سخرية الديمقراطية العظمى

PDFطباعةإرسال إلى صديق

" في ديمقراطية عظمى مثل إسرائيل بالطبع يجب أن يوقع البرلمان على خطة الانسحاب من غزة بعد التصويت عليها من قبل الوزراء التابعين للسيد شارون " ، هكذا قال أحد المسؤولين في الكيان الصهيوني الغاصب أمام عدسات الصحفيين عندما سئل عن سير قرار الانسحاب، كان يبتسم دالاً على فخره بهذه الديمقراطية ومانحاً نفسه ومن حوله جواً من العلو والاستكبار.

تذكرت هذا المشهد اليوم وفكرت بأنّه إذا كان هناك مجموعة من اللصوص اتفقوا فيما بينهم على التخطيط للسطو ثم سرقة أحد المصارف ووزعوا الأدوار بينهم بطريقة المفاهمة والنقاش، فهل نشيد بهم وبآرائهم وبأفعالهم رغم أنها تغطس في بئر الخطأ والباطل عميقا، أم نستنكر فعلتهم وندينهم ونأخذ على أيديهم، ومن ذلك عزمتُ على كتابة بعض السطور تعبيرا عن استيائي الشديد من الواقع كما غيري ممن يؤمن بأن الإنسانية هي أساس وأسمى قيم الوجود، فمن السخرية العظمى بمكان أن تكون هذه الديمقراطية المزعومة داخل الكيان الصهيوني الغاشم وهذا القرار بالذات يخص أراضي محتلة بموجب القانون الدولي، وإن كنا على يقين من أن القانون الدولي بشأن فلسطين العربية قانون جائر ومنحاز نحو الباطل والتلفيق يرزح تحت نير الاستبداد والعنصرية والاستعلاء. وتأتي مثل هذه التصريحات من قبيل تجريد الأدمغة من حقيقة وحيثيات الصراع وتعبيرا عن بعض طرق التطبيع وإلى ماهنالك من التقدم خطوة خطوة بهدف الاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة ذات كيان شرعي وفعالية إيجابية في المنطقة من قبل الشعوب، فإذا كانت وسائل الإعلام لدينا تغطي وتقدم هذه التصريحات وما شابهها من أجل توضيح الحقائق وكشف زيف مثل هذه الإدعاءات فلا بأس ونعم الأمر هو ، أما إن كانت التغطية لمجرد التغطية فحسبْ وذلك ادعاءً بأن نزاهة الصحافة تحتم عليها ذلك فبئس الأمر هو، ولا أجرّم أحدا إلا بما تمليه علينا الوقائع التي نستطيع من خلالها وضع هذه الوسائل على المحك في تغطية نزيهة تحفظ للأمة كرامتها وتصنع لها مجهدها، وتدين على الأقل أسوأ احتلال استيطاني في العصر الحديث، بالإضافة إلى أنه أسوأ احتلال استيطاني على مر الزمن وذلك من جراء انعدام الإدانة الدولية لهذا الكيان المغتصب رغم التنكيل والفظائع المتناوبة حسوما على هامة الشعب العربي الفلسطيني الأعزل، ولا نسأل النصرة إن كانت عزيزة على بعض الأنظمة في العالم بغية مصالح يرونها قائمة لديهم وإنما نسأل التنديد والشجب على أقل احتمال وهذا من أضعف الإيمان بالإنسانية ومبادئ الحقوق الإنسانية الأساسية على هذه البسيطة، ثم ها نحن نرى حق النقض (الفيتو) يتراقص في الآفاق منتظرا لكي ينتزع حق التعبير من مكانه في هذا العالم المسمى زيفا عالما متحضرا . ماذا تركنا إذاً للبرابرة القدامى منذ استهلال التاريخ حتى الآن؟!

مائة وثمانون درجة، هذه هي الحال،  فلنقارن هذا الانفراج العظيم بين الحقيقة البيّنة وبين الحال على أرض الواقع: احتلال استيطاني وإحلالي ، تهجير جماعي لأصحاب الأرض، سرقة الأراضي والممتلكات، استعباد وتكبيل وسجن كبير لسكان الأرض الأصليين، عنجهية واستكبار بدعم من القوى الكبرى اقتصاديا وعسكريا ، قلع الجذور والبنية التحتية، ترسانة نووية ولا توقيع على معاهدة خلو المنطقة من الأسلحة النووية، أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها الكيان الصهيوني ونرى غيره في المنطقة تحت المجهر من قبل البلدان الأخرى والوكالات الدولية، الكذبة العظمى بشأن ما يسمونه أرض الميعاد، ثم تخرج وسائل الإعلام العالمية لتصف الأمر بالأراضي المتنازع عليها وحق الدفاع عن النفس لاسرائيل وكأننا نرى أن الباطل بيد الأقوى سلاح يحمله فوق الأعناق ليس فقط للمنطقة وأهلها بل ليزيل اللثام عن باطل أسوأ منه أمام العالم والتاريخ.

ريان الشققي