أهو حقاً بالعربي!

PDFطباعةإرسال إلى صديق

إنه ليحزنني ما آلت إليه المنظومة الدينية والمنظومة الإعلامية في وقت كهذا ومكان كهذا ومنصب كهذا، ونحن ننظر ونسمع ونحلل، وهذه قناة العربية الإخبارية وهذا هو مفتي الديار المصرية وهذا هو لقاء يوم الخميس الماضي في برنامج "بالعربي" مع الصحفية جيزيل خوري، والتعليق هنا لا ينفتح على الصحفية التي أثبتت وجودها ومن هي وبما تدين ولا على ما وضعت على رأسها احتراما للضيف وللمشاهدين في موقف كهذا ولا على نوع الأسئلة المطروحة على المفتي فكل ذلك له ما له وعليه ما عليه من وجهات النظر التي قد نختلف معها وقد لا نختلف، وإنما العبرة هنا في أمرين هامين، الأول هو أن هذا هو لقاء مع مفتي دولة إسلامية رائدة له مكانة رسمية وعقدية مهمة في حياة المسلمين والأجدر أن يكون اللقاء معه في جو صحفي أقوى وأنجع وأسلم من قبل قناة عربية ذات هوية ثقافية إسلامية لتفادي الإشكالات التي تأتي من قبل الجماهير المسلمة وهي الأغلب والأعم في العالم العربي، والثاني هو هشاشة المواقف والتصريحات التي صدرت عن السيد المفتي.
كانت الصحفية تحاكم حدود الله ظاهرياً في بعض أسئلتها، إتهامات للتشريع وليس لممارسات بشرية في أمور التشريع أو الحياة العملية للبشر وهناك خطورة بينة بين هذا وبين ذاك، وإن كانت اللقاءات الصحفية تعتمد عادة على الإثارة والتشويق في طرح الموضوعات إلا أننا لا نرغب أن تأتي الإثارة من تلك الصحفية ومن قناة لها هويتنا في مواضيع لها قدسيتها في حياة الثقافة الإسلامية والمجتمع عموما، ولو كان اللقاء مع قناة من أقصى الشرق أو من غياهب الغرب أو من متاهات الجنوب لكان له ما يبرره ولو كنت أتمنى في هذه الحالة أن يكون الضيف أعلى جدارة وأطول باعا.
لقد ولج السيد المفتي في دوامات لا ينبغي له أن يدخلها بهذا الأسلوب المداهن والمخاتل أحيانا، ردود بعضها هش وتمثيل للمسلمين أقل مما كنت أتوقع. هناك حدود وضعها الشرع الحكيم وهناك نصوص واضحة لا لبس فيها ولا غطاء عليها ولم يختلف فيها العلماء عموما لا من قريب ولا من بعيد، فلماذا نردّ الأمور ونعزيها إلى الديانات الأخرى ونأخذ دعما لقضايانا وتشريعاتنا من الديانات الأخرى كالمسيحية واليهودية صحيحة كانت أم غير ذلك. ففي أمر المواطنة والتشريعات فللمواطنة حق وللتشريع حق وقد يتلازمان أو لا يتلازمان، أما أن تكون المواطنة فوق النصوص الشرعية البينة الواضحة الفارقة فهو ما لا يرضى به مسلم إن كان قهراً أو كان رغبة، والكنيس والكنيسة لهما ما لهما أما نحن فلنا ما لنا ويعلمه ويدركه العلماء وقسط غير يسير من الناس، والخلط بين أننا نأخذ التشريعات مع وضع المواطنة في مراحل عليا من الهرم فهو الإجحاف بحق الأغلبية في الدول الإسلامية بعد أن يكون إجحافا بحق التشريع الصحيح أصلاً.
وقد تم طرح قضية تعدد الزوجات وهو أمر أباحه الشرع ولم يفرضه أو يقحمه لكل فرد وله أحكامه وشروطه وهو جزء لا يتجزأ من التشريع، إن كان مطبقاً أو مألوفاً أم لم يكن مطبقا فهذا أمر يختلف من ثقافة لأخرى ومن بلد لآخر ومن عرف اجتماعي لآخر، أما ان ندافع عن أنفسنا باعتبار أن هذا الأمر غير موجود إلا قليلا جدا وكأننا خجلون منه على أنه لا يتماشى مع المدنية الحديثة لكي نري غيرنا ونقنعهم أن الأمر ليس كما يبدو في التشريع فهذا ما لا يرضاه مسلم بحق. نحن عزيزون بهذا التشريع ولله حكمته المثلى في تشريعاته فقهنا القصد منها مباشرة أم لم نفقهه.
وأما موضوع حدود الزنا فلم يلق الرد الواضح والقاصم من قبل المفتي مما جاء في الكتاب والسنة والأثر، وبدا الموضوع دفاعا بدل أن يكون توضيحا للأحكام والحدود، وأما عن حكم المرتد عن الإسلام بالقتل فقد بدا الأمر واضحا وجليا بأن الرد كان متأرجحا ومترددا ولا يرتفع إلى مستوى الأمر من الجدية، فقد كان الرد خائفا من اتهامات الغرب على سبيل المثال بالرجعية وضد الديمقراطية من حرية الاعتقاد المطلقة وغيرها من الأطروحات الوضعية الحديثة.
لقد كان اللقاء هزيلا رغم ما فيه من بعض التوضيحات الصحيحة ونحن لا نعيب على المفتي اجتهاده ولكننا نريد أن نكون ممثـَّلين بمن يذود عن الثقافة والتشريع بحجة أقوى وببرهان أوضح وسجية أنجع حتى يتم لنا أمر العزة بشرع الله عز وجل، وأقول إن كنت لا تستطيع أو لا تريد فلا تظهر على الشاشات واترك البحر لمن هو أجدر على السباحة في قضايا حساسة وحاسمة والعوم في أمور التشريع والمواطنة والمرأة وحدود الزنا حسب تعليمات الله عز وجل، وأراك تتكلم في هذا اللقاء بصفة رسمية وباسم دولة أي منصب وليس كليا باسم عقيدة وهذا إن غضضنا الطرف عنه وزعمنا أنه لا شان لنا به إلا أننا نأخذ على اللقاء مأخذاً جديا وهو أن الصفة الرسمية تتماهى مع الصفة العقائدية أردنا ذلك أم غير ذلك وهذه الصفة تمس حياة الناس في دينهم وعقيدتهم وليست قضية المواطنة مثلا وحدها هي التي تنفذ إلى القلوب عند الأغلبية، والتعارض بين هذا وذاك قد يكون له ما يبرره عند بعضهم إلا أنه غير مبرر إن جاوزنا المواطنة على الاسس التشريعية الراسخة.
هو أمر الله في القضايا والتشريعات، إن وافقتْ أهواءنا أو وافقت الغرب في توجهاته فنعمّا هي وإلا فإن لله حكمته ولا اعتراض على أوامر الله وحدوده، ولا مداهنة بما هو واضح بيّن لا لبس فيه.
يا أيها المفتي، يا أيها الإنسان الذي وضعته الدولة محل ثقة ومصدر إلهام للآخرين نتمنى أن تخوض في أوامر الله وحدوده بجدية أكثر وبيان أوضح لتوضيح مواقف العقيدة دون مواربة ودون مداراة لتتم الهداية بحق، ولن تنتهي الشبهات والإتهامات وهذا ليس بجديد ولكننا إن نداهن وننحني فتلك هي المصيبة وإن كنا ضعفاء في الظاهر فهذا قدرنا الآن وعلينا النصح والمداومة على العمل بجدية وحق وقوة لعل الله يأتي بوعد من عنده لتقوم الشريعة عالية في وجه كل المارقين من أشخاص ودول وثقافات لا تريد للحق أن يظهر، هذا هو خلق الله رب العالمين جميعا فأروني ماذا خلقوا وهو الذي يجير ولا يجار عليه.