الوجه الآخر

PDFطباعةإرسال إلى صديق

تعاقبت المسلسلات والأفلام التي تهتم بقضية الإرهاب الإسلامي كما يصفونه قالوا ذلك جهراً أم لم يقولوه، ومنها (24) و (BRITZ  )      وغيرها من هذه الأفلام المخابراتية والمباحث المتخصصة بالإرهاب والوحدات المتفرغة لقضايا الإرهاب وما يتفرع عنها.  نريد أن نعرّف من هو عدو  الإنسانية في الواقع مهما كان السبب وما هي المفاهيم التي تنطلق منها هذه المواد الإعلامية الترفيهية، وكيف تتصدر المواضيع جداول الأعمال في الإعلام العالمي فنأخذها ونجترها اجتراراً وننسخها نسخاً، وهاهم الأبطال في هذه المواد الإعلامية يتصدون للمخربين والإرهابيين وهاهم الهيئات من رجال ونساء يديرون العمليات المخابراتية والمباحث ويصلون الخيوط بحنكة ويفكون الخطوط بذكاء فائق وعبقري للوصول إلى الأهداف بحيث يعطلون الشبكات الإرهابية وغير ذلك من النجاحات، والمعضلة هنا فرق الثقافات ووجهات النظر بشأن الدوافع والمسببات وبشأن الأحداث نفسها التي ترسمها الحبكة والسيناريو.

 

جاءت هذه القضية من واقع مليء بالمتناقضات وعالم مهووس بالمادة والاقتصاد وهذا ليس بجديد، وأستطيع القول أن هذه المادة تربة خصبة للإنتاج الإعلامي وهي مرنة جداً كما أنها حديث العصر الحالي ونتاج الأيام المتداولة، ولا بأس فهذا واقع الحال شئنا ذلك أم أبينا وعلى المنتجين أن يبحثوا عن المواد التي يسهل تسويقها ولكن المعضلة الكبرى والطامة العظمى أننا نساهم في تكريس التبعية والتخلف لدينا والحفاظ على عنصر الفوقية للغرب وفي تثبيت فكرة الإرهاب الإسلامي الخاطئ ووصم الدين بالإرهاب ذاته ووضع كل التبعات على كراهية المسلمين للغرب وأسلوب حياتهم لا لشيء إلا لأنهم يملكون الحرية ويعيشون في بذخ العيش كما يصوره بعضهم وأن المسلمين يكرهون أسلوب الحياة الغربية وغير ذلك من الدعاوى.

 

لا تتطرق هذه المواد إلى الأسباب وراء ما يحصل وهي إنما تكرس الجهد للأحداث نفسها وما يجب عمله للحفاظ على الأمن الاستقرار، فهي بهذا لا تقدم الصورة الحقيقية للأمور وفي الواقع لا نستطيع إلقاء اللوم على طرف واحد بشكل مفرط وإنما اللوم يقع علينا أيضاً في تكريس هذه المفاهيم ببث ما حسن وما خبث من هذه المسلسلات والأفلام دون وعي بالمسؤولية خارج نطاق التسلية والترفيه.

 

الغلبة هنا للأقوى إعلامياً، ولهذا لن يردع الإعلام الفاسد إلا الإعلام المضاد الجيد والممنهج، هم يعملون ويصدرون الأفلام إلى أصقاع العالم ومنها الشرق الأوسط ونحن نأخذها كما هي ونعرضها فرحين من أجل الإثارة والتشويق وغير ذلك من المقاصد، ونحن بذلك قصدنا أم لم نقصد نروج ونساهم في نشر الوعي الخاطي والسم الزعاف والطريق المعوج والمفاهيم المغلوطة عن تلك القضية التي أثارت العالم ولم تقعده حتى الآن.

 

بعضهم يصف أنّ الواقع الظالم عالمياً من الحروب الظالمة وسرقة الأوطان كما في حالة الصهيونية الشريرة والميزان المعوج اقتصادياً أو على الأقل جزء من هذا الواقع هو من الدواعي وراء الإرهاب، وهنا تأتي النتيجة فمهما كان الدافع قويا لا يمكن تبرير الاعتداء غير الشرعي وغيره من أشكال العنف العشوائي أو الممنهج، وعلى الإعلام الجيد في كل الأطراف أن يوضح الأمور على حقيقتها ولا يضلل الشعوب ويسوقها إلى متاهات لا تحمد عقباها على المدى الطويل.

 

يتعاملون مع عالمين وكأن الآخرين أتوا من عالم آخر لا يمت إلى العالم بصلة، وهذه الأفلام تأخذ وجهة نظر واحدة وتتحدث عموماً عن الظاهرة وغالباً لا تأخذ بعين الاعتبار مصدرها وأسسها ومسبباتها الحقيقية.  وهل تكمن المعضلة في التخلف أم الجهل أم انعدام الحيلة في وجه الطغيان والظلم أم السياسات القمعية الظالمة وغيرها، ونعلم أن ما يسبب الخطأ هو خطأ مثله إن لم يكن خطأ أكبر منه. وإن كان السبب واضحاً فإنه لا يعني بالضرورة أن يكون العمل صحيحاً.

 

رغم مشاهدتها هنا وهناك إلماماً دون قصد ودون سابق تحضير إلا أنني سئمت منها وغلى دماغي وتتداخلت أفكاري ورجعت إلى الحالة المتردية التي يعاني منها العالم العربي في هذا المجال حيث أضحى إعلامنا كالببغاء يردد ما يرى ويبث ما ينتجه الآخرون مهما كانت الوجهة ومهما كان القصد وإن كان القصد ممنهجاً أو غير ذلك من الدعاوى الإنتاجية والربحية وأن المشاهد يريد ذلك وأن السوق يروج لهكذا بضاعة فهي في النهاية (بزنس).

 

إنما هي صعقة وراء صعقة وتبييض للوجه الآخر بكل ما أوتي الإعلام من قوة، فهل الأمر متعلق بالعرق  مع التخلف والتبعية وغيرها، إلا أن العزة بالنفس ما زالت قائمة والغلبة في النفس للثقافة التي أنجبت الخير للبشرية رغم متاهاتها الحالية وعجرها وبجرها وتبعيتها الجارفة أحياناً وهمومها العاتية وتخلفها الواضح البين المزعج. لهذا نريد إعلاماً واعياً يعين على فهم الأحداث وليس اللعب بها لصالح الربح المادي والتشويه الإعلامي لصالح شعب دون شعب وثقافة دون ثقافة.