زاوية من السلام في معلقة زهير

PDFطباعةإرسال إلى صديق

دخل الأدب في السياسة عبر العصور بشكل مباشر أو غير مباشر وتأتي معلقة زهير بن أبي سلمى مثالا واضحا على التدخل المباشر للأدب في السياسة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. ولئن كنا في صدد السلام اليوم مع أن الحروب قائمة في أماكن متفرقة من بقاع الأرض ، فإن للسلام عهود .. وللسلام والحروب دروس وعبر من الماضي القريب والبعيد.. وإني أقرأ عن السلام بلاأمس واليوم فلا أرى حمام السلام الحقيقي يرفرف ولا غصن الزيتون ولا الوئام ولا النوايا السليمة ولا الأفعال الموحية بالسلام، ولا تعجبني كلمة سلام لأن تماثل الأهداف بين الأطراف يبدو بعيد المنال.. لئن كان السلام أيضا بين أطراف الشعب الواحد حيث اقترب تماثل الأهداف لكان الكلام وارد وله قبول ولكن عندما تذهب مهمة السلام إلى هدنة ريثما يصعد طرف واحد إلى مراحل متقدمة عبر أهدافه ومراحل أعلى من التجهيزات للسيطرة على الموقف فإن القضية تختلف تماما وهذا لا يسمى سلاما ولكنه برأيي يسمى نزولا تحت رغبات أعلى لإعادة النظر في الأمور بعد تخريب سمعة الصهيوينية قليلا على المستوى الأول.

وأعود إلى معلقة زهير بن أبي سلمى وقصة السلام التي حدثت تلك الأثناء بين قبيلتين عربيتين في شمال شبه الجزيرة العربية بعد حرب ضروس. لقد خلدت معلقة زهير مكارم السلام الصحيح الحق إلى يومنا هذا ، وأعطت من الحكم الكثير ، فنتحدث قليلا عن قصة هذه المعلقة والمتعلقة بالسلام بين فئات الشعب الواحد ونربطها بقضية السلام اليوم بين شعب وأخر أبعدت الدنيا بين أهدافهما فصارا عدوين لا مجال للمسامحة إلا عن طريق الهدنة المخفية فالكل يضمر أهدافا غير التي نراها عند حكماء الدول الكبيرة اليوم.

وفي هذا الصدد سأبدي أراء على بعض الحكم في معلقة زهير وعلاقتها بقضية السلام اليوم بالإضافة إلى مناقشة أدبية وتحليلية وشخصية.

لقد شهد زهير حرب داحس والغبراء، فرس من غضفان ، ودامت الحرب طويلا وراحت فيها ضحايا كثيرة وكانت لذلك حربا بشعة أضرمت نار الويلات في الطرفين.

بدأ حكماء القوم بين القبيلتين بالزج بأنفسهم لوقف الحرب وبعد وقوفها ظهر أن لهرم بن سنان والحرث بن عوف أياد بيضاء كريمة وكان لهما الفضل في دفع ديات قتلى الطرفين من أموالهما فظهرت قريحة زهير لينشأ معلقته الشهيرة التي مدحت هذين السيدين وأعطت حكما جمة محبوكة. وتلك هي لقطات من هذه المعلقة المرفقة بحب السلام والدعوة إليه.

أولا ، الظاهر من القول أن زهيرا عاصر الحرب وأسبابها ونتائجها وكان عمره ما يقارب الثمانين عندما أنشأ معلقته حسب قوله:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش   ثمانين حولا لا أبالك يسأم

وهذا دليل على حكمة مجرب خبير بالحياة وليس على حكمة من تكلف الكلام أو انتقاه للحاجة الوصفية والكلامية فقط أو للتكسب من ورائه.

بدأ زهير معلقته بوصف أماكن الإقامة والأطلال والظعائن ثم مدح وأثنى على هرم بن سنان والحرث بن عوف ثم وصف الحرب وبشاعتها ونفر الناس منها وحذر من الختل والخداع بعد صفاء القلوب ، حتى وصل إلى حكمه المشهورة ، وأريد هنا أن أناقش بعض هذه الحكم وعلاقتها بالصراع الحالي في الشرق الأوسط ، وسألقي الضوء على بعض النواحي الادبية بالإضافة.

قال زهير:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة   يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
أعتقد أن المصانعة والمجاملة واردة في حالات كثيرة من الحياة على المستوى الشخصي وعلى المستوى الأممي عدا حالة المصير والوقوف أمام عدو مكشر عن أنيابة الصغيرة والكبيرة ومصرح بوقوفه بمنسمه وصموده وأهدافه التوسعية ، وعدا حالة الصراع المكشوف للعالم أجمع نحو الصهيونية في مواقعها وسكانها المتزايدين.

وقال:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه   يُهدّمْ ومن لا يظلم الناس يظلم

لا أستطيع أن أتفق مع زهير أكثر مما أتفق معه في الفكرة الأولى من هذا البيت ، فالدفاع عن المحارم والحمى والمرابع والخشية من تهدمها إلى أشلاء متفرقة يحتاج إلى السلاح ، وأذهب هنا إلى عمق المعنى الذي أراه فأقول بأن الهاء في كلمة سلاحه هي مؤشر للملك والتطوير والتصنيع معا.. فمن اشترى السلام أو العلم أو الفكر واعتمد على غيره في إصلاحه وإعادة تموينه فقد يربح معركة أو غيرها ولكنه سيخسر المعركة على المدى الطويل ، وأعتقد أن سر هذه الحكمة هو الهاء في سلاحه ، فمن استعار سلاحا وقاتل به أو مضى به إلى شأنه وجب إعادته في وقت قد يكون هو بأشد الحاجة إليه ، وهكذا فالسلام والعلم والفكر والثقة سلاح وإني أجزم بأن الهاء لم تأتي عبثا أو لإكمال الوزن الشعري فقط ولكنها جاءت للحصول على المعنى المناقش أولا ثم إنها طابقت الوزن المطلوب فجاءت دون تكلف أو جهد كبير في التطبيق. أما عن كلمة (يُهدّم) فوراؤها كثير من المعاني ، فإنه لم يقل سيخسر أو سيندم أو سينكس أو غيرها من الكلمات الموافقة للوزن الشعري ، ولكنه قال (يُهدم) والهدم هو الكسر والتحطيم وشددت للتكثير فلا عودة بعدها وهذا غير الخسران والندم حيث يستطيع الإنسان العودة للحياة بعد حين. أما عن الفكرة الثانية في البيت السابق فإنها تشير إلى أن الإنسان يُظلم لا محالة إن ظلم الناس وإن لم يظلم الناس، والأقرب هو أن لا يقود الإنسان إلى ظلم غيره له وعليه أن يجرؤ لأخذ حقه ولكن دون مغالاة لا كما يوحي البيت للوهلة الأولى أن الظلم واجب وعلى الإنسان أن يتخذه لحماية نفسه من جور الناس ، وقد يكون القصد أن يظلم الناس هؤلاء الذين يستحقون أن يٌظلموا لضمورهم الحقد والبغض والغدر وهذا يكون لدرء المفسدة. وكلا الفكرتين تنطبق على الصراع الحالي على الأرض المقدسة وكلاهما حكمة للعرب اليوم.

وقال:
ومهما تكن عند إمرئ من خليقة   وإن خالها تخفى على الناس تُعلم

وهنا أقول ذلك شيء جميل وأمر محمود، لقد أظهرت الصهيونية الكثير من النوايا الشريرة والخبيثة على كل الأحوال ولا داعي للحكمة هذه لدراية الأمور الواضحة فيها .. ولكن تلك هي حكمة عندما ننظر إلى ما تخفيه الصهيونية بعد من نوايا لا يعلمها كثير من البشر وإن كان بعضهم يستنبط قسطا وفيرا منها.. فمنذ سنوات مضت لم تكن قضية المستوطنات واضحة معلومة ولكنها الآن ثابتة راسخة ففي وضح النهار وتحت ستار شفاف تنقل الطائرات القوم بعد القوم وتبني الرافعات والعمال البناء بعد البناء في الأراضي جميعها المأخوذة بعد 1948 والأراضي المعتبرة محتلة من قبل الأمم المتحدة على حد سواء.

وقال:
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده    وإن الفتى بعد السفاهة يحلم

فلقد شاخت الصهيونية وصارت الجرائم نقطا سوداء في قرارات وصحف وقلوب ولكنها لم تبلغ الحركة العنيفة في قهر السفيه. وما نرى من الحلم الواضح أحيانا في تقلبات القوم هناك فذلك ضرورة لإعادة استدرار العطف العالمي .. ولا أعتقد أن هذا سوف ينمو وينمو بل سيخبو ويخبو ... ومع هذا فإنهم شاعرون بذك فوضعوا لذلك المتاريس في عرض مشيئة العالم لإبقاء مصالح الكبار سائرة في مناطق الرسالات ولإبقاء العقلية المحلية المحيطة في متاهاتها تتأرجح بين الغرب إلى جهة الغرب .. فمتى سيأتي الفتيان لدينا، هؤلاء الذين يحلمون بعد سفاهات عارضة ! وعلينا جميعا أن نتخذ الحلم والإعداد وسيلة فنحن شيوخ عبر الزمان ولكننا شباب في العقل والعقيدة والإيمان والتغيير المحمود .. فانتبهو إلى الشيخة السفيهة..انتبهو إلى الصهيونية..وأقيموا لفكرنا الفتى الصائب يا معشر الحكماء والأدباء والناقدين ..وكل الناس.

وقال ختاما:
سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم    ومن يكثر التسأل يوما سيحرم

إني أرى الشطر الاول غير منطبق على حالنا اليوم لأن الصهيونية لم تعط ولن تعطي قدر ذرة من قرار أو أرض تحت إرادتها. فلقد سألنا فلم تعط ولكننا لا نعود لأنها لن تعود وإن عدنا فهي عنيدة شرسة لا تشبع.. وإن الصهيونية تكثر التساؤل اليوم وغدا..ولكنها بإرادتنا سوف تُحرم حلمها بالدولة الكبيرة وسوف تُحرم ما هي عليه الآن إن صمدنا ، ومن يعرف أهداف الصهيونية يدري بأن سؤالهم سيكثر ويكثر حتى تشيب اللمة وتبيض المفارق..وعلينا بالحلم الفطين والحكم الرزين والجهد البناء والتربية الحميدة والتوعية المصيبة لردع المصيبة.

_______________
لوس آنجلس 1991