صحن لا قط 3 أمتار للبيع

PDFطباعةإرسال إلى صديق

نزل الظلام على الأوجاع، أوجاع العمل، يد تتنقل بين الفأرة وبين مفاتيح الكمبيوتر ويد فيها قلم يسجل معلومات تملى عليّ من سماعة الهاتف الثابتة، تقديم العروض غدا وليس لدي وقت كي أحك رأسي بيدي، وهذا دماغي يرسل إشارات لتثبيط مواطن الحكة كي أركز على المعلومات، انتهت المكالمة واستطردت بجهاز الكمبيوتر، جاءت إشارة رسالة إلكترونية، دون شعور مني فتحتها ولو فكرت بالأمر لما فتحتها لأنني مشغول جدا، وهذه هي علة الرسائل الالكترونية لا  تستطيع ردها ويصيبك فضول قاتل لفتحها مع أن أكثرها على الإطلاق لا يسمنك ولا يقدمك قيد أنملة، ولطالما فتحتها فدعوني أقرأ ما فيها، ها هي دعاية تقول بالخط الواضح العريض: (صحن لا  قط 3 أمتار للبيع). لم أملك نفسي فقد توقفت عن العمل مليا وراح عقلي يتوه في أفكار الدعاية، أنا جائع وهذا هو الصحن يأتي أمامي، هل هو صحن خضروات مسلوقة أم فيه من اللحوم والشحوم ما يكفيني ليوم وليلة فأنا لم آكل منذ الصباح وهذه العروض الثقيلة لن تكون جاهزة قبل الصباح التالي، سآكل الوجبة الدسمة فليس لدي وقت لوجبة قادمة في الوقت القريب، ثم وقع نظري على لا قط، كيف تقول الدعاية لا قط وقد مرت قطة صغيرة طولها أقل من 3 أمتار بقرب النافذة خارج المكتب منذ قليل، هذا الإعلان مخطئ بقوله لا قط، ثم خطر ببالي لا قط كلمة واحدة فلماذا يترك الإعلان فراغا زائدا بين الألف والقاف، فعرفت أن الإعلان يقصد لاقط وهو أي هذا الصحن يلتقط الأشياء ليقدمها لنا، وهل يأتي الطعام مع ذبذبات الهواء ليلتقطه الصحن؟! هل هي تكنولوجيا جديدة؟! ثم عرجت على 3 أمتار بعد أن عرفت أن اللا قط هي لاقط من الالتقاط، فهذا الصحن يلتقط ثلاثة أمتار ثم يعرضها للبيع، لماذا 3 أمتار فقط ولماذا للبيع وليس للشراء! فأنا لست بائعا، ولماذا أحصل عليه حتى يؤرقني كل يوم ويقول لي قم لتبيع على الأقل مترا واحدا كل صباح حتى ألتقط غيره، وأنا مشغول جدا ولا وقت لدي لأضيعه في هذه المهاترات والمغالطات مع صحن لا أعرف له أصلا ولا هدفا محددا، ثم وقبل أن أغلق نافذة الإعلان قرأت الجملة كلها جملة لا تفصيلا، وعرفت أن هذا هو صحن لا  قطَّ فيه وهو لاقط وفيه 3 أمتار طولية أو مكورة وهو للبيع وليس للشراء، ثم احترت في أمري فكيف أستعمله للبيع وأنا لا أبيع شيئا إلا هذه العروض التي أحضّرها منذ يومين؟! ألا يمكن أن نشتري به؟ تركت الحيرة فقد حان وقت أذان العشاء وادلهم الليل في الخارج بحق وأنا لم أغادر مكتبي، لكن عقلي الباطن لم ينته من أمر اللغة وتلابيبها واستخداماتها، نقرتُ على الفأرة نقرة واحدة خفيفة لكي أغلق الإعلان والشاشة بأكملها فصرختْ الفأرة ثم هربت مسرعة وهي تقول: جاء القط جاء القط. ضحكتُ وقلت لها ارجعي إنه ليس قطّاً بل هو صحن لاقط ولا  قطَّ فيه لا تخافي.