ربحنا ورب الكعبة

PDFطباعةإرسال إلى صديق

الثمن باهظ والمصيبة كبيرة والوضع الإنساني لا يحتمله إنسان فيه قطرة خير إلا واغرورقت عيناه بالدموع، الإنسانية تُدفن تحت أنقاض الشجب حينا والتنديد حينا آخر، وتختفي تحت غطاء التصريحات والرسميات، والإنسانية أيضا تتلاشى في الآراء وفي التعليقات وفي انتظار ارتفاع الضحايا إلى ما لا يعرفه أحد ولا يدركه عقل، القتل سوء، والتدمير بلاء، والقصف ظلام وهمجية، في غزة أم في غير غزة، الإنسان هو الإنسان، تلك هي المشاهد في غزة الجريحة على مرأى ومسمع من العالم أجمع، تلك هي الوحشية في أسوأ معانيها تتمثل في هذه البقعة من الأرض على أيدي الصهاينة الجلادين ومصاصي مقدرات الشعوب ودهاة العالم في الشر وفي الخديعة والسرقة، لك الله يا غزة، لك الله يا غزة.

لكننا ربحنا ورب الكعبة، فلقد كشرت الصهيونية الرعناء عن أنيابها السامة وأخرجت مخالبها العوجاء وعبّرت عما هي عليه من الحقد والظلام في عهد التنوير وعصر الرقميات وعهد انفتاح الأمم على بعضها وتعارفها، عبّرتْ عن نواياها ومكنوناتها التي لم تختفي قط ولكن الإعلام العالمي يجمّلها حيناً بعد حين دون جدوى، لقد جمّلناها نحن بعهود معها ومواثيق بعد أن دبّ الضعف في جسدنا وآمالنا وهنّا على أنفسنا واحداً تلو الآخر، فمن كان اليوم مع السلام في مغاراته المظلمة فليكن وليفرح بما هو عليه من الشر والخيبة والتخاذل، وهاهو التعبير عن السلام في أروقة الصهاينة يأخذ منحاه في قصف وتدمير ويعطي جدواه في قتل وترويع.

الصهيونية الخرقاء لا تقصف غزة فحسب بل تقصف كل القيم الإنسانية الأصيلة وتدمي جبين البشرية بالعار وتغرف من نهر القطران وبحر السواد الرهيب، وليس بغريب على الصهاينة نشر الرعب وليس ببعيد عنهم الحقد وليس بمنأى عنهم تهجير الناس وإلقاء اللوم على غيرهم واختراع الحجج والأعذار مدعومين من قوى الظلام العالمية التي تدعي التنوير وتدعي الديمقراطية وتدعي حفظ مصالح الإنسان على الأرض، من لم يهتم إلا بنفسه فهو جاهل وأرعن، ومن يدعم القتل والدمار فهو غير متحضر وغير أنيق، فها هو عصر الجاهلية قادم لا ينتهي إلا بوقفة عز ووثبة كرامة، وها هي بيوت الدول العالمية الرسمية تتآكل تترى وتتداعى تحت هتافات الشعوب.
 
لكننا ربحنا ورب الكعبة، الحقائق تتجلى والشواهد تتعالى، فهي محنة تفيق منها الأمة وتستيقظ  منها الشعوب النائمة لتعبر عن شعورها الحقيقي وعاطفتها السائدة ومكنوناتها وأولوياتها الرئيسة، أما تلك المعاهدات السلمية والطريقة الاستسلامية التي وصلت إليها أنفاق الحوارات والخضوع المستمر فهي إلى زوال لأنها لا تفي بالغرض من تحقيق أدنى مستويات الكرامة والحقوق أمام عدو أخطبوط غاشم بشع رعديد .
 
من يخضع يستسلم ومن يستسلم يهون عليه الدم والدمار، فيخترع المواثيق ويوهنه كيد أعدائه ويريق ماء وجهه للقريب وللبعيد، لا بد من وقفة شجاعة، لا بد من حيز من الكرامة، لا بد من وضع النقاط على الحروف، من المعتدي أصلاً ومن الذي شرد الناس ومن الذي أعطى الحق لهذا الكيان الغاصب وهذه الدولة المصطنعة أن تعيث في الأرض فساداً وتهلك الحرث والنسل، والله تعالى لا يحب الفساد، وهو الذي قد فطر الناس على حب الخير وحب الأمان وحب التعايش، لكننا لا نستطيع التخاذل ولا نرغب بالتعايش مع من سلب الحقوق منا بالقوة والدمار واقتلع الناس من أراضيهم ونهب المقدرات والأملاك دون هوادة، من يتناسى الماضي لا يربح ومن يسدل الستار على قبح الصهيونية لا يفوز، واليوم تتكشف أكثر واكثر، فلك الله يا غزة ولك الله يا أمة.
 
 لكننا ربحنا ورب الكعبة، إيه يا أمة، إيه يا شعب، حان الوقت لكي نستعيد الكرامة حتى ولو نفسياً، نرضعها لأبنائنا وأجيالنا القادمة، إن لم نكن قادرين فهم سيقدرون وإن كنا قد خنعنا فهم سيفيقون، فلنمهد الدرب لهم ولو كان الدرب مليئا بالدماء الطاهرة فهذا هو القدر المحتوم وهذا هوالعدو يفتك بنا ولكننا رغم الجراح فقد ربحنا ورب الكعبة، ربحنا الجيل القادم وربحنا الكرامة وربحنا النهضة من القبور، فها هي الحناجر العربية والعالمية الإنسانية تهتف وتنادي، وها هي النفوس تعتمل بالحق والإنسانية، نحن دعاة سلام ونحن من يريد السلام ونحن من يحب السلام والوئام، ومن لا يحب السلام إلا أن يكون جباراً في الأرض وأن يكون سارقاً لمعاني الإنسانية من الشر وسالباً للحقوق والمقدرات.

نحن أمة لا تجنح للسلم إلا بما يفضيه الواقع من التوازن والمصالح، كيف نستسلم لمن سرق الأرض وعلا فيها دون حق ودون إنسانية، ومن شرّد الإنسان وقتل الآمال، كيف نستسلم لمن جثم على الصدور بدعم دولي لا سابق له ودعم أممي لا خير فيه للإنسانية، لذا،  لا تفاوضْ ، لا تفاوضْ، احزمِ الحبل وقاومْ، لا تفاوضْ.