ثم يمضي هذا الطرح وينزل في غير محله، وفي الحقيقة لا إفراط ولا تفريط، فكما أننا يجب أن لا نوافق على التشدد والانحياز للتطرف الأعمى وليّ النصوص إلى جهة واحدة لاغير دون أخذ الظروف الإقليمية والدولية بحسبان فإننا لا نوافق أيضا على أن نخلد للطرف الآخر ونستسهل الخروج من النوازل الناتجة عن الضغوط إلى أن نصل إلى نقطة لا عودة إلا بأجيال جديدة قد تعيد الأمور إلى نصابها أو قد تهوي معها بما رسمناه لها من تبعية وخذلان. ماذا يضيرنا الاعتدال، ومهما رأيت من دعوات الاعتدال اليوم فإن قسطا منها لا يُغض الطرف عنه يوازي الانبطاح ويعادل التآكل إلى حد التماهي بالحديث المذموم لا الحديث المحمود، فنرى تليين الطروحات وليّ النصوص إلى الجهة المقابلة للتطرف إلى حدود تضفي على الحياة والتشريعات مرونة تصلها مع الاستخفاف والخوف معا، الاستخفاف بأنفسنا ومآثرنا وتاريخنا، والخوف من الضغوط التي تمارس علينا ولا سبيل لردها بما نراه، وليس لنا أن ننسى الثوابت والنصوص التي تحث على الصمود والتصدي لا أقول بالمعاداة السافرة والمشاهرة والنار بل بالعمل والقلم والعقل والأفكار والتخطيط على أقل تقدير.
برنامج يقول فيه المتحدثون إن الإسلام لم ينتشر بالسيف والقتل والدماء إنما بالدعوة والمثل العليا والتسامح، موضوع الطرح لا غبار عليه، الأسلوب هو دفاع مستميت بل قد يكون قد وصل إلى حد التهور والغلو وهو ناتج عن ردة فعل لا غير، وهنا لا ننكر أن الإسلام انتشر بكلا الطريقتين فهذه لها حكمها وظروفها وتلك لها حكمها وظروفها، أما أن نتمثل في هيئة الدفاع ونكون في حالة ضعف كي نستدر عطف الآخرين ونحسن الصورة التي لا تحتاج إلى تحسين إلا أمام من كفر فلا طائل من ذلك، لم يحظ الإسلام بهذا الأسلوب من الدفاع من قبل فالتاريخ يدل على نفسه ومن أراد أن يعرف فليعرف، من ضعفنا سمحنا لأبواق العولمة أن تدك حصوننا بقنابل حارقة وتدق طبول الحرب على ثقافتنا وذواتنا ومن ضعفنا سمحنا لمزامير العلمانية أن تزغرد في ساحاتنا مستغلة الضعف الداخلي والهجمات العالمية والإعلام المفتوح الأرعن، ومهما يكن من شعب أو نخبة فهم في الشر سواء ولا خير فينا فيما وضعنا أنفسنا فيه من موقف الدفاع المستميت دون هدف واضح من غير تخطيط إلاما يؤطر لنا ويمطرنا صباح مساء من الإعلام الموجه والحملات الإعلانية الصارخة أو من الحملات العسكرية أو من التهديد الاقتصادي أو الضغوط الاجتماعية التحولية أو من جميعها معا.