رائدة الحضارة أم الظلم

PDFطباعةإرسال إلى صديق

من هم من أرذل أهل الأرض جاؤوا إلى أرض الحضارة والكرامة والإباء، من الحانات إلى معسكرات التدريب ومن كهوف الفساد إلى مقبض البندقية ومن جحور الخلاعة والضلال إلى البذلة العسكرية، بعض من حثالة الشعب الامريكي يتحكمون بمقادير ومقدرات أهل العراق ويحكمون على البشر بما تمليه عليه أهواؤهم ومصالحهم، وباتت الغاية تبرر الوسيلة، وهذه هي الكرامة الانسانية تهتز بيد الجلاد في حكاية لن تنتهي أبداً ، وهاهي الدنيا ترى وتبصر تلك الصور الوحشية والمناظر المهينة التي يندى لها الجبين وتعتصر منها القلوب أسى وتغلي منها الدماء غليانا لا تعود بعدها قانئة قط.
لا تعتذروا اليوم، فقد كفيتم ووفيتم بالقبح والجريمة وانتهاك الحقوق الأساسية والفرعية، وكيف تعتذرون عما هو قليل ويسير نسبة إلى الكثير الجم من الخروقات الإنسانية في حرب غير محقة وغير مبررة وتدمير بلد وترويع سكانه ونهب ثرواته وهدم حضارته، أرسلتم الرعاع المدربين على أحدث الأسلحة لتهلكوا الحرث والنسل ودفعتم بمرتزقة خالين من العقيدة كي يدوسوا كرامة البشر ويستبيحوا أموال وأعراض الإنسان الآمن، يدمرون البيوت ويقصفون الأحياء ويقتلون الأطفال والنساء ويثيرون الفتن ، وكل هذا بقصد التحرير المعلن والحرية الكاذبة، وكلما ماتت مجموعة من البشر بقصف أو إطلاق رصاص أو تبادل للنار خرجت تصريحاتكم تجلجل عالية بأن هؤلاء من فلول النظام السابق أو عناصر من الجيش السابق ممن خاب أملهم أو إرهابيين أجانب غير مرغوب بهم من قبل أهل البلاد  أو من المناهضين للاحتلال أعداء الحرية أو.. أو .. وبذلك سوف يتم الإجهاز على معظم الشعب العراقي إن لم نقل كله.
لا تعتذروا اليوم وقد دهستم بقايا من الكرامة في القلوب لسنوات طوال، وكل الضمائر الحرة في العالم تستنكر ، وكثير من الناس على هذه البسيطة لايميز بين الإدارة والشعب بشكل عام، فهاهي سمعة الشعب الأمريكي التي داستها الأرجل تترنح مما سببه نهج هذه الإدارة المنتخبة وذهبت سمعته الجيدة التي أحرزها وحققها عبر السنين أدراج الرياح تعصف بها وتلوكها الألسن، ومن المؤسف أن يذهب الشعب بجريرة قادة لا يحسبون حساباً للتاريخ والتجارب الإنسانية وحركات الشعوب، وهاهي رائدة العالم الحر تصبح تحت هذه الإدارة رائدة الظلم والشذوذ وقلة الأمن والحياء.
وجاءت المقارنة على وجه السرعة على لسان المشككين وجاءت الأعذار تهرول وراءها الواحد تلو الآخر، وحلت المصيبة الكبرى حين زعم نفر ممن والى قصة التحرير بالاحتلال وركب موجة الحرية القسرية (!) من الأمريكيين ومن العرب الأمريكيين ومن أصدقائهم في المنطقة بأن ماحصل تحت حكم صدام أكثر شناعة وأعظم تنكيلاً، والحقيقة المرة مرارة العلقم هي أن من يقوم بمثل هذه المقارنة للتبرير في الظرف الراهن إنما يهرب إلى سراديب الخراب ويدعو إلى ما لا دعوة له وليس له من أمر حقوق الإنسان شيء ، فكيف نقارن هذا بذاك في وقت عصيب كهذا وبلد كريم يرزح تحت الاحتلال المقيت الذي ينتهك أبسط الحقوق في الحياة الآدمية الآمنة، وهل نقارن إلا لكي نحاول أن نمسح وصمة العار عن أمة تدّعي الحرية والتقدم والرقي والحضارة، فلا بديل عن الإدانة والاستنكار والشجب لهذه الافعال المشينة والقبيحة إلا العمل على إزالة الاحتلال البغيض وآثاره.
وقد باتت الشعوب في أنحاء المعمورة كافة تشمئز من منظر أعضاء الإدارة الأمريكية وهم يدلون بتصريحاتهم ويقدمون الأعذار ويؤكدون على أهدافهم النبيلة (!)، وهذا من فداحة التلفيق وعظم الخداع وكثرة الكذب من أجل أهداف خبيثة ومصالح ملتوية باتت لا تخفى على عاقل، وهاهو الاعتذار الرسمي على أعلى المستويات ينطلق مدوياً عبر الأثير على القنوات العربية والأجنبية وهاهي أفلام الإجراءات والتحقيقات تظهر إلى العلن وتصطف في طابور الواقع لتضيف الخيبة إلى الخيبة ويصبح من في الإدارة أو ينتمي إليها في مهزلة لم تقع بمثلها الولايات المتحدة منذ تأسيسها منذ أكثر من قرنين، فالإدارة الشريرة النوايا والكذابة لا تفرز إلا أعمالاً شريرة وعناصر فاسدة خداعة، والأمر ينطبق على كل من شارك بما يسمى قوات التحالف مهما كان هدفها إقتصادياً أو تأكيداً على التبعية للإدارة الأمريكية. ثم جاءت التبريرات على ألسنة بعض أعضاء الإدارة والعسكريين ومن شايعهم:
- التعب والنصب ربما دفع السجانين لإساءة معاملة الأسرى
- لا يوجد تدريب متقن وتعليمات واضحة محددة للجنود
- الجنود غير مطلعين على تعليمات وثيقة جنيف
- كانت التحقيقات جارية منذ زمن وكانت الإدارة بصدد معاقبة المسؤولين عن التعذيب
- هذه أمور إجرائية تم تسييسها لأغراض دعائية وانتخابية
- عدد السجانين قليل نسبة إلى عدد المعتقلين
- التحقيقات الجارية العلنية مع القادة والإجراءات المنشورة للعلن دليل على الشفافية والديمقراطية والحرية ودليل على تقدم ورقي الأمة
وإلى ما هنالك من تعليقات وتصريحات وأعذار وأعذار، فالاحتلال بغير حق وحجز الناس في المعتقلات بغير حق وحرمان أفراد من الحرية في أرضهم بغير حق ، فمن يتبول على إنسان مسجون بغير حق أصلاً ومن يكون فخوراً بتعرية الأجساد وابتزازها والتمثيل بها ومن يجر إنساناً مظلوماً مكلوماً من رقبته كالبهيمة كيف نطلق عليه اسم إنسان وهل يستحق أن يكون حتى حيواناً برياً، فما رأيناه من الفظاعة والمهانة تدينه وتخجل منه النفس البشرية والكرة الأرضية والكواكب والفضاء والمجرات والكون، والإهانة ليست إهانة لأجساد وأرواح وحسب وإنما إهانة زجت في صميم حضارة عريقة وشعب كريم وإنسانية جمعاء.


ريان الشققي