لا تنصهروا !

PDFطباعةإرسال إلى صديق

الفارق شاسع بين التباين الثقافي وبين التباين التقني فيما بين المجتمعات، التباين الثقافي قد يكون تباينا أفقيا بحيث تتوازى الخلافات في التأثيرات على التقدم الإنساني أو تخلفه، والتباين التقني لا يكون إلا تباينا عموديا فيه الخلافات تتأثر وتؤثر في تقدم أو تخلف الحياة المادية وتبعاتها، ولا يغيب بالطبع تأثير ذلك على الثقافة والأعراف والتغييرات الاجتماعية الناتجة عن التقدم التقني وقد لا يخدم ذلك التقدم الإنساني والروحي إلا تقهقرا.  والخلط بين التباين الثقافي والتباين التقني بين الأمم قد يزعزع الثقة بالنفس ويهدم أسسا وتاريخا يجب أن تبقى ركيزة في النفوس وفي المسيرة دون خوف من انتهاء الصلاحية، ولا شك في أن التفكير بهذا الأمر بيد الإنسان أولا وأخيرا ولكن الظروف المحيطة النابعة من التراجع التقني الهائل وانحسار مساحات التفكير والتقلبات الكبيرة والقلاقل المتمركزة في النفوس تتصارع جميعها لتنتج نفوسا مهزوزة شكاكة إن لم يتمكن منها التحصين ضد الغزو الثقافي، وارتباط الغزو الثقافي بالتباين التقني يترك أثرا كبيرا في خلخلة التفكير والسؤال حول صلاحية الأفكار الثقافية الموروثة في شد الحبل والتحكم في أوراق الحياة وتلابيبها.
التعارف مسألة هامة تكاد تكون بأهمية الحياة نفسها، والانصهار في الحياة مسألة أخرى أكثر أهمية إن تمت على المنوال المرسوم والمضبوط في حكم التعارف لا الذوبان وانعدام الرؤية، قال الله تعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.." ليس لتنصهروا بالآخرين وتذوبوا ثم تضمحلوا، والانصهار قد يكون محمودا إن كنت الأعلى دون اضمحلال، فالتعارف شيء والانصهار شيء لا يماثله إلا في بداية الطريق، ولا بد من التعارف والتبادل والتعامل من أجل التكامل على البسيطة ومن أجل التقدم والإعمار والرقي، فمن المصلحة الفردية إلى الأسرية إلى الجماعية إلى الإنسانية يتأتى أنه من تعارضت مصالحه مع مصالح الآخرين وظلمهم وقوض أعمالهم فتقواه ناقصة وطريقه معوجّة، وهذا هو مبدأ رباني لأن الإنسان هو الإنسان والرسالة الربانية في الخلق والنزعات أتت للجميع لا احتكار لها من عرق أو شعب أو زعيم، والانصهار السريع يولّد ردات فعل عنيفة ويغذي انفجارات نفسية إنسانية سمّها نزعات رافضة أو انعكاسات مضادة أو إرهاصات إرهابية، ولا توجد نظرية اجتماعية أو سيكولوجية في هذا الباب إلا وتحذر من التغيير المفاجئ أي التغيير الذي يأتي خلاف التوقعات بسرعة لا تتكيف معها النفوس البشرية ولا تتأقلم معها العادات والتقاليد وبالأخص المعتقدات، ولا يتم الانصهار الذي لا نريده وبالأخص بالمعنى الذي نريد هنا إلا بالذوبان المسيّر والمسيّس وإلا إذا أتى على مراحل بطيئة تتكيف معها النفوس عبر الأجيال، وهذا ما لم يحصل حتى الآن فالرفض رغم المعارك المحتدمة بين المثقفين أو غيرهم من المجتمعات العربية هو السمة الغالبة مع أن الصفة الرسمية في جزء من عالمنا لا تمانع الانصهار لمصالح عليا تراها سليمة من وجهة نظرها حاليا مما يحيط بها من الظروف الدولية والإقليمية المنحازة لعملية الانصهار والتبعية التامة والخضوع المستشري. وقد تسارعت وتيرة الطلب بالانصهار مؤخرا وتعاونت القوى الخارجية والقوى الداخلية على مستويات متباينة لتسريع العملية وإضفاء الزخرف والأدوات التزيينية، كانت الطلبات بطيئة في زمن مضى بحكم المرحلة وتقنية الاتصالات وطبيعة تقبل الشعوب وردود الأفعال لإقحام التغيير المفاجئ، ثم فقدت القوى الكبرى والصهيونية توازنها بحكم الصحوات المتتالية في الشعوب العربية والإسلامية فكما أن هناك صحوة للالتهام هناك صحوة للتقيظ والهروب من الالتهام، وقد أقحمت القوى الكبيرة القوة العسكرية إضافة إلى العوامل الأخرى المعهودة بشكل تعسفي أكثر من قبل لكي تصل إلى غايات انصهارية قسرية.
الأمثلة على تسريع عملية الانصهار القسري في الوقت الراهن متعددة ومتمثلة جزئيا بما يحيط من الظروف الدولية والإقليمية والغزو الثقافي والفكري والحرية المزيفة التي تلتف على المبادئ وتغير المفاهيم الأساسية وليس الفرعية الجائرة، ومما نرى من تهويد التوجهات وجعل القبلة العسكرية والإقتصادية في تل أبيب مارة عبر التوجهات والسياسات الغربية كلها بما فيها ما يظهر من صالحها، وهذا هو موفاز على شاشة قناة العربية الفضائية يصرح بأن على سوريا الالتزام بالقرار الاممي 1559 وعليها احترامه، ألا نعرف من هذا الذي يتكلم! لماذا نستمع إليه وماذا نتوقع منه أن يقول وهل كانت قناة العربية تتوقع منه غير هذا أم أن الاشمئزاز من وجهه هو بحد ذاته إثارة للمشاهد العربي، و الفضاء هو فضاء مفتوح لاننكر ذلك والانفتاح واجب لا بد منه بل هو زعيم الواجبات في هذا العالم الحديث والتقني والواسع المدارك والعلوم، ولكن الذي يتكلم هذا في رأينا يمثل أكبر منظمة إرهابية عالمية اخذت اسم الدولة في العالم المتحضر بجرائمها المكشوفة عيانا جهارا وكانت ومازالت أم الدسائس وربيبة الخبائث على مر التاريخ المعاصر، فلماذا هذا التهافت على تصريحات الساسة الصهاينة قبل وبعد كل شيء، كفاك أيها الإعلام نزولا أو فلنقل إثارة غوغائية، ومن الموجِّه؟! هل هي الهيئات الراعية للإعلام أم أنها الإثارة والسبق إلى الحدث وإشعال المتضادات للفوز بحصة إعلامية أكبر وسمعة أوسع، الإثارة وحدها شيء وقتي وزائل على مدى التاريخ، والجدية في الطرح شيء ثابت لخدمة أهداف الشعوب وتوجهاتها، أما أن تكون الإثارة على حساب ثوابت الشعوب وثقافاتها فهذا ما لا نقبله ولن يقبله أي إنسان يؤمن بوجودنا الأسمى فوق هذا الكيان الغاصب ولو كانت القوة النووية لديه.