خليل الفزيع وعندما تتشظّى الأشواق

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بعد سبعة عشر إصدارا وحياة مليئة بالأدب من القصة إلى الشعر إلى الباع الطويل في الصحافة صدر عن دار أمنية للنشر والتوزيع بالدمام مجموعة شعرية جديدة للأديب الأستاذ خليل ابراهيم الفزيع، وتحتوي المجموعة المعنونة (عندما تتشظى الأشواق) على إثنين وأربعين قصيدة مجموعة في كتاب 174 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف يرفل بأطياف من لون الخليج العربي يتوسطه قارب يسكن فوق مياه الخليج الهادئة ينتظر بزوغ الشمس من خلف غيمات تتفرق وتتباعد فاسحة المجال لإشعاعات الشمس أن تسبح وتتشظى فوق الخليج لتحاكي النفس القاطنة فوق تراب الوطن الغالي، وقد جاءت القصائد ما بين وجدانية تحاكي النفس نفسها فيها وتناجي الأحبة والأشواق تبثها ماعندها من ألق الزمان والمكان حينا ومن أرق النفوس ولوعة الحرمان حينا آخر، وما بين قصائد أشواق تتشظى بعد أن تتلظى شامخة على شكل أغنيات للوطن الغالي وكل ما يحمله ترابه من فرح وهموم وتعب وانتشار للحياة بمجملها وبدقائقها، ولا تنسى المجموعة كذلك همّ الأمة وقضاياها وبالأخص قضية المسجد الأقصى السليب ومحنة العراق الشقيق، وجاءت جل قصائد المجموعة من الشكل العمودي التقليدي والغني بالصور الحية والمبتكرة والمحلقة، وجاءت بضعة قصائد على شكل شعر التفعيلة بنفس جديد وصور متألقة. وهذه قراءة في شذرات من بعض قصائد المجموعة.
أولى قصائد المجموعة في اليوم الوطني والغربة وهي (يوم المجد) يقول فيها الشاعر معبرا عن ثبات الإنسان في وطنه إن كان فيه أو بعيدا عنه:
أيها الراحل المعنى تمهل
فهنا أنت راسخ الأطواد
فهاهو الراحل المضنى من التعب يعود إلى الوطن قبل أن يعود ويدوس على ترابه الغالي، ثم تأتي القصيدة على الإشادة بتوحيد البلاد على يد الإمام عبدالعزيز رحمه الله:
أقبل الفجر في رحاب إمام
جمع الدين والدنا في اتحاد
إلى أن يقول متغنيا بأحلى البلاد وخيرها:
يا بلادي لأنت خير بلاد
موئل المجد والهدى والرشاد

ولم ينس الشاعر ارضا لا يذره الزمان إلا أن يعشقها وهي الإحساء موطنه الأصيل والجميل، وقصائد فيها تلك هي المعبرة عن حبه لهذه الأرض وارتباطه بها ارتباطا وثيقا لا نفكاك منه فتراه يقول في قصيدة (عيون الحسا):
يا عيون الحسا وأنت عيوني
خبري ذلك الفتى عن شجوني
ثم تأتي الحسرة على ما أصابها من تشويه وجفاف للعيون من جراء حوادث الدهر حين يقول:
شاخ بي العمر حين غابت سماها
كم تأذت وما لها من معين
وتنتهي القصيدة بوصف جمال الإحساء بالجمال الحزين، وهذا هو تعبير صادق يمزج الجمال مع الحزن في صورة متماوجة متمازجة عميقة حسية ومعنوية.

ومن منا لم يتأثر بالمحن المتراكمة في العراق والفتنة الكبرى في الاحتلال، وهاهو شاعرنا يتصدى لهذا الشعور ويتحرق أسى من هذه المأساة التي أصابت الأمة في صميمها فيبعث لدار السلام بغداد سلاما حارا مليئا بالشعور الحزين آملا أن تنكشف الغمة، يقول في قصيدة (لبغداد سلام):
تتمردين وترفضين خضوع الأمس
تتطهرين من وعثاء السنين وآثام الجناة
وتعاقرين نشوة النصر على الضفاف
تختالين بابلية القسمات.
إلى أن يقول بثقة متناهية يعلوها كبرياء بالحق وصدح بالحقيقة:
ألثم في شوارعك انبثاق الضوء
انتثار الفجر
خيوط الشمس وئيدة الخطوات
تهدي إلى الأطفال دفء الأمنيات.

وفي قصيدة (جراحات بغدادية) يزخر الشاعر بالتفاؤل والعلو نحو المجد للأمة منطلقا من بغداد فيستفتح بالقول:
لمّي جراحك بغداد اطردي القلقا
وعانقي المجد وضاء السنا ألقا
ثم يصف بلاد الرافدين مما طرأ عليها على مر السنين من العز والأنفة والثراء إلى ما حل بها اليوم، فيقول:
في الرافدين حياة كلها رغد
وفيك جوع دمع بالأسى غرقا
ثم يأتي على المصيبة الكبرى في الرافدين:
- واليوم حلت بك الغربان ما فتئت
تغتال قد نهشت من لحمك المزقا
- أرى من الأمس كم من صفحة طويت
ودام مجدك منصورا ومؤتلقا
إلى أن تحل بشاعرنا النشوة فيختصر القضية في أحداق الرافدين بغداد لتحل المدن كلها وتنتهي عندها حين يقول:
كل المدائن في أحداقك اختصرت
وفيك قلب ونفس للهوى خلقا

وهاهو الغزل ينداح أمنيات عذبة والأشواق تنزلق مع العواطف وتتشظى فوق صفحة الرمال الحارة حينا وعند البساتين الغناءة حينا آخر، ولا ننسى أسلوب المزج الشعوري والتذبذب العاطفي عند المحبوب في لحظات تجعل الشاعر في أوج لحظات عنفوانه الشعري فيتدفق النهر عنده سيلا لا يقدر على صده أو وقفه أحد وتسبح المعاني في الآفاق محلقة بين الزاهرات البعيدة لتعود إلى قلب الشاعر والبشر أسرارا مع بزوغ الفجر. يقول الشاعر في مطلع قصيدة (دع العتاب):
خفف ملامك فالهوى أقدار
ودع العتاب فللهوى أسرار
ويصف كيف نامت تلك الحكايات التي جمعت بينهما وما آلت إليه من لهيب وأشعار فيقول:
نامت على وجناتها قصص الجوى
كتبت حروف لهيبها الأشعار
ثم يصف هذا الرابط المتين كيف به أن ينهار رغم رسوخه حين يعلن:
شيدتُ جسرا للمحبة راسخا
عجبا فكيف يهده الإعصار؟

ويكتنف الكتاب دفقات وجدانية وإخوانيات تعبيرا عن الإخلاص للصديق وللقريب الوفي التي تجلت في قصائد عدة مثل (في قبضة الشجن) و (فهد الوهيب) و (الغائب الحاضر). ولا تخفى عليه الأندلس هذا الماضي ذو الفخر وذو الشجون فيرسل إليها قصيدة من وحي ماربيا (غادة أندلسية).

ويأتي التهام الأشواق للمحبوب وبثها في كلمات تترامى أطرافها بين القلب وبين أطراف الكون الفسيح تعمر الحياة بذبذباتها ورؤاها، فيقول في قصيدة (أسر البعاد):
أهمسك أم هو العسل المصفى
أم الشوق المؤجج ليس يخفى
ويقول وقد تباعدت الأمنيات إلى مداها خلف حدود اليدين:
تمنيت اللجوء إليك يوما
فصار هواك للأحلام منفى
إلى أن يطرق بابه الخيال ويؤطره في هيكل من النغمات تستمر منطلقة في الفضاء، فيقول:
ويبقى صوتك الشهدي وهما
وإني في الخيال أراك أوفى

وحسبته سينجو ولكنه أبى أن يستكين إلا أن يحرك الشعور عند من عنده حس مرهف، وهكذا لم يفلت الليل بسكونه المريب وضوضائه النفسية من مناجاة الشاعر العميقة فها هو يكيل لليل صفعات شعورية حرى متبادلا معه النزال العاطفي، فيقول في قصيدة (نجوى):
ألا ياليل إن القلب
ملتاع من الهجر
إلى أن يقول:
إذا الذكرى تناديني
فما للقلب من صبر.
ويأتي على وقت السحر في نهاية المطاف فيقول:
وطفت عوالم العشاق
في موج
من السحر.

وها هو شهر الخير يطل علينا وقصيدة (شهر الخير) تسبقه إلينا مع الشاعر حين يقول فيها مناجيا رمضان:
يا خير من شرف الزمان بفضله
وإذا يجود الدهر أنت الأجود
ثم يبث رمضان الآهات حول حال الأمة الجاثية على ركبتيها تتململ من أجل الوقوف، يقول:
يا أمتي مرت مآس جمة
ليل طويل أو نهار أسود
ويبدأ النور من يشع من نفوس البشر المؤمنة لتكتمل الصورة في المضي قدما نحو الامام:
للظالمين وإن تطول نهاية
ومآلهم للانهزام محدد
ثم يتضرع إلى الله العلي القدير بجوده وكرمه فيقول:
إني وقفت بباب جودك أرتجي
للخير ترشدني فأنت المرشد.

وجاءت آخر قصائد المجموعة وهي (ليلة ليلاء) بمطلعها الرائع سيمفونية تتزاحم عند الشعور لتخرج لوحة حركية تبهر الأحاسيس:
في ليلة مجنونة الرياح والمطر
تنوح في سمائها عواصف القدر
ثم تتحدث القصيدة عن الفقر والجوع والمقارنة في صور متتالية جميلة ومعبرة إلى أن تأتي إلى النهاية في بيت شعري حكيم:
يا من يموت متخما من كثرة الطعام
ألا ترى أخاك جائعا لا يعرف المنام

وأترك المجموعة الآن لكي تستريح بين يدي قراء آخرين من المحيط إلى الخليج.


ريان الشققي