معضلة العصر الحديث جداً (الدكتاتورية المؤقتة!)

PDFطباعةإرسال إلى صديق

كيري المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية يأسف لسحب إسبانيا قواتها من العراق وأن ذلك لا يساعد على الاستقرار في هذا البلد وفي الجهود الحالية لإعادة الإعمار، فهل هو حقاً لايؤيد فكرة الاحتلال واستمرارها كما يمكن لبعضهم أن يحلو له؟ هكذا أبدأ رحلتي مع هذا المقال القصير:
أفرزت الأحداث العالمية في السنوات الأخيرة حقائق على سهول ونتوءات الأرض وتصورا جديدا للمستقبل على صفحات المحيطات والبحار وأفكارا تتداعى للأمام بسرعة مع ذبذبات الهواء عدا عن إيديولوجيات تتسلق العمود الفقري لتستقر في أدمغة الأجيال، وما إن صدّرت الأفواه النوايا الواحدة تلو الأخرى من زعماء وهيئات الدول حتى اتضحت الصورة وانجلت الغشاوة وتبينت أصول الحقد ومكامن العداوة. ثم جاءت بارقة الأمل ! كما سماها بعضهم ممن عنده أبواق وطبول، تلك بارقة الحرية المنتظرة والعزف على الوتر الحساس من حياة البشر في هذه المنطقة، بارقة مغموسة بانتقاص السيادة ومفعمة في الاندماج مع أفكار مستوردة، ومذعنة لمفاهيم الاستعمار الحديث جداً جداً، بل مليئة بالتناقضات ما بين الولاء والخذلان والتبعية، ومازال بعض منا يعول على آمال تنبثق من الذوات المطموسة، ومن يعول الآن على قوتنا الضعيفة أم أنها ليست جديرة بتسمية القوة فهي ضعف وانهزام أمام الذات وأمام الآخر؟  ولنعول على حنان الآخرين وتفهمهم لقضايانا وهمومنا، بل لنعول على نظرة رحمة إنسانية وبسمة شفقة ممن لهم قسط من قرار على المستوى الدولي، نناشد المنظمات الدولية ونتوكل على شعارات حقيقتها زائفة ترفعها معنا مؤسسات حقوق الانسان وهيومان رايتس واتش وغيرها ، والمثقف العربي يقف موقفا محرجا للغاية، فهو محرج تحت أوصال الضعف المتفشي في المفهوم والوهن الطاغي على المواقف والأفعال، فهو لا يعرف كيف يحاكي الأمور الطارئة مبتدئا بالجديد البراق من الخارج أم مرتبطا بأصول وأسس الماضي كيلا يتعثر بمطبٍّ يقعده، وكيف يتم التوافق والتداخل بين الأقوال والأفعال الذاتية والواقعية وردود الأفعال بشكل خاص، والمستقبل غامض غارق في الضباب وفي العواصف الرملية وفي الدخان المستطير، ظلمات ثلاث، فالضباب سديم طبيعي ناتج عن ترسبات ثقافية واجتماعية محلية وإقليمية متمثلة في عصور الانحطاط والتشرذم، أما العواصف الرملية فهي حجاب طبيعي نتيجة الابتعاد عن الثوابت الانسانية في تفعيل التطور البشري في المنطقة فهي تهب كل حين مرة أو مرتين وتعلق في الجو لفترة، أما الدخان فهو حاجز مصطنع من الأمم المعادية وهو متمثل بمفهوم المؤامرة على مقدرات الأمة وثرواتها والمتمثل أيضا بشقه الأعتى وهو الكيان الصهيوني الغاشم بتفوقه النفسي والنوعي.
ظلمات ثلاث تتطبق وتحجب الرؤية الليلية والنهارية، فماذا يفعل المثقف لينير الدرب والإحباط يحيط به ويكبل النفس عما يسعفها ، فمنهم من خذلته الطوارق والفتن فكبا كبوة شديدة ، ومنهم من بقي يعاني وهو يغذي شعلة الشمعات في أساس وصلب الطريق عله يفتح كوة أمل في هذا السديم المطبّق، ومنهم من استهل طريقا آخر جديدا وأخذ يسوقه ويبيعه لعموم الناس وراح يعول على الحمائم في البيت الأبيض ودعاة الحب والوئام في النجمة السداسية الزرقاء ثم يبشر بأن المستقبل قادم لا محالة وعلينا أن نركبه ونواكبه على طريقتهم دون هوادة أو تفكير، ولعلّي أوافق أن هناك فرق جوهري بين الصقور وبين الحمائم ، وهو أنّ الصقور تريد أن تلتهمنا لحما وعظما بسرعة فائقة وتسديد لا يخيب كي لا تقوم لنا قائمة في وجه الاستكبار والاحتلال والصهيونية، أما الحمائم فيأكلوننا حبوبا وخضروات في قصعة حساء بعد تحليلنا إلى موادنا الأولية على نار هادئة وسياسة محسوبة الخطة خبيثة الأهداف، وما زال بعض منا ينادي: يجب أن نجعل الشعوب الأخرى تفهم قضايانا ويجب أن ننبههم بأن رؤساءهم مغفلون ولا يعرفون كيف يتصرفون، وأقول أن هذا الهدف ليس سيئا، أما أن نجعله نصب أعيننا نطالعه صباح مساء مع نسيان الأهداف الأخرى المتمثلة في الحصول على مقومات القوة وبناء نسيج المنعة فهذا ما لا ينطبق مع طريق انتشال الأمة من محرقة الهنو والخنوع.
نرى قسطا من المحافل ووسائل الإعلام والبشر تنتظر نتائج الانتخابات في كل مرة بفارغ الصبر، تنظر إلى من سيكون في البيت الأبيض ومن سيكون في إدارة شؤون المغتصبين الصهاينة، لكي ترسم مستقبلها وتعقد الآمال على تلك النتائج، ويتناسون ضعفهم وخيبتهم، وهذا الاستجداء بالواقع لا يركن إلى أساس ولا يرتبط بحصن مضاد للذل والخسران.
وهناك شرائح كبيرة من البشر تنظر إلى هزيمة العدوان وسقوط الاستكبار أيا كان، ولم يشأ العالم دوما إلا أن تخرج منه أفكار العدوان والأفكار المضادة، ونحن إذ ننتظر سقوط الآخر لا نرتقي للأعلى قيد أنملة بهدف تطوير أنفسنا، فكأننا بسقوط الآخر نتشفى من الدنيا التي طالما حمّلناها ونحملها جلّ أخطائنا وخيبتنا، فلماذا لا نأخذ رفعة الآخر الدنيوية والحضارية على أنها حافز لنا بغض النظر عن مواقفه العدائية، ونطرد تلك النفسية المتواكلة، ولا أنفي أو ألغي فكرة المؤامرة ولكن هل يجب علينا أن نعلّق كل خيبات الأمل على هذه الفكرة ثم ننهض قليلا من السبات ونقول أجرموا بحقنا وسرقوا ما لدينا وما علينا إلا الصبر والاحتساب؟! لا مناص من الصبر ولا فائدة من الاحتساب إن كان النوم في عمقه والسبات في أغواره.
علينا إعادة صياغة معنى الدكتاتورية في العصر الراهن وإضافة الدكتاتورية المؤقتة (!) إلى القاموس البشري، وهي التي تتمثل في تجديد الوجوه الاستكبارية من خلال صراع شكلي على السلطة مع ثبات الأقدام في الأفكار والسياسات لتغذية عجلة التنمية من سرقة مقدرات البشر، ومفهوم آخر ضيق يتمثل في ظلم النفس فكل منا ديكتاتورا إن ظلم نفسه وأبعدها عن الحقيقة وظلم أمتة بالتقاعس عن عمل ما يوقظها وينعشها، وعسى أن تكون هذه دكتاتورية مؤقتة.



ريان الشققي