فشل السم في الدسم

PDFطباعةإرسال إلى صديق

التابع والمتبوع ، القوي والضعيف ، إقحام الحلول ، فرض الإرادات ، معركة أزلية لن تنتهي وتتوقف طالما هناك أناس يعمرون الأرض أو يهدمونها ، فالرابح قد يخسر ، والخاسر لايربح، ومداد التاريخ يسجل ما يسجل ويهمّش مايهمّش.
يقحموننا في الحوار خارج دوائرنا وخلف الخطوط الحمراء وتراهم لا يحاورن في وسائلهم إلا في المسلمات لديهم داخل دوائرهم وداخل الخطوط الحمراء التي رسمتها لهم سياستهم وخطها لهم مفكروهم وساستهم ، ونبدأ بالصهاينة هؤلاء الذين أصبحوا على الملأ من مواطني الشرق الأوسط (!) وباتوا يمثلون دولة في عرفنا فوق أنقاض شعب مغتصب الحقوق فهاهم هؤلاء يظهرون على مانعتقد أنه شاشاتنا ونستمع إليهم في حوارات تلفزيونية وإذاعية مع بني جلدتنا يهتفون بآرائهم المنحرفة الهدامة ودعواهم الباطلة في التوسع الديموغرافي الطبيعي (!) ويبتجحون بقتلهم الأبرياء بدعوى الدفاع عن النفس ويتغنون بتوسيع رقعة اغتصابهم للأرض المباركة ، وكأنهم بذلك طرف في معادلة يجب أن ننخرط مع الجوقة ونعزف على أوتارها حتى نعيد النظر بمواقفنا الأساسية القديمة ونعود لنوازن من جديد في نظرة حديثة ومتطورة بين الحق والصواب من جهة وبين الخطأ والجريمة واغتصاب الحقوق من جهة أخرى ، ويتقدم الصف هذه الأيام أيضاً عملاء الامبريالية من الداخل والخارج يهدون لنا وبكل ثقة ما يدعون من الحرية والأمن والعدل والمساواة وهم يبيعون الأفكار بعد تسويقها عبر كل القنوات والترددات الإعلامية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهم في الوقت نفسه غاطسون إلى الأذنين في مصالحهم الإقتصادية وهواجسهم الدينية بما يضفي عليهم صفة الهوس لتحقيق المآرب دون رعاية حقيقية لإنسانية رحيمة أو بشرية من الواجب توجيهها نحو الكمال.
ويأتي من يقول بملء فيه: عليك أن تعرف عدوك لتحذر من بوائقه وعليك أن تتبنى الجيد من الأفكار وتنسخ الرديء منها، وهنا من يعرف تمييز السم من الدسم ويفصل الغث عن السمين ويملك القدرة على تفكييك الحديث والقديم ثم عجنهما معاً بأفكار لا تأتيها الرجعية من أمامها ولا من خلفها؟ وقد أصبح العدو صديق النخب من المجتمع دون دراية من هؤلاء ودون رقيب للعواقب، وطارت الحرية ومعانيها إلى مثلث برمودا لتعود استعماراً وتتشكل في رحم أجوف عاقر، وهذا نتاج محاولات العولمة الفكرية المتسعة الأبواب ونتاج الانفتاح غير المدروس والمنطقة مستهدفة بعقولها وخيراتها ومواقعها عدا عن الخوف منها ومن أفكارها المكنونة التي لم تضمحل، وهي بالمقابل غاطسة في إشكالية لم تعهدها من قبل رغم المصائب والدمار والدول والأحابيل التي مرت عليها، إشكالية النهوض والتغيير والمضي نحو النور وما هو النور! وهي إشكالية الوصول إلى مستوى مقبول من حمل الراية للمضي في ردهات العصر القادم وما نرى من جهل فكري وتطبيقي لا يخوّل المستهدَفين مجملاً بالنهوض من أجل اللحاق بركب الحضارة القادم دون إصلاح منهجي وتغيير جذري في المفهوم والتطبيق وهو مفهوم العصر بشرعة سليمة خصوصية وتطبيق هذا الشرع بأهداف سامية إنسانية خصوصية أيضاً ، فلا أحد يرغب في حضارة بشرية مادية مجردة عن الروح الإنسانية وليست من أجل الرقي بالروح والمادة على حد سواء.
ألا يمكن أن أعرف عدوي إلا من خلال اللقاء معه وتلقيبه بالسيد والمستر وصاحب السعادة، وما هذا الانفتاح الذي يجعل العدو والصديق صنوان لمعدن واحد، لا شك أن الإنسانية هي الإنسانية ولكن هل من الإنسانية أن أجلس مع عدوي وأبجله وأعطيه مساحة من جسمي وتفكيري ليلعب بها كيف يشاء وهو الذي يملك آنياً الإعلام القوي والمعلومات المادية الثاقبة، أو أنحني لمعطيات العصر الحديث لأري العالم أنني منفتح ولا يخيفني أن أركع بين حبائل المستكبرين والمغتصبين، ويبقى الأمر النسبي أن لا غبار على الانفتاح بل هو مطلب ملح لا رجعة عنه من أجل الانطلاق والمواكبة، ويبقى كيف ننفتح وعلى من وإلى أي جهة، وكيف نوفق بين الانفتاح على القادم مع الانفتاح على الذات ومكنوناتها التراكمية الحميدة ومناهجها النظرية الفذة، هذا سؤال مهم! 
وهنا وعلى الرغم من الإشكالية في الانفتاح والتغيير والوصول إلى مفترق طرق عويص التركيب لا بد من الإشارة إلى صحوة الشعوب المستهدفة وإحياء التراث الكامن في ضميرها ومن ثم إلى فشل أهداف التطبيع الكامل وفشل إذابة الهوية وركون الثقافة إلى الهاوية فالخير والصواب لايفتآن أن يصرخا هنا وهناك والأمل يجب ألا يموت من طول السبات وألا يتلاشى مع عرض المدى العتيم، والقنوط يجب ألا يعيش طويلاً كي ينتهي بعيداً عن إيجابيات العولمة الفكرية.