سلام.. وعادل.. وشامل

PDFطباعةإرسال إلى صديق

هذا هو البيان الختامي لسهرة الأصدقاء سلام وعادل وشامل بعدما شربوا الشراب الكثير وأكلوا الطعام الوفير ثم استاءوا من الحياة وسئموا من الدنيا فقرروا  اعتزال الحياة الاجتماعية والسياسية والاستقالة من تحت الأضواء الانتهازية فلم يأبه بهم أحد ولم يعطهم الناس اهتماما لا في ضوء النهار ولا تحت جنح الظلام في أروقة الإعلام، الجميع باتوا في غفلة شعارات الأمل القادم والخيار الاستراتيجي الملح وتحت وشاح الحلم الكاذب في وضح النهار التالي. وهذا هو نص البيان :
( إننا إذ نعلن استياءنا من الأوضاع العامة والخاصة والاستعمال المتكرر المفرط لأسمائنا من غير مسؤولية تاريخية وحيث نشعر مرة تلو مرة بفقدان كياننا العظيم ومعانينا السامية في هذه اللغة على وجه الأرض بين البشر الغافلين منهم والنشيطين ، المتشددين منهم والمتفككين ، المجتمعين منهم والمتفرقين الشاردين ،  البالين منهم والمتماسكين ، الكسولين منهم والمتكاسلين ، الراضين منهم والرافضين ، اللاهين منهم والنائمين ، لا يسعنا إلا أن نطلب بحزم وإصرار منحنا راحة من الاستعمال المفرط لمعانينا وأسمائنا لكي نرد إلى أنفسنا الكيان المختفي بين الضمائر المنفصلة عن الواقع والقلوب النابضة بالآلام المزمنة والأفكار المستترة في العقول المزبدة ، ونعيد إلى الأذهان الفتية الصاعدة والأذهان المتمرسة الواعدة المعنى الحقيقي لأسمائنا ونستقبل الأيام بالغبطة النفسية والراحة الجسدية بفعل التفكير في الخيارات المطروحة والقنوات المفتوحة ليس من منهج ضعف وأمر واقع بل من منهج حزم وقوة واعتزاز بالنفس وإصرار على شق طريق حر قليل الشوائب واضح المعالم نفخر به أمام أبنائنا وأحفادنا ولا نخذل أنفسنا ونخذلهم في بطولات مرسومة مزيفة بالدعايات ومنمقة بالادعاءات وبنفيس الكلام المجرد من القوى الحقيقية والمعرى من درر الأفعال السامية ، تعود علينا بالخسران المبين فوق الكرة الأرضية وأمام الله الرحمن الرحيم شديد العقاب. وإذ نرفع إرادتنا هذه إلى كل غيور على تلكم اللغة ومعاني الأسماء وإلى كل روح ترغب في الانطلاق والإطلاق والقضاء على الإرهاب الحقيقي وكل محب لتلك المعاني النفيسة والدرر المجيدة من أن تضمحل وتختفي في خداع النفس وانتقاص الضمير واختفاء المستقبل العزيز أمام تيارات الخذلان والتبعية والوئام المزيف) .
وقبل تحرير وتوقيع هذا البيان الختامي وقبل احتلال الكرى أجفان العيون السابحة في الرؤية العكرة وبين الكؤوس الفارغة من الإصرار والصحون السائبة على درجات الحلول المنتظرة في الربع الأخير من القرن العشرين أو الهزيع الأخير من الليل انطلق الحديث دفاقا لا يعرف له حدودا أو وصاية أو تبعية من أفواه الكلمات : سلام وعادل وشامل.
قال سلام ورأسه يلامس الوسادة المحشوة بالقش القاسي: ألم ينفذ حبر المطابع بعد؟‍! لقد مللت من الاستعمال المبتذل وتعبت من سوء استعمال معناي ، وأريد الراحة من هذه المهزلة.
نظر عادل إلى سلام المستلقي على فراش من القش المستورد ثم إلى شامل الجالس على أريكة من الوهم المحلي ورأسه متجه نحو السقف المنقوش بالأفكار الميتة والآراء المميتة في العقول الهامدة ، ثم قال: لقد أصاب رأسي الألم الشديد عند العين كلما دقت الآلة الكاتبة اسمي وكلما طبعته آلة طابعة أو نسخته آلة ناسخة على الأوراق خلفك يا سلام ، المشكلة أنك لا تعيش ولا تكسب معنى إذا لم أتبعك مباشرة دون مقدمات ومعنى ذلك أن التاريخ لا يستطيع تسجيل خذلان البشر في دواوينه ولا تبعية القادة في سجلاته.
سلام: أنتما لكما الرحمة أما أنا ففي مقدمة القضية وصلبها ولا تصلحان بدوني فأنا الوحيد الذي يأخذ اللكمات العنيفة في كل مقال وكتاب على الرغم من المراوغة والخداع واسمي الرنان، وهل يكون لي الشرف بأن أكون الخيار الاستراتيجي القسري والحفاظ الدائم على أمن العدو من مكائد الصديق التي قد تغزو كل نفس نائمة وكل روح جاثمة.
شامل: ما لكما والضجة ، أنتما الاثنان أساس القضية العويصة والقصة المقصوصة من التاريخ والسياسة ولكما شأن عظيم فليس بينكما واو العطف أما أنا ففي المؤخرة بعد واو العطف، لا يصلني من الحبر إلا القليل مع أنني أدعي الشمولية والكلية ، جفت رئتاي وتجعدت ضلوعي من شح السوائل السوداء مع أنها تغطي الرؤية العربية من كل الجوانب وتتطبع بها في كل حين مرة على سجلات الزمن الذي لا يقف من أجل أحد من البشر.
سلام: في الواقع لم يعد يهمني الزمان وما يجري فيه من وقائع، أريد الاستقالة.. هيا يا شامل أعد البيان ودعنا ننتهي من هذا الأمر، أما عن المعنى المقصود من ورائي فلا أريد التعقيب على من أتى بي إلى هذا الوجود اليوم بهذا الأسلوب الرخيص والناقص، كل طرف يرعاني ، من له ومن ليس له في الأمر، أصبحنا مهزلة الأيام وممسحة الأوهام ، كل ما هنالك أنني أرغب في النوم على هذا القش القاسي المستورد وهذه الوسادة الخشنة البالية من كثرة طعنات السهام الصديقة والعراك المكنون والصراع المفضوح بين الأصدقاء ، المحادثات بشأني تقلقني والجولات الآتية كثيرة وكثيرة وسأبقى راحلا من بلد لآخر عبر الذبذبات الضوئية والصوتية والصحف والأجهزة المدنية والعسكرية وإلى ما هنالك من وسائل عالية التقنية، لو أنني أرى فائدة لأقحمت نفسي وقبلت بالعذاب ولكن المهزلة تكبر وتتسع إلى أن يصدقها كل من يسمعها وتصبح الأمل المنشود والحلم المحمود في كل القلوب والعقول للجيل الذي سئم البلادة ، لا أحد يأبه لهمومي الحقيقية وأنت يا عادل ستمحو الأيام آثارك وظلال معانيك الجميلة وستنجح الأفكار بالتسلل غلى همومك لتخرجها من بوتقة التفاعل إلى ساحة الأفعال وحصد النتائج المخزية.
عادل: أنت التشاؤم بعينه، ومن قال إنني أرضى بهذا، إما الاستقالة أو أخذ ضمانات على البشر من الأصدقاء بأن يعملوا بعزم وجدية وإصرار على إعادة آثاري الحقيقية والحفاظ عليها طافية على السطح بغير خذلان أو ضعف، وإن لم يعمل الأصدقاء على إنصاف مفهومي فسأندم على قبولي الدعوة في بادئ الأمر، أضحى مفهومي مزيفا وهو ينتقل عبر الدنيا على أجنحة الصواريخ الكروزية وفي مكونات القنابل الذكية وعروض البارجات القديمة والفتية وأشرعة البنوك النيويوركية والطوكيوية، هناك الكثير من الأسماء للدلالة على قضيتهم.
سلام: ما القصد من كلامك؟
عادل: هناك رؤوف وحنان وسعيد وظريف وجميل ووديع ورائع، ما معنى عادل!؟ لقد فقدت معناي من التكرار وسوء الاستعمال… عادل عادل عادل ، ما القصة! أرى تنبؤاتك يا سلام مصيبة أو أنها تنم عن مصيبة لأنك إذا تمعنت بالحقائق والمدلولات المكنونة تحت طيات مجلس الأمن فلا تقدر أن تبشر الأصدقاء بالخير أو السعادة المنشودة في ظلال السوق المفتوحة والبنوك المطروحة والاستثمارات المشروحة وسوء الأخلاق الممنوحة، وكل ذلك تحت شعارات مبنية على التبعية والخذلان والتحزبات في مستقبل غير مهيء لاستقبال الهنو والخنوع الجديد في سلاسل السجن القديم.
شامل: أنا على الهامش كما أخبرتكما، ومع ذلك فسأستنكر، إما أن أتقدم عليكما مثلا ، شامل وسلام عادل، أو يعفونني من تلك المهمة القذرة التي أرقت الناس دون انفراج، أين المحسوبيات والواسطة الأمريكية، لا تظهر إلا عندما تريد وبالشكل الذي تراه مناسبا لمصالحها في ردهات الفيتو والجولات المكوكية الكاذبة والابتعاث الرسمي في ثياب غير رسمية والتكتلات الوهمية والمعادية للأصدقاء على مرأى ومسمع من الأصدقاء والأعداء، وما هذا التوازن الذي يتكلمون عنه إلا ميزان ذو كفة واحدة عليها نجمة سداسية وصاروخ أولبراتي موجه إلى أخشاب نعش طريق الأصدقاء المموه بالأساطير القديمة.
عادل: ما هذا المنطق؟
شامل: أمنطقك أفضل؟!
سلام: المنطق هو إما إخلاء سبيلنا لنذهب إلى المذهب الذي نختاره ويعودوا إلى الصراع المسلح والسباق العسكري غير المتوازن حيث نستقيل ونغفو في هدنة حقيقية أو أنهم ينتهوا من القضية ونحن نذهب في التاريخ فرحين مهللين على حساب القضية والدعوات إلى الاقتصاد الحر مع العدو والزاهر في دعواه تحت شعاراتنا الرنانة الخلبية تجري على كل لسان وفي كل ضمير مطمور وفي كل محفل من محافل الإعلام المسير لاقتحام العقل المحير.
عادل: لا  ، من الضروري أن نتخذ موقفا ولو ضمنيا كما فعل السواد، علينا أن لا نقبل الهزيمة قبل جولات مريرة وقاسية من النزال ثم يكون بعدها الهنو والعنو حتى نئن من وطأة الحمل وننتهي إلى العدم…
شامل: أو السيادة !!
سلام: أي موقف وأي سيادة! ليس لنا بالعير ولا بالنفير، أتحسب نفسك شخصا حقيقيا لتعبر عن آرائك أمام الجماهير المهزومة والمنكفئة على نفسها في هجوع لم يسبق له مثيل حتى في أيام هولاكو؟! من أنت ليستمع إليك البشر والقادة صانعو مواد القرارات وجاعلو خيوط حبكة الحكايات؟ ما أنت إلا كلمة سوداء تبدأ بالعين التي لا ترى أمامها الأسلحة النووية في قلب صحراء النقب، وتشكو من قلة السوائل المذيبة لقرارات الإذعان للأقوى وكثرة الاستعمال الزائف عبر أجهزة الإعلام الخامل بالحقائق مثل شامل ، وتنتهي باللام المنكفئة على نفسها لا تمتد لتكشف الحقيقة في جنوب ما يسمى دولة إسرائيل المعتدية ولا ترسل الثلوج البيضاء لتوقظ سواد الناس من غفلتهم. ألا تخشى أن يجعلوك كلمة شفافة الحروف مثل قنديل البحر ، عديمة المعنى مثل قرارات الأمم المتحدة على الشرور ، فقيرة الإحساس مثل الجيل الناشئ ، تدق ولا ترى ويذهب صوتك مختفيا بين ازدحام الآراء المتخبطة في النفس العربية والضمير الغائب في السبات القاتل وبين هروب الزمان ليقف على حافة الشرق الأوسط منتظرا أجيالا جديدة توقن أن الروح والأرض توأمان ونوعان لشيء واحد لا يختلف عليه اثنان من البشر أو اثنتان من الكلمات الحرة الأبية، لا أدري كيف بقينا صامدين كل هذه المدة .. الضمائر المنفصلة عن الوعي ومثلها الضمائر المتصلة بالخذلان لم تصمد مثلنا فاهتزت وتزعزعت ، ثم راحت في سبات عميق.
شامل: كفى عنادا ومراء ، علينا تحقيق السلام بيننا نحن الأصدقاء، هذا أقل ما يمكن عمله في هذه الظروف القاسية وهذا التعنت الكبير وذلك التشتت البغيض حتى بين المرء ونفسه من يوم ليوم. أفلا نحقق سلاما بيننا .
سلام:  منذ متى كنا أصدقاء ، وبالمناسبة لا تذكرني على لسانك بعد اليوم، ضقت بك ذرعا.
شامل: سلاما عادلا.
عادل: اخرس ، لا حييت ولا سلمت.
سلام: أحذرك يا شامل، سأجعلهم يطبعونك بعد العديد من واوات العطف على الشعب المدلل ولاءات الدول العظمى ضد الشعب المقهور، ويتم استعمالك بقليل من الحبر ويضمحل معناك من المحافل العالمية مثل فلسطين إذا لم ينتشلها أحد ، وهذا أسوأ ما يحصل لك طول حياتك.
شامل: سامحك الله الذي يرى كل شيء، لم أقصد الإساءة.
سلام: ماذا قصدت؟!
شامل: قصدت وفاقا عادلا بيننا…
سلام: هذا جد مضحك!..
عادل: ليس مضحكا ، تراجع يا شامل.
شامل: وفاق ذو .. ماذا.. لقد ربطتما لساني ولجمتما حصاني.. لماذا ترغمانني على خط معين دون غيره وكأنني أكتب عنوانا في صحيفة أو مقالا في مجلة .. هذا ظلم ولا يرضى به أحد من الجماهير الفائرة بالأفكار الجامدة بالأفعال.
عادل: على كل منا أن يعيش على طريقته الخاصة وأن لا يتفاعل أو يؤيد أو يشجب أو يستنكر، لا مجال للوفاق وكفى، ألا ترى جذور الخلاف والاختلاف تضرب في عمق الأرض متأصلة في تربتها لا تبالي بالجوار والأهداف المشتركة والمصير الواحد، أو حتى بالنفس الأبية التي أتت من الماضي السحيق تغلي وتفور تحت رماد يفوق ارتفاعه مئات الأمتار وعشرات القادة.
سلام: نعم.. وما الفائدة أصلا من هذا الوفاق، بما أنهم وضعونا مع بعضنا قسرا في زاوية واحدة وهي زاوية الند إن شئنا أو أبينا إلا أننا يمكن أن نتماسك لنظهر الوفاق ولو على سبيل الخطب والكلام المنمق والسطوح البراقة ، وحتى إذا تصارعنا  لا أحد يبالي طالما أن السيل يجرف الحثالة معه إلى مصب النهر لتسبح في البحار الكبيرة، المهم قضاياهم أما قضايانا فليس لها اهتمام مباشر إلا بما تقتضيه الظروف الدولية المصنوعة بالبهارات والتوابل في مختبرات الغرب والشرق، لكم أمنى أن يستبدلوا اسمي باسم (هدنة الخذلان في مراتع الغزلان)، ألا يدركون أن اسمي مقدس لا يصلح للعبث بمصير الشعب أو المهازل التاريخية والتبعات الاقتصادية والأخلاقية.. أنا لا أنظر إلى الغد القريب بل إلى مئات السنين لأقرأ ماسيكتبه المستقبل عنا في هذا الزمان الغابر، وبذلك أخشى أشد الخشية على اسمي وتدهور معناه ورحيل قدسيته واختفاء فحواه في أسفل سافلين، أو أن أجيال المستقبل ستكون أكثر تخديرا وأعمق نوما وأنكى مصيرا من جيل اليوم فنكون قد ظفرنا بربح عظيم وكسبنا المعنى من الصميم ؟!
عادل: ما هذه الفلسفة! سببت لي ألما في الرأس عند العين كأنك آلة كاتبة أو معول الناسخة.. سأرحل مع الإنترنت عبر الذبذبات الصغيرة وأرتد عبر الأقمار الصناعية فوق الأطلسي لأصبح حلما ووهما على وهم وأسترد مكاني في المعاني على شاشات الكمبيوتر.
سلام: الحق أقول أيها العادل ، يا من يجب أن تدين له موازين الحقيقة، أنظر إلى هذا الشعار (سلام)، أرى نفسي خجولا من نفسي، إنه ليس سلاما إنه هراء في هراء، تلك هي هدنة ريثما يستعيد العدو قواه ويقول أن الحمى حماه ويمول نفسه بالمؤن الاقتصادية والذخائر السياسية والتقنية العسكرية الخارقة، ألا تدري بأنه هو الذي اخترع هذا الاصطلاح أعني اسمي على هذه الجولات لأنه شعر بالخطر حين باتت القوى العالمية قلقة على مواقفها الظاهرية دون الباطنية بعد أن أضحت طرفا إيجابيا عند جميع الجهات المعنية حسب زعم وكالات الأنباء، ومن مصلحتها تبريد الأجواء وفرض أفكار التسوية ريثما تعود الأمور إلى مجاريها وتقتنع بسيطرة أعم وأشمل وأعمق من ذي قبل من خلال قنوات استعمار عصر الفضاء في استغلال الوهن العقائدي وحب الذات وتقديس الشهوات في الحياة دون ضوابط روحية وروابط مصيرية عند الأصدقاء وسوادهم.
شامل: قلبت كيان عقلي وفتحت أبواب هروب الأفكار في آخر هذا الليل المضيء بالقمر والعتيم بمستقبلنا.
سلام: سلامة فهمك، أظن أنك تدعي معنى الشمولية والإحاطة بالأمور والنباهة في آخر المطاف في هذه المسرحية المركبة.
عادل: هذا لا يهمني وبالأخص النوايا الضامرة بأصول الحياة الشرقية والنفوس العامرة بالنعاس والتبعية والأرواح النافرة عن الإصلاح والجدية ، لا عمل لي مع هؤلاء الناس ولا شأن لي بأسرارهم، آخذ بما أرى على السطح، مللت من التحليلات المتحاربة والآراء المتضاربة والخفايا الخبيثة والمصالح التي لا تذوب إلا بموت الجميع والبعد عن الاستعمال المفرط تجاه أهداف لا ندري مبتغاها.
سلام: دخنا من الدوران ودارت بنا الدوائر من كثرة الاستعمال الدجال، لو أن المحكمة الدولية ذات حظ من العدل أو ذات قوام سليم وتركيب صحيح لتقدمت إليها بطلب استنكار أو برقية استرحام ، لكن لا جدوى فهي ذات وجهين عند اللزوم وأربعة أوجه عند الوجوب، أتلاشى قبل الحصول على جواب يشفي غليلي ويثلج صدري.
شامل: كنت قد ضجرت من كثرة الاستعمال ، أما الآن فقد ضجرت من فلسفتك يا سلام وتحليلاتك الخرقاء.
سلام: ستريك الأيام مدى صحة كلامي وآرائي، ولهذا سأعمل في الخفاء على تحفيز المهتمين لطلب عقد جلسة طارئة في زاوية الخراب والخوف من مجلس الأمن للبت في أمر يهمنا لأقدم لك مثالا بسيطا على سلامة تحليلي على الأقل من وجهة نظر واحدة.
شامل: علي فهم قصدك أولا حتى يتسنى لي تصديقك أو تكذيبك في المستقبل.. لكن ماذا دهاك؟ ألم تسمع عادلا وهو يشير إلى وجوب افتراقنا إلى الأبد، وأنا بدوري موافق لأن الصراع وإن ظهرت عليه علامات الذوبان والتلاشي إلا أنه لا يخرج من النفوس ويهرب من الأبدان إلا بالموت وهذا ما أنزله الله في كتابه، ألا تؤمن به !
سلام: فراق بيننا ليس من اختيارك أو اختيار عادل ، لا أبالي بما تقولانه، طالما أن الكرى لا يغادر النفوس والتثاؤب لا يذهب عن الضمائر عند الأصدقاء فالشقاء باجتماعنا وإساءة استعمالنا مكتوب علينا حتى إشعار آخر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إلى أن تغرب الشمس من الشرق الأوسط ، إلى أن تصفو نفوس الأصدقاء أو تموت الأجداث قبل البشر ، والظاهر أن الأمور تستاء من بعضها وكل منها يزداد سوءا على الطريق لأن النهاية غامضة والرؤية عكرة يا جماعة.. تعبت وتكدرت وانتهى شعور الانتماء تائها إلى شعاب الجبال الغربية.
عادل: الآن علي أن أتدخل ، سلام ملأ رؤوسنا بالفلسفة وحشا صدورنا بكثرة الكلام ، دعنا نستريح يا رجل حتى الصباح فأمامنا قسرا ودون خيار مهمات شاقة وأعمال صعبة آتية عبر محطات وصحف قديمة وجديدة ، عدوة ومتعدية ، وعلى الأرجح سنكون في الغد على الصفحات الأولى متوجين في إطارات بأحرف كبيرة رقعية ملونة ، وملفوظين بأفواه القيادات الكبيرة المحترمة في ذلك المؤتمر العالمي حول طاولة بيضوية دون بداية ونهاية وحول الزهور والأمان بعيدا عن عيون الإرهاب في الأذهان.. لذلك لا تنس أن تأخذ نصيبا من الراحة وقسطا من الطمأنينة حتى لا تلتوي أعمدتك وتضمحل معانيك الحقيقية والوهمية وتخيب آمال الجماهير المنتظرة في سرائرها تحت أغطية الوجوم على أحر من الجمر… الرجاء عدم مقاطعتي فأنا في دوامة حقيقية... اسمعوا :
…..  كأني أرى حلما ونحن نطير في الصباح إلى عالم الوهم والزيف والخداع ، قربانا في بوتقة التقدم الخداع ، تحيط بنا هالة بيضاء تحملها نجمة زرقاء، نطير مقيدين بدواخلنا مدركين النهاية لا محالة أو غير مدركين لا نبالي، ننساب فوق أشجار الزيتون اليابسة وننتهي على حافة بئر معطلة وحولها أجمة كانت خضراء ولم تعد تؤتي أكلها، نقف حيرى ، ثم تتفكك حروفنا نحن سلام عادل وشامل لتتجمع في دلو القضية الشائكة ، ويغطس الدلو في غبار البئر القديمة، غبار يخدر النفوس عن القيام ويثبط العقول عن التفكير لتنطبع على جبين كل منا هذه العبارة : (دلو لما شم سلا)، ويتهادى الدلو إلى أسفل البئر الفارغة ليشم روائح القضية العظمى إلى أن سلا الأمور العظيمة والتفاصيل الصغيرة  ، واستراح غائبا عن وعيه بين أحضان الكرى إلى أن طلع الصباح دافعا تأثير المخدر من المحيط إلى الصميم ، معيدا تركيب أحرف الكلمات ليطبع على جبين كل منا بالخط المائل المميز هذه العبارة: (سم العدو الشامل).
استاء شامل لبقاء اسمه متكاملا في نهاية المطاف مرة أخرى بعد تفكيك الحروف وإعادة صفها في كلمات جديدة، ومع ذلك أخذ على عاتقه كتابة البيان الختامي في تلك الليلة المذكورة عند الكلمات سلام وعادل وشامل.