مادة دسمة

PDFطباعةإرسال إلى صديق

نضب معينهم وفرغت جعبتهم وجف حبر الأقلام من أجل السيناريوهات للافلام الحربية مع هذا التقدم التكنولوجي الهائل بآلة الحرب العسكرية وبالتكتيك القتالي والأهداف الاستراتيجية العسكرية ومع اختلاف نفسية الجندي والقائد وأسلوب التعامل الذي أفضى إلى اختلاف ثقافات وتوقعات المتلقي والمشاهد، فهاهم الكتاب والمنتجون والمخرجون والممثلون في هوليوود يتجهون إلى تلك المادة الواقعية لاستخلاص أفضل البطولات الأمريكية من حروب حديثة بعد فقدان المادة التي كانت تغذي الأفلام والمشاهد من الحرب الثانية إلى كوريا وفيتنام وغيرها، فقد أصبح الأمر مبتذلا وغير ذي جدوى ولم تعد الأمور بذلك تجاري العصر الحديث بكل تبعاته وتقنياته، فلا يستطيع المخرجون استخدام الأسلحة الحديثة والتكتيكات الحالية المخترعة في أفلامهم عن حروب قديمة، فكان لابد من حروب جديدة تغذي هذه الأفلام القادمة وتشبع نهم الشعور القومي الأمريكي باختلاق الأعداء وأن الأمة مهددة كي تبقى مشغولة عن الأمور الداخلية والتفكك الذي قد يأتي في غياب القومية المؤججة. وما يزيد في حدة الأمر وبشاعته هذه الأيام هو أن الكوري والفيتنامي على سبيل المثال لم تكن له صورة نمطية سيئة أو غيرها عند الشعب الأمريكي إلا ما جاءت به الحروب وأعطته الأفلام صورة انعكست لتخرج على  على التصورات النمطية ثم تلاشت، أما هذه الحرب بأطيافها المختلفة من الحرب الطويلة المدى المعلنة على الإرهاب والضربات الاستباقية ومحور الشر فقد أعطت نمطا سيئا عن الآخر ولم يكن هذا النمط بمعزل عن الدعاية الأمريكية المتصهينة بل هو إفرازات سنوات وإن كانت هذه الصورة النمطية قد تم تأجيجها أكثر وأكثر في السنوات القليلة الماضية. وهنا تكمن الخطورة بأن الأقطار الإسلامية هي الضحية فلم تعد ترى الشيوعي الأحمر أو النازي في المقابل وإنما ترى المسلم مهما كانت طريقته هو في المقابل وهو الجبان وهو من يجتر المخرج والمنتج والممثل من حياته ويمثلها أبشع تمثيل وإلا لما كان لأي فيلم معنى تحريضيا أو مشوقا للمتلقي وها هو المستقبل يخبئ لعشاق أفلام الصدام والقتال مادة دسمة ترى فيها الإرهابيين يعبثون بأمن الشعوب بهذه الصورة النمطية عن الإسلام وأهله دون تمييز بين ما هو إسلامي وما هو دنيوي بشري وترى أيضا على سبيل المثال هؤلاء الجنود الأبطال الشجعان مدججين بالأسلحة الثقيلة وهم يبيدون بلدة بكاملها دفاعا عن الكرامة القومية وتحقيقا لأهداف الحرب في منح الحرية والديمقراطية لشعوب الأرض، وهاهم المجندون الأبطال بأعمارهم التي لا تتجاوز العشرين يستعدون لإطلاق القذائف على من سموهم بالإرهابيين في بيت سكني من بيوت الفلوجة يدّعون أنه معقل أوسخ إرهابيي العالم على مر الزمن ، (وهنا سأغير المشهد الهاليوودي  لأطلعكم على الحقيقة التي تعرفونها فإذا بالجثث تنقل بعد انتهاء القصف إلى شاحنة فهي مليئة بالأطفال والنساء فيخرج هذا الجندي البسيط وعمره تسعة عشر عاما ليقول للكابتن: هل هؤلاء هم الإرهابيين الذين أخبرنا عن مكانهم رئيس فرقة الاستطلاع. فيرد الكابتن: هؤلاء أهلهم وهم من آواهم فهم يستحقون القتل مثلهم وكيف لنا أن نميّز وهل ننتظر حتى يقضي الإرهابيون على نصفنا قبل أن نتخذ هذه الإجراءات الصارمة بحقهم فالوسيلة للدفاع عن أنفسنا هي أن ندمر كل ما في طريقنا للوصول إلى هؤلاء الإرهابيين وإلا كنا في عداد الموتى أفلا تريد أن تعود إلى بلدتك سالما فإما هذا وإما ذاك ولا بديل لدينا عليك أن تحمي نفسك ولا تجازف في الانتظار حتى يخرجوا إليك فهؤلاء يحبون الموت كما سمعنا من أصدقائنا في المارينز أثناء القصف منذ عدة أشهر ولا تخف كثيرا فلا توجد تغطية إعلامية في المنطقة.)  وأعود الآن إلى سيناريو ومشاهد هوليوود فإذا بالشاحنة ملأى بجثث رجال في مقتبل العمر بثياب قديمة ممزقة ولحى كثة وسخة وبجانبهم بعض الأسلحة وقاذفات الصواريخ والألغام وصورة النصر تلوح على محيا الجنود الأبطال فهذا سيحصل على ترقية وآخر سيعلق له وسام الشجاعة والكابتن يصبح من المقربين إلى الإدارة العليا. وهناك سيناريو آخر قد يتخذه كاتب أو مخرج لإظهار الديمقراطية ومنافعها الإنسانية  - والمزيفة طبعا في هذه الحالة – فقبل أن يبدأ القصف تكون الأوامر كلها قد صدرت والمعنويات عالية عند الأبطال، وقتها يخرج الجندي الغر ويخرج منظاره المقرب ليتفحص المكان الذي يهدفون إلى قصفه فإذا هو حي سكني ما زالت الحياة تدب فيه وإن كانت قليلة فيذهب نحو الكابتن ليقول له: هذا حي سكني وفيه مدنيون أليس من الأفضل أن ننتظر لنتحقق من الأمر فنحن نحب الحرية وجئنا لنحرر الشعب العراقي ونمنحه الديمقراطية لا لنقصفه، فيقول الكابتن: الديمقراطية هي أن تختار الانضمام إلى الجيش أما أن تعصي الأوامر في ساحة المعركة فلا علاقة لها بالديمقراطية وهذه أمور إجرائية وليس لك الخيار فيها في مثل هذه اللحظات الميدانية، أما إن اخترت العصيان فالمحكمة بينك وبين الإدارة العسكرية ولك الخيار تحت هذه الظروف فقط، لقد أقسمت أن تكون متفانيا من أجل العلم وها هو العلم يناديك في تنفيذ هذه الأوامر. ويرد الجندي: ولكن ظني يخبرني بأن في المنازل هذه مدنيين لم يخرجوا بعد. ويردعه الكابتن: هذا ليس من عملك ولكن من عمل فرقة الاستطلاع التي حددت هذه المنطقة ولا خيار لنا إلا التعامل مع معلومات هكذا تعلّمنا. فقال الجندي: والتقدير الشخصي. رد الكابتن بصرامة: ليس له مكان في مثل هذه الظروف الميدانية وقد يكون وبالا علىالفرقة كلها. سدد المجند الصاروخ ثم أطلقه وأغمض عينيه كي لا يراه وقت الانفجار في جدار المنزل.... بعد الانتهاء من المعركة والقصف الشديد  تخمد الدنيا وتسكن ثم يتم انتشال الجثث من تحت الأنقاض وفيها يجد المجند بعض المدنيين بالإضافة إلى مسلحين بهيئة مقززة كما تتوقعون ..... ثم في الإدارة العسكرية تعقد محكمة للتحقيق مع رئيس فرقة الاستطلاع وجنوده ..... ونرى الديمقراطية على أوجها!!!.
 

ريان الشققي