مأساة غزة

PDFطباعةإرسال إلى صديق

ما إن توضحت المأساة الفلسطينية في عمليات القصف في غزة وظهرت آثار العدوان الصهيوني اللئيم على الأبرياء من الأطفال والنساء في مناظر تبكي لها القلوب وتئن من وقعها الأجسام والأرواح حتى تسارعت القنوات العربية الفضائية الإخبارية في استضافة المتحدثين الصهاينة ممن يتكلمون العربية وغيرها إلى الإدلاء بآرائهم حول هذه العملية (الجريمة)، وتكاد تسمتمع إلى شريط معروف في التبرير من قريب ومن بعيد في حق الدفاع عن النفس وفي هدف طرد وتصفية الإرهابيين والمتشددين والمشاغبين. إلى أي حد من التطبيع ننتهي، وإلى أي غلوّ من الانبطاح ننظر، وإلى أي طرف من الحبل نشد أنفسنا وأجيالنا، نضع الحوار الحر نصب أعيننا دون تفكير فنحتضن الرأي الآخر اللئيم ونسمعه ونبجله ونحلله أكثر ما نحلل أراءنا وآراء مفكرينا.  لا مانع من تحليل الآراء الأخرى لمعرفة طريقة تفكيرها واستشفاف بعض مقاصدها، إلا أن الاسراع إلى احتضان وتبني هذه الأفكار وزجها في البيوت ليل نهار يضعف المناعة ضدها دون ريب أو شك، ويجعل ديدنها جزء من ثقافتنا اليومية المعاشة.
بعض أبنائنا يتسائل عن هؤلاء الإرهابيين حسب تسمية الاحتلال الصهيوني لهم، ويمتعض من تصرفاتهم على أنهم أعداء السلام وموانع الحياة البريئة والطريقة المسالمة للمستقبل، هؤلاء أبناؤنا الذين لم يترعرعوا لا في المدارس على طبيعة الصراع كما يجب أن تكون، ولا في البيوت على فهم القضية بأبعادها الإسلامية والعربية، ولا على معرفة الحقائق التاريخية ولا على إدراك البعد الاستراتيجي لوجود دولة غريبة مثل دولة الصهاينة في عقر دارنا، فالأمور تبدو كأنها طبيعية وتظهر كأنها صراع على أرض وحدود بين أهلها، فلمن تكون الغلبة! .. أقول أهلها لأن الإعلام الغربي وبعض الإعلام العربي يصور الأمر على أنه صراع بين طرفين لكل منهما استحقاقات وحقوق دولية وإقليمية وإنسانية وإنما هي ليست واضحة ولذلك يكون الصراع ويقوم ولا ينتهي.
في الواقع يجب التأكيد على الحقوق كما هي دون غواش أو تحويل أو انحناء، دون استدارة نحو النور الآني الدنيوي فقط، دون التأكيد على وجهة نظر المحتل وحقوقه المزعومة في أدبياتنا وأخبارنا وخبزنا اليومي، هي في الحقيقة الواضحة النيرة جرائم لا تنتهي وحقد لا يرتوي إلا بدماء ودماء، لقد راعتنا المناظر يوم أمس ونكأت الجرح بل الجراح من جديد، هذه الجراح التي بدأت تخبو مع الزمن وتتمخض عن تجارب أغلبها معوجة ومعتلة يتم تفشيلها دوليا ومحليا من وقت أوسلو وما بعدها، لك الويل أيها العدو ولك المنعة والعزة أيها الشعب الصامد، نعم لم نعد نسمع هذه الشعارات الرنانة لأنهم أسقطوها عنوة من قواميسنا وأسقطناها نحن بالتوارد والتواتر والتبعية المظلمة بنور الدنيا.