عصر (الطمسة)

PDFطباعةإرسال إلى صديق

ماذا حل بنا في هذه الحقبة فبعد النكبة جاءت النكسة ثم الاستنزاف ثم الاستسلام...ثم... ثم ماذا ؟! لذا وجب علينا الآن أن نفكر في وضع مسمى كي يكون مرجعا تاريخيا للأجيال التالية هذا إن كنا نؤمن أنه سيأتي بعدنا أجيال أخرى تحمل اللواء وترجع إلى الأصل في الثقافة أي المبادئ الحرة قريبا كان أم بعيدا، وخطرت على بالي في هذا الشأن مسميات واحدة تلو الأخرى وكلما جاءت واحدة تلتها أختها لتطغى عليها وتعيد الأولى إلى الوراء، ثم لم أستطع أن أستوفي الموضوع حقه في ذهني فلم تستطع الذاكرة أن تقلع من جديد وتخرج من قاموسها ما تبقى من كلمات في اللغة كي تشرح هذه الحقبة في لفظة واحدة، وهاهي بعض تلك المسميات، فقد خطر على بالي أول ما خطر:

- (الكبسة) حيث كُبسنا وعُصرنا وليتنا كنا من المطاط المعالج صناعيا لنعود إلى أصولنا، ثم تحرّجتُ من المسمى لأني أظن أنني تملّكني الجوع عند التفكير ولا رأي لجائع وأيضا لأن الكبسة أكلة مشهورة وخفت أن تغلبنا غريزة النهم إلى الطعام فننسى القضية وننام بعد الظهر في قيلولة لا نصحو منها إلا بلغة أخرى وجلد مغاير.

ثم جاهدت نفسي بعد وجبة واستراحة وفكرت إلى أن جاءت:

- (العفسة) فقد أعجبتني في البداية ولكنها لا تتماشى مع المنظور من القضايا في المستقبل، أي يجب تقليل العار والخزي فالأمر في المسمى ما زال في أيدينا، ولا تتماهى مع ما قد نريد وأين نخفي وجوهنا من الأجيال، وهل سيرون وجوهنا إلا في الصور؟!

ورأيت خبرا في قناة الجزيرة عن سيارة مفخخة دهست أحد المشاة وتم القبض على سائقها عن طريق الصدفة فتداولت الأمر مع نفسي وجاءت فكرة:

- (الدهسة) نعم لماذا لا نسمي هذا العصر بعصر الدهسة بلا منازع، وسيمضي الدهر بهذا المسمى وله دلالاته القوية، وهنا يأتي سؤال: يمكن أن يتم عن طريق الخطأ تحويل المصطلح إلى عصر الدهشة وهذا لا يتماشى مع الواقع فلا دهشة في الأمر وإنما جاءت هذه الذلة والمسكنة وحل هذا الهنو والعنو بشكل طبيعي من جراء التخاذل والسكوت عن المعتدي والتحالف مع الأجنبي والخوف من البطش الاستعلائي و...

... وهكذا تركت الأمر يومين كاملين بعدها لمعت في ذهني:

- (السلتة) وها أنا أعود إلى الأكل مرة أخرى، فهل هناك دلالة واضحة على ذلك؟! والسلتة كلمة عامية في بعض الأماكن من الوطن المعهود وهي تدل على اجتماع النفر من البشر على الأكل وهي كناية على أنه هناك أكل دسم في الموضوع، راقت لي التسمية في البداية حيث اقتسمنا القريب والغريب، ثم واربت عنها فالدسم لا ينفع كثيره في الهضم ولا في الشرايين القلبية وهو مصيبة على الكبد ....

وهاهي فكرة أخرى تأتي على أحر من الجمر:

- (الطمثة) وبسرعة أحجم عقلي عن التفكير وأصابني انتكاس هرموني، فهي أكثر من محرجة في وقت كهذا ولا تنفع إلا في فساد الأمور ، وهل يا ترى نرى فسادا في أي مكان؟! وعموما فالأجيال لن تخرج منها وخصوصا من هم في سن المراهقة وهم متوالون دائما.

ثم تنفست الصعداء ورأيت مما رأيت أن حمارا نفق وتحول إلى أشلاء من قذيفة دبابة إسرائيلية عن طريق الخطأ فقد كان المقصود هو مجموعة من الأطفال  الأبرياء يلعبون وهم في زيهم المدرسي، ولم يقدر الحمار على إرسال رفسة حتى ولو في الهواء:

- (الرفسة) يكمن أن تكون قوية لحد الموت أو ضعيفة يمكن أن يشفى منها المرء فهي مطاطة وقابلة للنقض وفي نفس الوقت لا تعبر عن قضية عظمى حتى ولو ذبلت وخبت ردود أفعال الصديق والعدو.

وبما أننا واجهنا ووجهنا بسديم من الكسل وجدار من البلادة ولم نعد نرى أمامنا حتى أوضح الأشياء من جراء غشاوة محيطية سميكة فقد خطر على بالي:

- (الطلسة)  من طلس الشيء أي محاه، وفيها تشاؤم ما بعده تشاؤم ، معاذ الله أن نكون من الممحيين، أعني يمكن أن تكون لغيرنا ممن يأتي منا عودة، وأعني أيضا متسائلا: أليس من الواجب أن نضع للتفاؤل مكانا في هذه الحياة رغم مساحات الليل وأروقة الظلمة!

وفي المساء هاهي فكرة جديدة تلوح من بين البروق وإشعاعات النجوم في الأفق قبل أن يداهمني النعاس ويدرسني الوقت إلى النوم:

- (الدرسة) من درس أي عفا وأخلق يعني بالمفضوح ذهب مع الريح وليس منه فائدة، وهو على عكس ما نريد فكيف نبقي ونذر على الذكرى من أجل الأجيال القادمة ؟!

وهنا وضعت قلمي وسرحت في الدنيا فلا طائل من هذا التعب ومن التفكير في هذا الأمر من جديد فقد أعياني التفكير وتركت الزمان كي يحل هذه المسألة، وشعرت بأنه طُمس على قلبي وتفكيري ففوجئت بالفكرة البارقة الحادة وهي:

- (الطمسة) نعم أووه (الطمسة) من طمس أي محا وغير وبدل وهذه أقرب إلى ما نريد من حيث لا نريد ، وفي الحقيقة يمكن تفنيدها وضحدها ولكن بصعوبة أكثر من غيرها فالمسألة هي أن لا يخرج المرء من (الطمسة) إلا وهو مبلل أو متسخ وقد لا يعود كما كان تماما بل يحتاج إلى ترقيع وعمل مجد طويل للارتفاع من جديد إلى مكان يليق به، وفيها أيضا تفاؤل وتشاؤم بنسب متفاوتة تعتمد على من سيقرؤها وفي أي اتجاه هو منها في الحياة القادمة، ولندع الكلمة تتحدث عن نفسها في القادم من الحياة من نواحي متعددة منها سياسة وفلسفية وعلم اجتماع واقتصاد ونواحي نفسية وزراعة وري وتجارة وصحة عامة وجغرافيا وتاريخ  وتقنية وهندسة، وغيرها...  ودعونا نرى قسطا مما قد يكون أو لا نرغب أن يكون:
- إنه عصر الطمسة ذلك العصر الذي امتد لسنوات لا يعرف عن حقيقتها أحد شيئا فقد عمدت الهيئات الكبرى على طمس معالم عصر الطمسة وأفادتنا بتفاصيل لا يمكن أن تكون معقولة مما يستوجب تعيين عمل هيئات مستقلة تندفع من الحس القومياتاتي وتعمل على استئجار خبراء مرتزقة ممن لهم باع طويل في الفراسة والقيافة وعلم الاستخبارات التاريخية.
- عصر الطمسة لم يكن من العصور السيئة فقد كان السبب الرئيسي والدافع الممهد للسيطرة على المنطقة من قبل قوة تستطيع أن تحميها من كيد الكائدين من الخارج، وبالتعاون بين جميع الهيئات الزراعية تم كشف الصفقات المتعلقة بالحبوب المعدلة وراثيا خارج الحدود الصحية وقد تم رفع التقرير للهيئة العامة في تل أبيب وأصدرت قرارات صارمة بحق المستفيدين من هذه العقود في كل العواصم التابعة لها، وهذا من حرص الهيئة العامة على صحة الأفراد في كل المنطقة والذين يعملون ليل نهار في الإنتاج لصالح الجميع ولصالح مؤشرات المنطقة الاقتصادية وتمويل محطة المستقبل بقيادة راؤول مشوار ...
- تلك هي حقبة الطمسة حيث استكانت الأمة إلى أعدائها ومجدتهم رغم الدمار الذي ألحقته بهم والفيروسات الحسية والسلوكية التي أنتجتها معاهدهم الاستراتيجية والنتائج تجدونها في كتابي الآخر بعد المائة وعنوانه: دواء السبيل على داء المستبيل.
- ... ومن ضمن البرامج التي تحدث عنها (أخينا) البروفيسور في إحدى ضواحي تل أبيب برنامج توزيع الأقنعة الواقية ضد غزو خارجي، وقد تم تغطية المنطقة من المحيط إلى الخليج بمراكز لا تبعد أكثر من مئتي كليو متر عن كافة التجمعات السكانية الرئيسية، والحوامات جاهزة للتوزيع بالإشارة من المركز الرئيسي في تل أبيب ...
- تلك مرحلة الطمسة عندما خال البشر في المنطقة أن لا طائل من الحياة فالأمور تجري إلى الهاوية وإلى الانتهاء في تلابيب الزمن، وها نحن نرى كيف نضج الجيل ووعى أن اللحاق بالحياة يحتاج إلى عمل مع جميع الأعداء من دون استثناء ومعه علم تدعمه نظريات الحرية المطلقة والبعيدة عن تقوقعنا الفكري المتحجر في صخور الماضي...
- ونذكر أيام الطمسة عندما كان الإنسان يتكلم في واد والأمور تجري رسميا في واد آخر بل في كوكب آخر، وإني أعرف أن لا أحد يسمعني فأنا أتكلم من تحت الأرض من دون حياة، فلولا أن رأيت اليوم مارأيت لما خرجت إليكم بشعري الطويل الأشعث وأظافري التي تصل إلى مترين لأقول لكم أف لكم من جيل لا يحضر جنازة أبيه ولا يدفع السوء عن جاره وأخيه ولا يتمضمض للوضوء ولا يحمل حسا إلا للوجود ولا ... ولا ... آه لقد خارت قواي وتقلمت أظافري..
- وقد مر زمن على عصر الطمسة ، فمن يستفيد من التارخ يجد الدروس ماثلة أمامه، وعصر الطمسة هذا وقتما طمست الأمة وركعت تستجدي شفقة جلاديها المتمثلين بالعالم الظالم ونظامه الجائر، فمن هو المظلوم ومن هو الظالم، وكيف نصفهم بالمظلومين وهم ما أرهب النفس فيهم إلا أنفسهم،  سؤال نطرحه على جون ميكفيللي في سفينة كونترول إثنان وتسعون وهو خبير الأجنة وتحركاتها النفسية في الأرحام العربية التي أدت إلى هذا الجيل.....
- تلك هي الطمسة التي أنتجت هذه الحضارة العظيمة والإنجازات في هذه المنطقة، هي التي مع امتدادها أعطت شرارة البداية ولولاها لما اتحدت الجهود العالمية بالنهوض فينا، وإننا نشيد بهذه التضحيات الكبيرة....(!)
- وما هي إلا سنوات حتى استنهضت الأمة بأطيافها الحرة الأبية للظلم الأجيال للخروج من عصر الطمسة وقتها بدأت .....
- من على هذه المنصة أقول: هذا الجسر العظيم تم التخطيط له في تل أبيب أيام الطمسة وبذلك لم تكن كل القضايا في حالة سيئة فها نحن نرى منجزا عظيما بدأت بذوره في أواخر عصر الطمسة.
- ..... فقد استشرى عصر الطمسة بالعباد وتداخل أوله بآخره في إنتاج النظريات الفكرية الجديدة يوما بعد يوم حتى لتستطيع أن تعد الخمسين في جلسة واحدة... 
- .... يوم تقسمت البلاد وباءت الجهود في توحيد مواقفها فقط مواقفها بالفشل ونامت عيون البلادة في جحور العباد وطغى الخوف على النفوس..إنه عصر الطمسة ذلك العصر الذي تأبى النفوس إلا أن تطرده من سجلات التاريخ وذاكرته ولكن دون جدوى...
- في أواخر عصر الطمسة لم تعد المياه كافية لسقيا البشر في أماكن عدة من الوطن ولم يسعف الأخ أخيه فهاجت الناس وتفشت الثورات المحلية هنا وهناك ودفع الناس منهم ضحايا إلى أن جاء الفرج، فقد تم وبأسعار معقولة جدا سحب مياه التحلية من المعامل الضخمة التي أقامتها الشقيقة إسرائيل (كانت تسمى في الفضائيات قديما فلسطين) إلى جميع أنحاء ...
- .... أيام الهاتف الجوال تلك الحقبة من التاريخ حيث كادت أن تتحول في عصر الطمسة إلى ظاهرة غريبة وفكّر بعض الباحثين في الهندسة الوراثية من أصول عربية بتدشين أول مشروع في إدخال وضع الجوال في الشفرة الوراثية للإنسان من أجل ....

مع التحية للحاضرين في عصر الطمسة ومع الأسف فلن يسألكم أحد عن هذا العصر وإن تم سؤالكم فلن تستطيعوا الإجابة لأنكم ستكونون في (خبر كان) أو في (بطن نيس) أو داخلين في (أم المهالك) أو خارجين من ظروف أكبر بكثير جدا من قاهرة أوغيرها من العواصم.