لا أؤيد .. ولكن..

PDFطباعةإرسال إلى صديق

عاطفة مغلفة بعقل، عقل مغلف بعاطفة، عاطفة صرفة، عقل صرف، الناس مشارب والأحداث تشكل الوعي أو تطغى عليه وتغمده، والناس في أودية يهيمون، قد لا يدركون ما يجب أن يُدرك، الظروف المحلية والعالمية والتعليم والخلفيات والتجارب والإعلام كلها عوامل تصنع الآراء وتشكل القناعات الثابتة والمتبدلة إضافة إلى العقل والعاطفة وما بينهما ما يغلف الآخر ويهيمن عليه، وتبدأ القصة بالتأييد أو الرفض والفتنة تتسارع وتستعر لتصل إلى أوجّها، هي فتنة عالمية تصيب من تشاء ومن لا تشاء، العولمة لها ضريبة، وضريبتها الكشف عن كل مستور في الدنيا المسطحة المكوَّرة، لم تعد القضايا محلية رغم محليتها، فالمحلي هو أمر نسبي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بقليل وبعد الحادي عشر من سبتمبر حتما بالضرورة، وتنساب الأحداث وتأتي إلى النفوس صواعق حسوما بعد البروق، حروب على الإرهاب لا تنتهي ولا تتحدد كالأشباح في عتمة الأيام وحروب استباقية وكذب وخداع ومصالح لا تنتهي وتدنيس للحقائق وتحوير للوقائع وفعل ثم رد فعل أعنف وأبشع، إلى أن أتت تفجيرات لندن، وما أدراك ما لندن وما لها من مكانة في نفوس العرب، وهاهي مدريد تقع تحت الضرب وتتزعزع فتتغير القضايا وتتناثر الاحداث، إلا أن ردات الفعل في العالم العربي لم تصل إلى ما وصلت إليه في تفجيرات مدينة الضباب، فلندن هي الأقرب إلى النفوس وهي الأقرب إلى الجيد من القضايا وإلى السيء من القضايا التي عملت على تشكيل الوعي العربي بأتراحه وأفراحه، وتعالت الصيحات من كل مكان في المدن الساحلية والداخلية وفي القرى وفي كل مكان فيه أحياء من العالم العربي وغيره، أحد العقول لا يؤيد بل يستنكر بعنف، وعقل غيره يؤيد بشدة ويشمت كي يتجرع محتلوا العراق كأس المرارة، والعاطفة ترفض أحيانا وتؤيد أخرى، وتذبذبت الآراء بين شامت وبين ناكر للأمر بما تأتي عليه النتائج من خسران مبين وسمعة سيئة عند العالم الغربي، وهناك قسم ضئيل من الناس رفض التفجيرات جملة وتفصيلا دون تجاوز الأحداث إلى غيرها وارتباطاتها مع الحياة والأحداث قبلها وبعدها قائلا بأن الخطأ لا يجب أن يجر أخطاء أخرى ولا مبرر للخطأ على الإطلاق، وقسم كبير من الناس بغالبيتهم رفضوا التفجيرات بالقول: أنا لا أؤيد التفجيرات وقتل المدنيين ولكن... هي تلك القضية، ولكن... المبررات والتحليات تتبع ولا مناص من هذا عند الأغلبية، لا لشيء إلا أنهم قالوا إن النفوس تغلي والصدور تعتمل والعقول تتقطع أوصالها من منطق الخذلان ولا من منج له أو منصف للحق، كلمات سمعتها كثيرا في المجالس العامة والخاصة وفي الصحافة بجميع أشكالها الخبري والتحليلي ومقالات ومقولات الرأي، ويقول قائل: الظلم صعب وعواقبه وخيمة وانعدام الحيلة بالدفاع عن النفس أصعب على النفوس وأدهى، وها قد جاء من ينتقم، لا يهم من هو المهم أن نرى الظالم يترنح، أنا لا أؤيده بقتل المدنيين ولكن... نعم مرة أخرى ولكن.. هل نستطيع أن نتعلق بدعوى الظلم لتبرير أفعال لا تحتمل الإجماع! ويأتي التحليل بعد كلمة ولكن: ها قد جاء من يرد الصاع صاعين للمستكبرين والمتعجرفين وهم يسرحون ويمرحون كأنهم الأوصياء على هذا العالم، فيضع حدا لعجرفتهم وسورا لطغيانهم، وكلما قالوا إن الإرهابيين لا يحبون قيمنا ومبادءنا بل يكرهونها ولا يحبون أسس حريتنا ويحاولون دفعنا لتغييرها يقولون بعدها لهم نحن لن نغيرها ونحن أقوياء ونحن فوق هذه الأحداث ولن تنالوا منا فنحن صامدون ديمقراطيون، إلا أنه يجب معالجة أسباب الإرهاب (بلير)، ويجب محاربة أسباب الظاهرة التي تسترخص الحياة البشرية (شيراك)، ويجب القضاء على منابع الإرهاب ومموليه أينما كانوا (بوش).

ولنأت إلى ما نظن أن بلير كان يعني بمعالجة أسباب الإرهاب وما هو والحلفاء معه عاملون:
• التضييق على الحريات بسن قوانين جديدة للحد من الحريات المدنية والتنصت وغيرها
• الضغط على الدول التي يعتقدون أن الإرهاب يأتي منها تارة بدعوى الإصلاح السياسي وأخرى بالإصلاح الإجتماعي والحريات الشخصية، ويجب أن لا ننسى التطبيع مع إسرائيل (الديمقراطية الوحيدة في المنطقة!!) سبيلا إلى التقدم والرفاهية والأمن
• الطلب بتعديل المناهج الدراسية
• الطلب بالتعاون الاستخباراتي
• مراقبة شاملة ودقيقة للبنوك والتحركات المالية
• ......

وهنا نأتي إلى نهاية المطاف لنرى أن الأسباب ومعالجتها تطول وتطول، وهنا نأتي لنرى أن نسيان الظلم وعدم إدراجه من القائمة له أسباب أهمها التعامي عن الحقائق وأرخصها الجهل بالحقائق بعد أن تمت الوصاية على العالم من قبل حفنة من الساسة ومؤسساتهم، نسوا الظلم، نعم لقد نسوا الظلم والتكبر على الشعوب وسرقة ثرواتها والإبقاء على المستهلك مستهلكا. وفي الواقع نرى أن دراسات بعض العقلاء من الشرق والغرب والتقارير الاستراتيجية تضع أولى الأسباب للفوضى في العالم اليوم الظلم والتوزيع السيء للثروات وطغيان القوي على الضعيف دون رحمة ودون هوادة.

وإن أتينا على قضية القتل والتفجيرات وغيرها من الأحداث التي من الممكن أن يقع وزرها على جميع الأطراف من دول وجماعات وتنظيمات لا فرق، فجميع المسلمين يدركون بالضروة عموما أن قتل النفس البريئة محرم ولا يقتل الإنسان إلا من رفع السلاح بوجهه لاعتبارات كثيرة أهمها النصوص القرآنية الواضحة والأحاديث الشريفة بهذا الخصوص والسيرة وأخبار الحروب الإسلامية على مداها. ومن يريد محاربة من يسترخص الحياة البشرية فليحارب كل الذين يسترخصونها بدءا بإسرائيل المغتصِبة والقائمة تطول، ومن يسترخص الحياة البشرية ليس له دعوى لا في عرف الخالق وقوانينه ولا في عرف القوانين الوضعية المتعارف عليها دوليا وإنسانيا.

وأعود لتأكيد رأي الأغلبية كما حسِـبته من جراء اطلاعي وهو: أنا لا أؤيد .. ولكن..


_________
ريان الشققي