غسل المستقبل

PDFطباعةإرسال إلى صديق

أيحاربون من أجل حريتهم أم من أجل حرية الكرة الأرضية؟! وكيف يحارب الإنسان من أجل حرية الآخر قسرا عن الآخر ويبذل روحه فداء لمن لا يريد له أن يبذلها؟! اعتدلتْ في جلستها وقالت في ثقة متناهية:
"الحرية ليست من دون ثمن، أحد ما يجب أن يدفع ثمن هذه الحرية ويضحي من أجلها، وهو أنا وغيري في القوات العسكرية.. "
هذه المرأة السمراء المجندة في الجيش الأمريكي والتي أضحت أسيرة أثناء الحرب على العراق ثم تم إنقاذها، ظهرت منذ مدة في برنامج (أوبرا) التلفزيوني المشهور في الولايات المتحدة الأمريكية وفي نصف العالم على الأقل. نعم قالت ماقالته عن الحرية وثمنها وإذا بموجة صاخبة من التصفيق العارم تجتاح الصالة وهاهو الشعور القومي الأمريكي يصعد مسرعا إلى العلم ليرفرف معه في الأعالي. إنه غسل المستقبل، هو ذا بدأ من هنا، من قلب هذه الأجيال التي تعير آذانها إلى كل ناعق بالباطل والاستكبار ممن جمّله كي يظهر للعيان كالحق الأبلج فتستمع له وتتّبعه، والأمر ليس جديدا على البشرية مما مر عليها من مستكبرين وحروب وفتن ولكن أجهزة الإعلام الآن التي جعلت من العالم بلدة صغيرة لها الدور المؤثر في معرفة تفاصيل الأشياء بسرعة وتحليل طرق التفكير والولوج إلى عوالم كانت صعبة المنال إن لم تكن مستحيلة.

لقد نجح الإعلام الموجه في تسليط الضوء على أسباب الحرب المراد لها أن تكون في وسط الساحة ومجملها وهذا نجاح ما بعده نجاح في رأيي من الناحية العاطفية بعد زج الجنود في ساحات بعيدة عن الوطن هنا وهناك، والإنسان المسؤول في الولايات المتحدة يقول علينا الآن أن نحمي أولادنا وبناتنا في الحرب وعلينا الآن أيضا أن نضع الأسباب وما أدى إلى الحرب جانبا وهل يعقل أن نترك أبناءنا دون دعم وهم في ساحات المعارك يدافعون عن كرامتنا، لا مناص من دعمهم بكل الوسائل والصلاة لهم بالعودة سالمين بعد أن يدافعوا عن مبدأ نشر الحرية والعدالة في العالم أجمع ، وإلا أين هي القومية وأين هو الانتماء إذاً.

بعضهم يصف الشعب الأمريكي بالمغيّب والمسيّس والمسكين والمغلوب على أمره وأن ليس له من الأمر شيء إلا ما يملى عليه من قبل ساسته لأن السذاجة طافية على الوجوه في الشارع العادي عندما يأتي الأمر على المحك في أوضاع ومسائل السياسة الخارجية الكبرى، وقد يكونون مصيبين في هذا الرأي فترى استطلاعات الرأي تتذبذب بين يوم وآخر وبين حادثة وأخرى وهي لا تقدم ولا تؤخر إلا كظمآن يشرب من ماء البحر، وأضاف الإعلام مصيبة أخرى على هذا المجتمع وهي أن الإعلام من أجل دعوى عدم تعريض الأمن القومي للخطر وتفكيك المجتمع آثر التماشي مع سياسة ووجهة نظر الحكومة قبل وأثناء فترة الحرب على العراق دون النظر إلى العواقب السيئة التي انهالت على سمعة هذه المهنة. ويأتي بعضهم الآخر ليصف هذا الشعب بأنه هو الذي انتخب ممثليه الذين وافقوا بإصرار على الحرب ومولوها فهذا الشعب أيضا هو من يدفع الضرائب وهو بذلك الممول الرئيسي لعمليات السياسة الخارجية الأمريكية من حروب ومن دعم غير محدود للكيان الصهيوني الغاشم، وهم من المصيبين أيضا في هذا الرأي، والمسألة تكمن في شقين اثنين: الأول أن غسل الأدمغة بما له من ذيول وأسس في الماضي فإن غسل الأدمغة الحقيقي بدأ متسارعا دون هوادة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، فقد جاءت هذه الأحداث مسوغا لخطط وأعمال كبيرة على مستوى العالم أجمع والمتفحص يرى بأن هذه الأمور حسب زعم بعض المحللين كانت جاهزة وأن الصدفة جمعت هذه الأحداث مع ما كانت تخطط له الإدارة الأمريكية ومن معها ومن وراءها، وثانيا لم يتم تضييع لحظة واحدة لا على المستوى المحلي الأمريكي ولا على المستوى العالمي في تسويق واستعمال الأفكار من الحروب إلى القوانين والأنظمة الجديدة إلى نظريات الضربات الاستباقية إلى ندوات مجلس الأمن وقراراته المختلفة وغيره وغيره من التداعيات المتسارعة ذات الطابع المتعدد الأوجه والاحتمالات.

إنها حرب على الثقافات والمفاهيم والقيم أعلنها البيت الأبيض وهو ليس خجولا منها بخيرها إن كان فيها ذلك له وبشرِّها المستطير إلى الجميع ، ومنا من هو في دوامة القبول والرفض ، والملفت للنظر هو القبول ، فلو كان القبول مؤقتا وعلى مضض لمصالح أو غير ذلك من الأعذار لكانت المصيبة أخف حملا ، ولو كان القبول قائما على أساس معالجة الأسباب لركن الإنسان هنيهة ونظر ، أما أن يكون القبول مع الموافقة وسبق الإصرار فهذا هو الخسران المبين، وهذه هي ضربة استباقية تجتاح الرافدين أرضا وشعبا. لقد جاؤوا غازين من دون دعوة، وهو احتلال كيفما نظرت إليه ولم يكن الاحتلال إلا ممجوجا ومكروها في أي مكان وفي أي حقبة من الزمن الماضي والحاضر والمستقبل ، ولكن هي تلك الدعاية والإعلام ما جعل بعض المثقفين وغيرهم يذعن للأمر ويحلل البدائل، يقول نظام استبدادي شمولي مقابل نظام حرّ ، وأين هو النظام الحر وما هو الثمن الذي سيتم دفعه من الدماء والكرامة والماديات ليس على المدى القصير فحسب إنما على المدى الطويل والتبعات الأليمة، وقد قيل إن ثمن الحرية غال، وقيل بالمقابل إن ثمن الحرية يدفعه الشعب بإرادته وضميره عندما يكون جاهزا لذلك وهذا لن يحصل إلا إذا اتفقت الظروف إذعانا بالبدء في نيل الحرية.

سمعنا بمصطلح التنمية المستدامة في الحديث عن الاقتصاد وعن الأرض والبيئة، وجاء الآن دور الحرب المستدامة والتي لن ينطفئ أوارها إلا بعد أجيال وأجيال، وكيف تضع الحرب أوزارها والأسباب قائمة والظلم يستفحل والديمقراطية تستأخر والجور على قدم وساق، وعلى الرغم من التبريرات بأن الحرب ضد أهداف محددة ومعينة مسبقا وعلى الرغم من إعلان الطمأنة التامة بأنها لن تطول إلا من اعتدى أو مد يد العون إلى المعتدي بالإرهاب فإن الوضع يبشر بمشأمة تامة على مستوى الكرة الأرضية ومفهوم أن العالم اليوم غير العالم البارحة مفهوم لا غبار عليه، وقد انشغل العالم اليوم بأمور لم تكن تخطر على بال المنظرين والمحلليين فالعواصف الهوجاء تجتاح العالم من كل حدب وصوب وردات الفعل أخذت طابع العنف والعنف المضاد بسرعة متناهية انعكاسا لما يسمى بعصر السرعة ولم يعد لمنظر القتل والترويع وقع فائض ومؤثر على النفس البشرية فقد استمرأت العين المناظر الوحشية والقتل والجثث والدم حتى ليدير الإنسان من قناة إخبارية إلى أخرى وهو يتابع مناظر الدم البشري في أماكن شتى من العالم والجثث تتناثر والأشلاء تتبعثر ثم يجلس إلى طاولة عشائه يتنعم بما لذ وطاب دون اشمئزاز .

وقد انقسمت الأرض إلى شطرين ، شطر يعرف ما يريد وهو الطرف الأرعن ومن والاه وهو الذي يؤجج نار الفتنة بالظلم ويذكي حبال العنف وهو في الوقت نفسه يدّعي الذود عن مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية، تلك المصالح التي ليس لها حدود وذلك ادعاء أيضا من أجل الأمن القومي تارة والاستمرار في النماء والتقدم والازدهار تارة أخرى أو من أجل الاثنين معا، وكلاهما على حساب ما يسمى بالشعوب النامية، وهناك الشطر الثاني والذي لا يدري أين يبدأ وأين سينتهي به المطاف وهو المتمثل بالمتلقي الذي وجد نفسه داخل الحلبة لا يعي من أين تأتيه اللكمات فلبد للواقع وخنس لما يدور وأخذ يداري نفسه اتقاء استفحال الرياح وهبوب العواصف من المحيط وماخلفه.

وفكرة السيطرة على العالم ليست جديدة لا في العالم ولا في الولايات المتحدة خصوصا فمن الحرب العالمية الأولى إلى الثانية ثم إلى أحادية القطبية لم تنته الأفكار وإنما هي في استفحال لم يسبق له مثيل بما يتماشى مع فكرة السيطرة على الطاقة وهي العصب المحرك للتقنية ومكامن الاستعلاء ، وأضيف على ذلك الأفلام السينمائية وأفكار الخيال العلمي ، ولم يسلم من الأمر أفلام الرسوم المتحركة بما نسميه أفلام الكرتون من فكرة السيطرة على العالم بالاعتماد إما على مصادر الطاقة أو القوة العسكرية أو غيرها من اختراعات الخيال العلمي المصاحبة لها، ونرى أنه لم ينجح أحد في السيطرة على العالم في أي فيلم كرتون ، ومن السخرية بمكان أن كل الأفكار تقوم على أن الأشرار والسيئون هم الذين يريدون السيطرة على العالم ولا أحد من هؤلاء يملك شكلا جميلا أو أخلاقا قويمة حسب الأعراف المتعارف عليها في كل أنحاء المعمورة، وترى بعضهم ينجح نجاحا جزئيا ثم يتقهقر ويندحر لتعود الأمور إلى نصابها الطبيعي، وهذا برأيي إسقاط ذو معنى عميق في نهج البشرية وسنة الحياة ودفع الناس بعضهم ببعض، ولا يوجد أحد ممن فيه عقل سديد ويدري قسطا حكيما من سنن الحياة يريد السيطرة على العالم ، فمن العقل والتعقل إقامة علاقات مصالح وليس علاقات سيطرة واحتلال لأنها إن تمت فلا تدوم وتراها تزول باسرع مما قامت عليه، وهنا يبرز سؤال شديد اللهجة والتأثير وهو من يدفع الثمن وممّ ؟!

لولا المقاومة لاستبيحت الأرض أكثر وأكثر ، وهناك من يؤكد أن قتل المدنيين خطأ لا مبرر له فهو بالإضافة إلى هذا لا يجدي نفعا ولا يحقق مأربا سليما بل يؤجج النار ويرمي بشظاياها على الجميع، فيؤكد آخرون ويقولون: ولكن..  . وهل تبرر (ولكن) كل هذا أم أن هذه النتيجة يعتبرها بعض المحللين طبيعية وردة فعل طال أمدها فكان لا بد من انفجار من نوع ما من أجل كبح جماح العجرفة والتسلط والاستكبار دون حدود ؟  والظلم لا يولّد إلى ردات فعل مختلفة باختلاف الظروف واختلاف طبيعة وأسس المتلقي لهذا الظلم وقد جاءت نظرية شد الخيوط للتفاعل الشديد من جديد مع واقع مفروض وأمر انعكس على سياسات الدول جميعا ، ومنهم من يقول أنه كان لا بد من خيوط جديدة معاكسة للاستكبار ومواجهة للظلم والتسيير القسري لبعض الشعوب بعد انتهاء الحرب الباردة، وقد ظهر للعيان قطبان وهما الاستكبار والمصالح الكبرى باتجاهاتها الحكومية والرسمية من جهة والسواد من الشعوب بما فيها النخب المثقفة من جهة أخرى، وبعض هذه الجهة الأخيرة تحوَّل إلى العنف الممجوج والمغلوط أغلب الأحيان بطرق استحدثتها الظروف والأكثرية استمرت على اعتقادها بوجود الظلم وانتقاداتها بالطرق الأخرى والتي لم يوضع الغطاء فوقها بشكل كامل حتى الآن، ومن يدري بما ستتفتق عنه الأمور في القريب بما تمليه التحولات السريعة والأحداث المتراكبة المتراكمة. وقد يقول قائل بالمقابل أن هذه هي الحرب الساخنة ليس لأنها على عكس الأولى الباردة بل لأنها ساخنة بتسارعها واحتكاكاتها ودهاليزها وتبعاتها المتلاحقة.